زئير الأرض المحتضرة

 

Green Resistance

زئير الأرض المحتضرة ونهاية العمل البيئي التقليدي

 

خلال الأيام القليلة الماضية شهد لبنان والأراضي المحتلّة احتراق أكثر من سبعة ملايين شجرة، أي ما يوازي ضعف عدد سكّان لبنان تقريباً. الغابات التي انتهت تحتاج لأكثر من نصف قرن لتستعيد مساحاتها الخضراء، لكن المواطنين في البلدين سوف يعانون من نتائج هذه الكارثة قبل ذلك بكثير، وهم يعانون منها بالفعل منذ الآن.

إن قضية زوال الغابات هي شأن وجودي مباشر يهدّد حياة البشر وحياة آلاف الكائنات الأخرى. فغياب الشجر يحوّل المنطقة إلى صحراء لأنه يخفّف من نسبة الأمطار التي تتلقّاها الأرض ونسبة المياه الجوفية المتوافرة للريّ، وبالتالي يؤثر بشكل سلبي جداً على الدورات الزراعية وعلى قدرتنا على انتاج الغذاء. بالمختصر المفيد، إن زوال الغابات في منطقة من المفروض أن تكون “هلالاً خصيباً” يعني زوال الإنسان فيها بسبب الجوع والعطش وزوال كل شيء جعل من حضارة هذه المنطقة ممكنة.

القضية إذاّ ليست قضيّة “فقدان المناظر الخضراء الجميلة” كما صرّح بعض السياسيين الأغبياء في لبنان، كما أنّها ليست عقاب إلهي للاحتلال في فلسطين كما صرّح بعض المواطنين الأكثر غباءً اللذين هلّلوا للحريق في جبل الكرمل (كأن التصحّر الذي يحصل جرّاء كلّ هذه الكوارث سيميّز بين يهودية ومسلمة، أو كأنه سيتوقّف ليشرب القهوة عند وصوله إلى حواجز حرس الحدود). المسألة أبعد من ذلك بكثير.

حين ننظر إلى “الصورة الكبيرة” حول العالم لكي نشخّص حالة الأرض، لن يتطلّب الأمر كثيراً حتى ندرك أننا نشهد احتضار الكوكب. إن الأرض التي نعيش عليها تموت ببطىء. إننا نقتلها ببطىء. من كارثة التغيّر المناخي وارتفاع درجات الحرارة على الكوكب، إلى الانقراض المتسارع للأنواع الحيّة، إلى أزمة تآكل التربة وزوال الغابات والتصحّر وجفاف الأنهار وتلوّث الهواء والمجاري المائية وموت المحيطات، بلغ التدهور البيئي مرحلة باتت تهدّد كلّ الحياة على كوكبنا بالانقراض. وبعكس أفلام الخيال العلمي، لا نستطيع الهروب إلى كوكب آخر. إن قتلنا هذه الأرض، سنموت معها، ولعلّها تنتهي منّا قبل أن نقوم بذلك.

 

شعار حركة "الأرض أولاً"، وهي أولى الحركات البيئية المتطرّفة، تم تأسيسها في سبعينات القرن الماضي في بريطانيا

أمام كلّ ذلك، تستمرّ الطبقات الحاكمة والشركات العالمية وحتّى المنظّمات البيئية التقليدية والمواطنين العاديين بالتصرّف كأنه لا يوجد أي شيء على الإطلاق. الجميع يريد “استمرار الأعمال كالمعتاد” والتظاهر كأنه لا يوجد هاوية سحيقة تنتظر أن تلتهمنا بعد أعوام معدودة. الجميع يسمح باستمرار الشركات والدول بتدمير البيئة الأرضية من دون حساب أو رقابة أو أصوات معترضة فيما المنظّمات البيئية غارقة في “لافعاليّتها”.

وإن كانت كلّ الكوارث البيئية تحمل لنا رسالة، فهي أن آليات العمل التقليدي لم تعد تنفع. وحين نقول آليات عمل تقليدية نقصد تلك التي تتمحور حول مطالبة السلطات السياسية والدولية بالتصرّف. حسناً لدي خبر للمنظمات البيئية: هذه السلطات لن تتصرّف أبداً. فلماذا تريد سلطة منتخبة لأربع سنوات أن تستثمر أموالها في مشاريع لا تظهر نتائجها إلا بعد عقود – (أي في مشاريع لن تدرّ عليها أصواتاً في الانتخابات المقبلة)؟ وإن كانت السلطات غير منتخبة، كما هي حالة معظم الدول العربية، فلماذا تتوقّعون منها أن تكترث أساساً؟

إن غبار التصحّر الذي يكاد أن يصبح وجبتنا اليومية لا يمرّ عبر الزجاج الداكن لسيّارات رؤساء الجمهورية ومدراء الشركات، إنهم لا يرون ماذا يجري في هذه البلاد. الاهتمام الوحيد الذي يستحقّه هؤلاء هو رميهم بالبيض والشتائم والعمل السياسيّ الجادّ لإزاحتهم، وليس مطالبتهم بأي شيء.

