العامل الخفي في مستقبل مصر

الناس انتصرت… ولكن؟

إن الأحداث اليوميّة المتسارعة، خاصة إن كانت دراماتيكية كالتي تحصل مؤخراً في العالم العربي، تشغلنا أحياناً عن رؤية الصورة الكبيرة وتلهينا بالتفاصيل (مثل الرجل الذي يقف خلف عمر سليمان :p). لقد كُتب الكثير خلال الأيام الماضية عن الثورتان التونسية والمصرية وعن العوامل التي أدّت إليهما رغم أنهما فاجئتا كل المتابعين السياسيين في العالم.  لكن ما لم يتم الحديث عنه بشكل كافٍ هو العامل الوحيد (وربّما الأهم) الذي يقف بشكل صامت في كل اضطرابات العالم اليوم والذي لم يكن موجوداً من قبل في أي ثورة في التاريخ الحديث، وهو بكلّ بساطة دخولنا في عصر “نهاية النموّ”.

ماذا نعني بنهاية النمو؟ هي بكل بساطة فقدان القدرة على التنمية الاقتصادية بسبب بلوغ الموارد الطبيعية وخاصة الطاقة والنفط، ذروة قدرتها بشكل لم يعد بعده ممكناً زيادة انتاجهما. في ظلّ نهاية النموّ وضمور الثروات الطبيعيّة يتراجع المستوى المعيشي والاقتصادي باستمرار وصولاً يوماً ما إلى التدهور الشامل وإلى نهاية أسلوب الحياة المعاصر الذي نعرفه اليوم. ونظراً لاستمرار التزايد السكّاني، هذه المشكلة تصبح أكثر سوءاً لأنها تعني أنه سيكون هنالك موارد أقلّ لعدّد أكبر من السكّان.

لكن هل هذا يحصل في العالم اليوم؟ العديد من الإحصاءات والدراسات تشير إلى أننا دخلنا في هذه المرحلة منذ عقدين على الأقل، لكننا بدأنا نشعر اليوم بالنتائج. الانحدار البطيء والشامل للحضارة الصناعيّة قد بدأ، لكن المشهد يختلف بين مكان وآخر في العالم، هو واضح في بعض الأماكن وغير ظاهر للعيان في أماكن أخرى، لكنّه يحصل في كلّ مكان. في مصر مثلاً، هذه المسألة واضحة.

إن نظرة سريعة على أرقام بسيطة متعلّقة بمصر يمكن أن تظهر ذلك:

– عدد السكّان عام 1960 (في عزّ أيام عبد الناصر): 27.8 مليون.

– عدد السكّان عام 2008: 81.7 مليون.

– عدد السكّان المتوقّع عام 2030: نحو 150 مليون (2 % نسبة نمو سنوي).

– مساحة الأراضي القابلة للزراعة: 3 %.

– مساحة الأرض المزروعة المتوافرة لكل ألف فرد اليوم: 40 هكتار (وهي مساحة قليلة جداً لدولة بهذا العدد من السكّان مقارنة مع 144 في ألمانيا، 213 في العراق، 255 في سوريا، 320 في ليبيا، ومليون و433 هكتار في كندا).

– مساحة الأرض المزروعة التي ستكون متوافرة لكل ألف فرد بعد ثلاثة عقود: 20 هكتار.

– كمية الغذاء المستوردة من الخارج اليوم: 40 % من الغذاء، كمية القمح المستوردة من الخارج: 60 %.

– إنتاج مصر من النفط في العام 1994: 900 ألف برميل يومياً، حوالي 500 ألف منهم كان يتم تصديرهم إلى الخارج وتدخل عائداتهم إلى خزينة الدولة.

– إنتاج مصر من النفط في العام 2009: نحو 520 ألف برميل (الذروة النفطية لمصر كانت عام 1996). أما كميّة الاستهلاك المحلّي من النفط في العام 2006 فهي 652 ألف برميل في اليوم. النتيجة: كميّة النفط المصري التي تصدّر إلى الخارج ابتداءً من العام 2007 هي صفر برميل.

