فليتسلّم الخيال السلطة!

الشجاعة ترسم الخطوط الفاصلة!

طوني صغبيني

*

حين أمسك وينستون، بطل رواية 1984، القلم لأوّل مرّة في منزله الكئيب ليكتب مذكّراته، كان يسأل نفسه سؤالاً واحداً: هل كانت لندن دائماً على هذا المنوال؟ حاول التذكّر جاهداً لكنّه لم يستطع أن يأتي بأي شيء سوى لمحات باهتة عن ماضي المدينة. وينستون، لم يفقد قدرته على التذكّر فحسب، بل قدرته على التخيّل أيضاً، وهذا كان كلّ الهدف لنظام الأخ الأكبر…

وحين استجوبت قوّات الأمن التابعة للنظام الديكتاتوري الأرجنيتي المواطن المعارض كارلوس رويدا، بطل رواية “تخيّل الأرجنتين”، أجاب كارلوس أنه واثق من أن السلطة لن يمكنها أبداً أن تنتصر عليه لأنه يملك شيئاً لا تستطيع، مهمّا عذّبته، أن تأخذه منه. وحين سأله الضابط عمّا هو ذلك، أجاب كارلوس بكل عنفوان: مخيّلتي! وهذا هو كل الرعب لنظام الأخ الأكبر…

القدرة على التخيّل هي أكبر عدوّ للأنظمة، فهي لا تعني فقط أنه يمكن لمجتمع ما أن يلد حركة قادرة على تخيّل واقع ومستقبل أفضل من واقعها، بل تعني أيضاً أنه يمكن له أن ير الواقع الذي يعيش فيه عارياً كما هو من دون تجميلات الأنظمة وأكاذيب الإعلام المأجور، وأن يكتشف بالتالي مكامن الخلل فيه.

“الذين يفتقدون للمخيّلة لا يستطيعون تخيّل ما ينقصهم” Those who lack imagination cannot imagine what is lacking، هي أحد الشعارات التي تبّنتها حيطان أوروبا في انتفاضة عام 1968 الطلّابية. وكم هو صحيح هذا الشعار اليوم! فالمواطنة المقموعة الذي لا تعرف الحريّة، ولو بخيالها، لن تشعر أبداً أنها محرومة منها ولن تتذمّر ولن تثور، والمواطن الجائع الذي لا يستطيع تخيّل مجتمع عادل لا يرتجف فيه أحد من البرد والظمأ هو مواطن غير قادر على خلق ثورة ولا حتى على إدراك حقيقة أن واقعه رديء ورديء جداً. كل ثورة تستوجب منّا أن ندرك أولاً أن واقعنا لا يستحقّ سوى الرفض والثورة، وأن نتخيّل ثانياً عالماً آخر يستحقّ أن نقاتل من أجله لكي يكون يوماً ما مستقبلنا ومستقبل أولادنا.

حين حرّكت شجاعة التونسيين المستنقع العربي الراكد، النتيجة الأهمّ كانت إعطاء الشعوب المقموعة في عالمنا القدرّة على تخيّل سقوط أنظمتها، السقوط الذي كان حتى فترة قريبة من المستحيلات. لكن ما ينقص حتى الآن على ما يبدو من الأحداث هو قدرتها على تخيّل البديل. صحيح أن الشجاعة مهمّة، لكنها غير قادرة وحدها على تحقيق تغيير طويل الأمد؛ الخيال هو ما يجعل ذلك ممكناً. فلو كانت شعوبنا قادرة على تخيّل بديل وامتلكت الشجاعة من أجل العمل على تحقيقه طوال الفترة الماضية، لما دخلت الثورة التونسية في حيرة ما بعد النظام، ولو كانت المعارضة المصرية تمتلك رؤية حقيقية صادقة لمستقبل المجتمع المصري لما كانت تعلو وتهبط متردّدة ومشوشّة بين انتفاضة وأخرى. ولو كان هنالك معارضات في كلّ العالم العربي تمتلك حدّاً أدنى من التصوّر للبديل لكانت أنظمتنا المهترئة سقطت منذ فترة طويلة، أي قبل أن تنبت لأولاد الرؤساء لحية الوراثة.

لا عجب إذاً أن تكون الحركات الإسلامية هي البديل الوحيد للأنظمة في معظم الدول العربية، مع العلم أن هذه الحركات تتفوّق بإصرارها وقدرتها على المواجهة لا بامتلاكها للخيال. في الواقع، إن الخيال هو ألدّ أعداء الإسلاميين، وذلك لأن مشروعهم بكل بساطة قائم على واقع سبق أن كان موجوداً واندثر (الخلافة والدولة الإسلامية) ولا مكان للخيال فيه سوى بقدر ما تسمح به السطور المعدودة في كتب الدين والتاريخ. القدرة على تخيّل مستقبل جديد لا يستنسخ العصور المظلمة يقضي على كل المشاريع الأصولية يرميها في ركلة واحدة من الحلبة السياسية والشأن العام إلى حيث تنتمي في المتاحف وكتب التاريخ.

مخيّلتنا وشجاعتنا هما أهم سلاحان لنا في مواجهتنا مع الأنظمة ومع الأصوليّات الظلامية. الشجاعة تعيننا على تحطيم الأنظمة القديمة، لكن الخيال هو ما ينقذنا من بناء أنظمة تشبهها مجدداً، هو ما يرشدنا لبناء مجتمع قوّي مبدع يفيض خبزاً وحرية. غداً حين تحترق كراسي الحكم في العالم العربي، كم سيكون جميلاً أن نتذكّر إفساح المجال للخيال ليستلم السلطة!