 

ملصق داعم لـ"جبهة تحرير الأرض" يظهر سيارة محترقة، وهي منظمة بيئية متطرفة منتشرة في أميركا الشمالية والجنوبية.

بالعودة إلى العمل البيئي، إن الحرائق الأخيرة، التي تتكرّر للعام الرابع تقريباً، ومعها كل الكوارث المتسارعة التي يعيشها الكوكب، تدلّ إلى أن أي عمل اقتصادي-اجتماعي-بيئي وفقاً للآليات التقليدية قد فات الأوان عليه. بدلاً من تضييع الوقت بمطالبة الحكومات وعقد الندوات وتقبيل مؤخّرات الشركات الملوّثة، لا بدّ لجميع البيئيين والمنظّمات البيئية الجادّة أن تنتقل للعمل مباشرة على الأرض، مع التراب والناس، من دون انتظار إذن من أحد أو قانون أو قرار سياسي.

وبالعمل المباشر نقصد أمرين: اتخاذ المبادرة لتطبيق سياسات التحوّل الشامل على المستوى المحلّي في القرى والبلدات والشوارع من دون انتظار الحكومات (مثال عملي من العالم: شبكة التحوّل – انقر لزيارة الموقع)، القيام بنشاطات أكثر راديكالية في المواجهة المباشرة مع الشركات والأطراف التي تدمّر البيئة الطبيعية (مثال عملي من العالم: “جبهة تحرير الأرض” ELF – جبهة تحرير الأرض تعتمد العنف ضدّ ممتلكات الشركات لإيصال رسالتها، وهناك منظّمات جذرية أخرى في نفس السياق لكن ترفض أي استخدام للعنف مثل Plane Stupid).

هناك الكثير ليقال بعد في هذا الموضوع لكنّه يحتاج لوقت آخر ومناسبة مختلفة، لكن يبقى التأكيد على أن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن قدسيّة الحياة، عن حياتنا نفسها، عن عائلاتنا، مجتمعاتنا والأجيال التي لم تولد بعد، دفاع عن كل المخلوقات الأخرى على الكوكب وعن الغابات والأنهار والجبال التي أتاحت وجودنا وحضارتنا، إنه دفاع عن النفس لأننا جميعنا نحتاج لهذه الأرض لكي نحيا. إن الأرض لا تحتضر، إنها تُقتل، وعلينا أن ندافع عنها وعن أنفسنا.

8 comments

  1. ادم عبد الحي · ديسمبر 7, 2010

    اعتقد وبكل بساطه واعتقادي مؤيد بأبحاث كثيره سابقة بهذا الشأن ان سبب انهيار التوازن البيئي هو زياده متطلبات الانسان على كل موارد البيئه والذي سببها بالدرجة الاولى عملية التكاثر اللاواعي للبشريه ، وتحت مصطلح الانفجار السكاني ، بينت مؤسسات لا اذكر اسمها الان وانا اكتب هذا التعليق ان ضبط التكاثر البشري وتخفيضه ، هو اكبر عامل في تدارك الانهيار المأساوي للبيئه على الارض ،ولرفع مستوى حياه الناس المادية والثقافيه
    ولعل الصين بسياسه الطفل الواحد التي طبقتها لثلاثه عقود تقريبا قد آتت اكلها على اقتصادها وعلى مستوى حياه شعبها حيث تسبب هذه السياسيه في تأخير ولادة 400000000 اربعمائه مليون انسان كان متوقعا ان يولدو لو بقيت معدلات التكاثر بلا تدخل حكومي وذلك في الصين وحدها .
    ولكن هيهات لشعوب العالم الثالث وحكوماتها وخاصة الاسلاميه ان تعي هذه الحقيقه ، فهم التكاثر عندهم عبادة ولو عاشوا عيشه البهائم في ادنى حدود الرفاهيه فالمهم عندهم (خلفه وعزوه ومن خلف ما مات ) مع تأييد ديني بحجه تقويه المجتمعات الاسلاميه استعدادا لحروبهم المقدسه المبيته لفتح روما ومنهاتن واروبا ولا يعنيهم ان يعيش ابناؤهم البطاله والقهر والفقر حتى يجاوزا نصف عمرهم وهم حتى لا يستطيعون الزواج .ويحلمون بامتلاك سياره او حتى شقه كبقيه البشر وتحت شعار الرزق على الله ، يرون انفسهم تضيق بهم السبل وتقل حصه الفرد منهم في الماء والسكن حتى لا يجد الا المقابر للسكن وينخفض مستوى الحياه العام لهم وقدرتهم الشرائيه ،ورغم ذلك لا يدركوا السبب الحقيقي وراء هذا ويعلنون حكوماتهم غير الرشيده على تقصيرها في تأمين العمل لمليون ونص مواطن مصري مثلا كل عام هم معدل الزياده في مصر وحدها ، فأي حكومه مهما كانت بصيره وتضع الخطط ستعجزعن هذا النهر البشري الجارف الذي لا ينقطع ، نحن بحجه لوقفه مع الذات ، والعمل لاجل مستقبل ابناءنا بطريقه واعيه والزام الرعاع والاغبياء الذين لا يجيدون الا انجاب الاطفال كالجرذان بدون اي تخطيط وتقدير لمستقبلهم ولمستقبل مجتمعاتهم ومستوى حياتهم فيغرقون انفسهم ويغرقونا معهم بتفكيرهم الساذج وقناعاتهم الغبيه بأن هناك مايكفي الجميع وزياده ، وهذه اكذوبه الواقع يؤكدها من خلال حياه الناس وفقرهم وحروبهم .
    وشكرا

