خاتمة: التدوين مطرقة أم مسمار النعش؟

(لقراءة الجزء الرابع والأجزاء السابقة هنا)

* * *

خاتمة: التدوين مطرقة أم مسمار النعش؟

ثغرة في الجدار؟ (الصورة من جدار الفصل العنصري في فلسطين المحتلّة)

استعملنا تعبير “التدوين كمطرقة” عنواناً لهذا البحث لأنه يختصر في الواقع الدور الذي يمكن أن يضطلع به التدوين اللبناني في مستقبل جميل ما. فرغم كل التحديات، يبقى مستقبل التدوين اللبناني واعداً وخاصة لأنه يستمّد حيويته من تنوّع سياسي واجتماعي وثقافي نشيط، من هامش واسع من الحرية مقارنة مع بلدان عربية أخرى، ومن توق للتغيير تعبّر عنها بوضوح حقيقة أن الفضاء الالكتروني هو حتى الآن شبه خالٍ من الديناصورات السياسية والطائفية والعائلية وما يشبهها من أنواع أخرى. وتكشف الاستدعاءات الأمنية والقضائية الأخيرة تصاعد أهميّة وقدرة الإعلام البديل الذي بات يتخطّى كونه مجرّد إعلام وتحوّل إلى أداة تثقيفية وتعبوية وتنظيمية وتغييرية بامتياز.  وقد تكون الزعامات التقليدية ترى التدوين منذ الآن على أنه تهديد لهمينتها الإعلامية والتربوية والسياسية على المدى البعيد، خاصة أن محرّكو الإعلام الجديد هم بمعظمهم علمانيون أو مستقلّون أو ذوي قلب يساري، ومناهضين بغالبيتهم الساحقة للنظام اللبناني الطائفي وللطبقة السياسية ككل.

من هذا المنطلق، يمكن للتدوين أن يصبح أحد الأدوات الرئيسية لكسر طوق الاحتكار الإعلامي والتربوي للطوائف، هذا الطوق الذي أحكم الخناق على لبنان وجعله كياناً معاقاً منذ ولادته حتى اليوم. فالتحجرّ السياسي والطائفية والمحسوبية ومعظم الأمراض المعروفة في النظام اللبناني تستمرّ شعبياً لانها ترتكز بالدرجة الأولى على نظام تعبوي- تلقيني مغلق مكوّن من مؤسسات تربوية وعائلية وحزبية وإعلامية ذات صوت واحد تعلّمنا منذ نعومة أظافرنا أمر واحد فقط: طاعة الوالي مهما كان، أباً، شيخ عشيرة، رجل دين، ربّ عمل، صاحب مؤسسة أو زعيم طائفة بأكملها. والتدوين هو تمرّد مباشر على هذه الحلقة التلقينية المغلقة، بل هو أيضاً أداة بديلة للتثقيف السياسي والتعبئة الاجتماعية وصناعة الرأي العام بعدما بات الانترنت الوسيلة الأخبارية والتعليمية الرئيسية للجيل الشاب.

صحيح أن التدوين منفرداً ليس أداة تغيير سياسي لكنّه على الأقل يسمح بفتح كوّة صغيرة في الجدار حيث يمكن لجيلنا الحالي خلق جوّ اجتماعي – ثقافي – فكري علماني مؤمن بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية لدى شريحة واسعة من الشباب عسى أن يكون بامكان الأجيال التالية أن تتنفس بحريّة أكبر وأن تعمل مستقبلاً لإحداث التغيير الذي فشلت الأجيال السابقة في تحقيقه.

والخلاصة النهائية هي أن التدوين، في أنظمة مثل أنظمتنا العربية، هو مطرقة، فإما نضرب بها الجدار لنهدمه أو نسلّمها للحاكم لكي يدّق بها مساميره على نعش البلاد. فأيهما نختار؟

Add to FacebookAdd to DiggAdd to Del.icio.usAdd to StumbleuponAdd to RedditAdd to BlinklistAdd to TwitterAdd to TechnoratiAdd to Yahoo BuzzAdd to Newsvine

6 comments

  1. nihal · أغسطس 25, 2010

    فليكن التدوين هو المسمار اللذي يخترق جدار العزلة والطوعية
    فليكن التدوين والتعبير الرافض عن كل ما هو شاذ المسمار الذي يشكل اذاه تعذيب الذي يستخدم لتعذيب الوالي فكلما زادت لامدونات و المدونين والقراء والمشاركين كل ما اصبح هذا المسامار اكثر صلابة وقدرة على الاختراق والتعذيب …………………………..