L’imagination prend le pouvoir!

شعار دوّى في أزقة باريس عام 1968، وهو صالح اليوم في شوارع بيروت وسيدي بو زيد والاسكندرية والرياض ودمشق وكل العواصم!

10 comments

  1. القط · يناير 29, 2011

    صحيح طوني. صحيح جدًا.

    الإنتفاضات الشعبية في النصف الأول من القرن الماضي كانت تحمل معها صورة للمستقبل الذي تحلم به. صورة و حلم تم تكوينه بالإنتاجات و الإبداعات الثقافية لرواد و أدباء النهضة التي بدأت في آخر القرن التاسع عشر.

    اليوم بعد عقود من مضايقة و سجن و قتل المفكرين و العلماء، لم يبقى سوى ترهل الأنظمة القائمة و شيوب وعاظها الملتحين، مما يجعل من الصعب جدا قيام إنتفاضات شعبية.
    في تونس، أثبتوا أن الأمل ما زال ممكن. و هذا الأهم. فمن يفقد الأمل و لو إمتلك المخيلة، لا يستطيع أن يحرك حجرًا.

    تحياتي.

  2. Kenan Alqurhaly · يناير 29, 2011

    شكرا طوني في ظل التطورات القائمة في مصر أشعر بانتعاش وفرحة والصورة أعلاه للأمن يحمي نفسه بدون جدوى مضحكة ومعبرة وأرجو أن يراها زملاءهم في باقي أنحاء العالم العربي عسى يقدموا الماء والطعام كما في الأردن أو يصنعوا شادر كبير لوضعه فوقهم أثناء عمليات القمع

  3. Roger Outa · يناير 29, 2011

    Bon mon camarade l’imagination prend le pouvoir, le maquis et la poesie est dans la rue

  4. كُوفيَّة · يناير 30, 2011

    قبل كل شي
    مبارك طوني صدور كتابك 🙂 ..

  5. Adon · يناير 31, 2011

    صباح الخير،

    @ القط،
    “من يفقد الأمل و لو إمتلك المخيلة، لا يستطيع أن يحرك حجرًا.”، هيدي هيي يا صديقي. الشجاعة\الأمل والمخيّلة. بتتسجّل.
    تحياتي

    *
    @ Kenan
    كان ينقال دايماً انو الأنظمة هيي اللي لازم تخاف من الشعوب مش العكس، بعتقد عمل العالم العربي انجاز كبير بهالاتجاه مؤخراً.
    تحياتي كنان وشكراً مرة تانية على مشاركة خبر الكتاب

    *
    @ Roger،
    Nos discussions etait en effet l’inspiration pour cet article,
    les beaux temps nous attend mon camarade!

    *
    @ كوفية،
    شكراً جداً كوفية : ) بتمنى ينال اعجابك اذا صارتلك فرصة تطلّعي عليه رغم انو ببعض المطارح بيأّس شوي :p
    سلامي

  6. O.T · يناير 31, 2011

    ما يفتقده الوضع العربي أيضا استاذ ادون هي التحليلات كهذه التي تقدم للناشطين والمواطنين خارطة طريق واضحة لهم خاص في ظل جمود الحركات الثورية والفكرية المعروفة في اليسار بشكل خاص. استمتعت بالمقال جدا وارسلته بالبريد لبعض الأصدقاء ان لم يكن هناك مانع

  7. JOE · فبراير 1, 2011

    رائع هذا المقال ومبدع وملفت، آن الاوان لتسقط الانظمة العربية المتخلفة جمبعها فرياح الثورات قد هبت وبعد مصر وتغيير نظامها لن يبقى نظام على حاله وسيسقطون كأحجار الدومينو…. على فكرة ينظم يوم الغضب ضد النظام السوري في 4 و 5 شباط داخل سوريا… لتنتصر الثورات في كل مكان.

  8. Adon · فبراير 2, 2011

    @ O.T
    شكراً صديقي المدوّنة مدونتك انقل وارسل اللي بدّك ياه من المقالات!
    تحياتي

    *
    @ Joe
    ولك هلا : )
    بالنهاية كلّو بدّو يروح معلّم جو.
    سمعت بالمظاهرة ب 5 شباط، بس بعتقد اذا رح تصير على الأرجح ما نسمع فيها 😀
    بجميع الأحوال، انشالله بيجي دور كل الحكّام ، القراب قبل البعاد.
    تحياتي

  9. JOE · فبراير 2, 2011

    أصلا مجرد تفكير الناس بمظاهرة داخل الاراضي السورية ضد النظام السوري هو انجاز بحد ذاته 🙂

  10. عبير · فبراير 5, 2011

    حاولت أحكي حالي..!
    قالولي الحكاوي نميمة وحرام!
    فكرت أكتب ..
    لقيتكم سيادتك منعتوا الكلام!
    فقررت أحلم .
    هاحلم سيادتك وأفُكّ اللِّجام …
    ولو مش هيعجب سيادتك يا فندم
    وصِّي العساكر .. تاخُدني أمَّا انام!

    أحمد فؤاد نجم

التعليقات مغلقة.