  2. متطرف بيئي · ديسمبر 7, 2010

    احييك على المقالة المهمة
    انا شخصيا يأست من العمل البيئي التقليدي وقطعت كل ارتباطاتي بكل الجمعيات اللبنانية البيئية وحتى غرينبيس وغيرها من المنظمات العالمية. بعتقد اني صرت ما يسمى اليوم “متطرف بيئي” بآرائي لأن صار في ضرورة لحركات جذرية أكتر.

    احيي مداخلة ادم عبد الحي كمان لأن وضعت الأصبع على الجرح. بتمنى بس لو ناس أكتر بتفكر متلنا.

    عامر

  3. Kenan Alqurhaly · ديسمبر 7, 2010

    طوني صحيح فيه هالكارثة البيئية اللي خلصت من مرحلة الزحف وانتقلت لمرحلة السباق مع الزمن وصحيح أنو الواحد اللي عم يفكر بالموضوع رح ينفلق ويجن من هالاستهتار والاستحقار للأمور البيئية بس شو يعني أنو يتجه البيئين للتطرف البيئي؟ يعني انحلت برأيك؟ ببلدان متل بلداننا وين بتجي بالقاموس؟ عبارة “احتراق جبل” ما بتعني بذهن اللي راكض ورا تأمين أقل متطلبات الحياة وما رح قول كريمة الا أنو احترق وما في شي بيدغدغ أحساسيسو الا اذا وصل الحريق لممتلكاتو الشخصية صحيح أنو شعوبنا ما بتبطل دبكة ورقص وشعارت وخطابات عن الارض وحب الأرض والتمسك بالأرض بس هي كلها جزء من مرض الخدر (النوم السريع جدا) اللي صايبنا بالاضافة الى انفصام الشخصية والبلاهة المنغولية الحضارية والبيئة المثالية اللي نستحقها هي النار والطبيعة بتعرف سكانها وبتعطيهم اللي بيستحقوه وحبتين
    وبالأخير التطرف البيئي بدو مكان متقدم وفيه نسبة وعي عالية أما عنا فيمكن الوصول الى غايات بيئية عن طريق استغلال الأفكار الحضارية في معتقدات شعوب المنطقة وبثها من خلال المنابر المؤثرة اللي بتدغدغ العصب السمعي عند الأخ المواطن

  4. Adon · ديسمبر 9, 2010

    مراحب،

    @ آدم عبد الحي،
    شكراً آدم على مشاركتك المهمّة. أنت عم تشير للسبب الأساسي للمشكلة واللي ما فيه سياسي بالعالم أو رجل دين أو مدير شركة بيتجرّأ على قوله، وهو ان المشكلة الأساسية هي في التزايد السكّاني. نحنا كبشر تزايدنا كأي فصيل حيواني لاواعي، من دون أي حساب لقدرة البيئة الطبيعية على تحمّل هالأعداد الهائلة.
    شكراً مرة ثانية صديقي