صادرات مصر من النفط حتى العام 2009. (المصدر: الوكالة الدولية للطاقة، اضغط على الرسم لزيارة الموقع)

في مصر كما في كل مكان آخر تقريباً في العالم، شهدت أسعار النفط والغذاء ارتفاعاً ببطيئاً خلال عقد التسعينات، ثم قفزت قفزات كبيرة منذ بداية القرن الحالي مسبّبة انهياراً في مستوى المعيشة لمعظم المصريين (رغم التقدّم الشكلي الذي نراه أحياناً في حياتنا كذاك الناتج عن انتشار الانترنت) كما انها قوّضت قدرة النظام على ضبط الوضع كما كان الحال سابقاً. ولهذا السبب بدأت بوادر الثورة المصرية مع العمّال والفئات الأكثر تضرراً في المجتمع لا عند الطبقة الوسطى. حين امتزجت الأزمة مع عوامل سياسية أخرى انفجرت على شكل ثورة حين وُجدت اللحظة السياسية المناسبة.

ورغم أن الثورة الأخيرة لها فوائد إيجابية لا حصر لها، إلا أن التحدّي الأكبر الذي يواجه مصر خلال السنوات المقبلة هو تحدّي الغذاء والطاقة. فمن دون الاستيراد المستمرّ للغذاء، الشعب المصري سيتضوّر جوعاً، كما التزايد السكّاني المستمرّ يعني أن مصر ستعتمد أكثر وأكثر على الغذاء المستورد من الخارج. استطاعت الدولة في الماضي أن تغطّي التردّي الاقتصادي والغذائي الذي تعاني منه بالاعتماد بشكل أساسي على الصادرات النفطية والسياحة وبعض الصناعات الخفيفة، لكن مع استمرار تراجع الانتاج النفطي والزيادة السكّانية سيضحي الوضع أكثر صعوبة لأن كميّة الطاقة المتاحة للتنمية ولكل النشاطات الاقتصادية سترتفع أكثر وأكثر. كل ذلك سيجعل من الحفاظ على مستويات التنمية الاقتصادية أمراً مستحيلاً بالإضافة إلى أنه سيعظّم حاجة القاهرة للمساعدات الخارجية مع ما يعنيه ذلك من نتائج سياسية ودبلوماسية سلبية.

حين يكون هنالك شلّة فاسدة على رأسها ديكتاتور يحكم قبضته على الدولة كما في مصر، من السهل تحميل هذا الديكتاتور مسؤولية فشل التنمية الاقتصادية وتردّي الوضع المعيشي والاجتماعي للمواطنين. وإن حصل وأطاحت به ثورة شعبية، من السهل أيضاً الإنزلاق إلى التوقّع بأن كل شيء سيكون بعد هذه الثورة بخير. والاطمئنان لهذا التوقّع هو في الواقع أمر خطير لأنه يمنع النخب والحركات السياسية من الرؤية البعيدة المدى للمشاكل الحقيقية التي تواجه بلدهم ولما يجب عليهم أن يقوموا به للنهوض به.

بالتأكيد إن الديمقراطية أفضل من الديكتاتورية، وأداء الحكومات الديمقراطية عادة أفضل بكثير من أداء الحكومات الديكتاتورية، ومستقبل مصر في ظل ديمقراطية وحكم نظيف خاضع للمساءلة القانونية والسياسية أفضل بكثير من مصيرها في ظلّ مبارك أو مرسي وأمثالهما. لكن الديمقراطية لا تستطيع تحويل رمال الصحراء إلى تراب يُزرع، ولا الصحف الحرّة أو المدوّنات إلى وجبة طعام، ولا تستطيع استخراج النفط من الآبار بعد نفاذها.

المستقبل ليس مظلماً بالضرورة، بل يمكن أن يكون في الواقع أكثر إشراقاً بكثير إن تم تطبيق الحلول الصحيحة التي تحرّر الإنسان من قيود اقتصاد العبودية. هنالك حلول عديدة وكثيرة وقابلة للتطبيق لا مجال لذكرها في هذا المقال القصير، لكنها تستوجب التخلّي عن فكرة النموّ الاقتصادي والاضطلاع بتحوّل شامل في البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعيّة ينقل المجتمع من اقتصاد قائم على النموّ (إقرأ: العبوديّة) مرهون للمال المعولم والأسواق المالية الدولية، إلى اقتصاد تعاضدي ثابت قائم على الاكتفاء المحلّي والموارد المستدامة. لكن ذلك مستحيل في ظلّ الالتهاء المستمرّ بالأزمات السياسيّة اليوميّة. التحدّي الأكبر لمصر وكلّ المنطقة ليس في إيجاد الحلول البعيدة الأمد لأن الحلول موجودة، بل هو في إيجاد المساحة الذهنيّة والإرادة المجتمعيّة والسياسيّة الكافية لتطبيق الحلول في الوقت المناسب قبل فوات الأوان.