    تحية للمسامير المعذبة

  2. القط · أغسطس 25, 2010

    شكرا على هذا البحث. فالبحث غني و واقعي و مثري.
    و طبعا كلنا نأمل أن يكون التدوين مطرقة لتحطيم جدران الظلم و الطغيان.
    و لكن من اصل 300 مليون عربي، عدد المدونين قليل، و بالأخص في المجتمعات التي تعيش مأزق أكثر من غيرها، كلبنان أو مصر مثلا.
    المشوار ما زال طويلا… و لكن لا بد لليل أن ينجلي.
    مع الشكر من جديد.

  3. Sahran · أغسطس 25, 2010

    طوني الرائع مرحباً بك

    منذ فترة لم أزرك , وعند عودتي أجدك دائماً كما عودتنا متكلماً بحديث من ذهب ,,

    نعم صديقي أوافقك الرأي فيما تقول , وليس في لبنان فحسب , بل في العالم أجمع ,,
    لازالت ديناصورات الواقع التي تكلمت عنها عاجزة لغاية هذه اللحظة عن السيطرة على العالم الإلكتروني , وخصوصاً عالم التدوين الرائع , والذي لا يعرف أهميته إلا من مارسه ,,
    فالتدوين أعطانا الحق كل الحق بأن نقول ما نشاء , وقتما نشاء , وعن أي شيء نريد التحدث عنه ,
    لا قيود
    لا ضوابط تقليدية متحجرة,
    سوف لن يكل هؤلاء الديناصورات عن محاولاتهم للنيل من عالمنا التدويني , ولكن الحمد كل الحمد للكتنولوجيا التي منحتنا القدرة على تسليط سيف الحقائق على رقابهم

    دمت حرأً وصديقاً أعتز به

    تحياااااااااااااااااتي لك

    ودمت سالماً

  4. لاديني · أغسطس 26, 2010

    هذه السلسة ألقت الضوء على خصائص وأهمية التدوين عموماً ولبنان خصوصاً، وهي في رأيي تشكل مرجعاً أساسياً للحركة الانترنتية اللبنانية الحديثة إجمالاً، وأرى من خلال المقالات أن كسر طوق الأمراض المختلفة التي يعاني منها المجتمع اللبناني والمجتمعات عموماً ممكن جداً على يد التدوين الذي يعتبر وسيلة غير مسبوقة حتى يقاس عليها، ومؤثراته على مسيرة المجتمع بكافة أطيافه لا حد لها لما يتميز به التدوين من فضاء حر واتساع وتنوع وإتاحة للجميع أن يقولوا كل شيء في أي شيء بكل حيوية وتنوع..وتهديد لمتحجرات ديناصورية أيضاً.

    عزيزي طوني..تصر على إدهاشنا مع كل فكرة جديدة تطرحها…
    شكراً لك

  5. Adon · أغسطس 27, 2010

    مراحب جميعاً،

    @ Nihal،
    شكراً صديقتي، على أمل أنو تكون هالاداة البسيطة مطرقة فعلاً.
    تحياتي

    @ القط،
    يا هلا عادل ، المدونة مدونتك. كنت تابعك من زمان بالفوروم وبكتاباتك وآرائك وتعلمت منك اشيا كتير، وهلق خبرية جميلة انك رجعت على التدوين والكتابة.
    صحيح عدد المدونين قليل نسبياً وخاصة لأن الانترنت بالعالم العربي من أسوأ الخدمات على الاطلاق، لكن واضح من سنتين لليوم انه فيه فرق واضح ولو طفيف بالجو الفكري الشبابي السائد بسبب التدوين والمدونات فعلاً. على أمل هالوعي الجديد ينمى ويقوا ويلاقي نتائج أكتر مستقبلاً.
    الشكر الك يا صديقي. سلامي

    @ Sahran
    سهران العزيز،
    زمان ما طلّيت علينا صديقي : )
    فعلاً كما تقول، التدوين قلب العلاقة للمرة الأولى بيننا وبين المؤسسات القمعية في مجتمعاتنا، فللمرة الأولى نحن لم نعد المتلقي بل استلمنا زمام المبادرة وهم الذين باتوا في موقع ردّ الفعل.
    تحياتي لك

    @ العزيز لاديني،
    شكراً على رأيك صديقي. اعتقد ان نتيجة الحيوية التدوينية في العالم العربي ستظهر أكثر وأكثر مع الأيام خاصة في الدول التي يشكل فيها التدوين الإعلام البديل الوحيد عن الإعلام الرسمي. فعلى أمل : )
    سلامي لك

  6. تنبيه: مطرقة أم مسمار

التعليقات مغلقة.