    *
    @ عامر،
    العزيز عامر، بتذكّر كنا نحكي أوقات عن الاتجاه الخاطىء للمنظمات البيئية بس يمكن وقتها كان الموضوع هامشي لأن كنّا نعتقد انو اللي موجود على المحكّ مش هلقد مهم. هلق مع ظهور واقع انه اللي على المحكّ هو وجودنا نفسه، بعتقد تعاملنا مع هالمنظّمات لازم يتغيّر. العمل التقليدي مات ويجب دفنه، لأن المشكلة بكل بساطة غير تقليدية.
    تحياتي عامر

    *
    @ Kenan
    كنت عم جرّب بالمقال اطرح أكتر من خيار، مش بالضرورة التطرّف البيئي يكون الخيار الوحيد (بالعمنى العنفي للكلمة) لكن أكيد فيه ضرورة للخيارات الجذرية وفيه ضرورة لتجاوز العمل التقليدي من نوع انو جمعيّات تنضّف الطريق وتقول للناس ما تكبّ زبالة بالشارع، فيه شي أكبر من هيك بكتير.

    انا مش مع فكرة انو القضايا البيئية بحاجة لوعي، هيي بحاجة للحدّ الأدنى من الحسّ الفطري فقط، بعتقد الأجيال اللي كانت قبلنا كانت تعرف أكتر تحافظ على بيئتها لأنها كانت شايفة الصلة المباشرة بين حياتها وبين الأرض. اليوم، الطعام مثلاً بيوصل من الدكّان والسوبر ماركت مش من الأرض، يعني اذا احترقت الأرض ما منكترث بس اذا احترق الدكّان منخاف نجوع. فيه انقطاع صلة بمطرح.

    بالنسبة لشعوب المنطقة ما بعرف شو بينفع معها، عنجد ما بعرف، يمكن الطريقة اللي عم تحكي عنها بتنفع أكتر لأن أكيد بالنسبة الي جزء من كلامي نابع من يأس بمطرح معيّن.
    سلامي كنان

  5. القط · ديسمبر 12, 2010

    تحياتي طوني، و عذرا على التأخير،

    أتفق معك في أن البيئة التي عهدناها لعدة ملايين من السنين أصبحت اليوم مهددة بفعل تصرفات البشرية خلال بضعة مئات من السنين.
    المشكلة أن لا أحد مستعد للتخلي عن التقدم و الرفاهية التي حصلنا عليها. فالفكرة العامة هي إما التخلي عن التقدم لإنقاذ البيئة أو الحفاظ على هذا التقدم و تدمير البيئة.
    لحسن الحظ، هناك مشاريع و أفكار و نماذج، حديثة أو قديمة (كمصر القديمة مثلا)، للتوافق بين التقدم العلمي و التكنولوجي و الرفاهية البشرية و بين الحفاظ على البيئة. و لكن هذا يتطلب رؤية جديدة للحياة و لدور الإنسان فيها، مما يعني بناء فكري و إيديولوجي و حتى ديني جديد… و هذا تحدي كبير جدًا.

    من ناحية أخرى، القول أن الأرض تحتضر أو تُقتل، هو قول أناني. فالأرض لن تموت، بل جلّ ما يحصل هو تحول بيئة الأرض من بيئة تسهّل حياة الثديات (و من ضمنهم الإنسان) إلى بيئة لا تسهل هذه الحياة (و لكن هذا لا يعني أنها لن تسهل حياة كائنات أخرى أو ستسهل ظهور كائنات جديدة بشكل آخر).
    فالبيئة التي عهدها الإنسان و التي يستطيع أن يحيا فيها الإنسان، هي التي تحتضر، لا الأرض.

    • Adon · ديسمبر 14, 2010

      مراحب عادل،
      بعتقد معك حق انو القول ان الأرض تحتضر هو نوعاً ما أناني.
      بحبّ اعرف منك عن تجربة مصر القديمة بالنسبة للموضوع لأن بعتقد عندك معلومات وافرة عن المسألة، اذا كان معك وقت شي نهار تحط هيك شي على مدونتك بيكون ممتاز.

      تحياتي صديقي

      • القط · ديسمبر 15, 2010

        تحية طوني،
        رؤيتي عن مصر القديمة تأتي من إنطباع أكثر منه من تحليل علمي. إنطباع نابع من قراءاتي المتعددة لمصر القديمة.
        كتابة موضوع عن الأمر يتطلب بعض البحث و بعض الوقت.. حينما يسمح لي الوقت سأبدأ بكتابة موضوع عن المسألة و أنشرها حالما تصبح جاهزة و متينة للنشر.
        دمتم بخير.

  6. التنبيهات: الإيكولوجيا العميقة والحركة البيئية التقليدية: الشقيقان اللدودان « نينار

التعليقات مغلقة.