8 comments

  1. حسين رمّال · فبراير 17, 2011

    كثير مهم طوني ويعطيك ألف عافية ع هالشغل
    وملفت كثير تركزيك على هيدي الأمور الفائقة الأهمية للمستقبل…

    يعني كرمال ما اتفلسف كثير هلّق، الأحد رح بيكون انشالله بين إيديك كتابك (الأزمة الأخيرة) لأني ببساطة بيهمني كثير الحديث عن الحلول (يل ما ذكرتها هون ووضحّت لضيق الوقت) وعم اتخايل اني رح بلاقي إجابات عن الحلول بالكتاب، مش هيك؟

    ومهم كثير أحياناً :النظرة التشاؤمية” وخاصة بالتركيز على فكرة “نهاية النمو” وبعرف انو ما فيها ضرر وبالعكس بتكون مفيدة كثير للتأثير…
    شخصياً مش كثير متشائم، ولكن أكيد شايفها للمشكلة منيح

    يلا الجمعة الجاية بعد قراءة الكتاب، بلكي منعمل قعدة خاصة (هون أو بأي مكان) للمتابعة والنقاش
    تحياتي
    وألف عافية مرة تانية

    • Adon · فبراير 17, 2011

      تحياتي حسين،
      انشالله بيعجبك الكتاب لمن يصير بين ايديك، واذا بدك مفروض اعمل التوقيع صوب 2 آذار أو 5 كحد أقصى منلتقي ، بربح شوفتك وبتربح توقيعي :p (على أساس بعرف وقّع).

      للأسف بالكتاب ما كان فيه مجال للحكي عن حلول متل ما بدّي، فيه كلام عن للحلول اللي عم تتمّ مناقشتها حالياً بخاتمة الكتاب، وفيه مناقشة لحلول بأكتر من مكان، لكن كطرح شامل للحلول فضّلت انو يكون يكون هيدا الكتاب لطرح المشكلة وإبراز خطورتها على أمل انو احكي على الحلول ببحث تاني بلكي بيلحق الكتاب خلال السنتين الجايين.
      كمان ما حبّيت زيدها كتير على القارىء بالفلسفة حول الحلول لأن على الأرجح يستنتجها بنفسه خلال الكتاب، ولكن هون بتختلف نظرتنا للحلول شو الهدف منها، لأن الحلّ بنظر البعض ممكن يكون بهدف الحفاظ على الحضارة الصناعية بوتيرتها الحالية، وهيدي للأسف مفش إلها حلّ. يعني فيه انهيار بمكان معيّن وحلّ بمكان آخر.
      بس يمكن أنا متشائم أكتر منك بكتير، رح تلاحظ من خلال الكتاب :p
      تحياتي حسّون
      ويعطيك العافية كمان

  2. مجدلى · فبراير 17, 2011

    الكلام مهم لكن ما حد يسمع الحين ويقدر يحلل ويربط ويفعل الكل ملتهي بالثورة والحتفال بيها

  3. القط · فبراير 17, 2011

    قرأت عدة تحليلات تصل إلى إستنتاج مشابه للذي وصلت إليه هنا في هذا المقال، و هو أن العامل الإقتصادي (التنمية) هو أحد أهم العوامل “الخفية” للتحركات الشعبية في عدد كبير من دول العالم (بما فيها الأوروبية، كاليونان أو فرنسا مثلا) و بشكل خاص الدول العربية.
    في ظل نشوة الإنتصارين التونسي و المصري، و الإندفاعة الثورية التي تستحوذ على عقولنا العربية اليوم، إبتعدنا قليلا عن التحليل العلمي و الدقيق لأسباب إضافية و أساسية للمشاكل التي تصيب مجتمعنا.
    مقالك هذا، قد يكون في عكس التيار في هذه الأيام الثورية، و لكنه يضيء بشكل لا غموض عليه على المشاكل الإقتصادية التي ستزداد في المستقبل القريب.

    الأدلة التي لدينا اليوم تُنبئ بمستقبل مظلم، هذا لا شك فيه… كما كل الكائنات الحيّة تتكاثر مع توفر الغذاء (و مقوماته كالطاقة مثلا) و تحتضر مع غيابه. فإن الإنسان البشري، رغم وعينا الذاتي، فما زال يتبع هذه الخوارزميات التي تشكل أساس الكائنات الحيّة.
    رغم ذلك، ما زال عندي أمل في إكتشاف علمي يحلّ مشكلة الطاقة. يمكن هذا الأمل لا أدلة كثيرة على صوابيته، و لكن من الجميل أن نحلم و نأمل بمستقبل أفضل!
    تحياتي طوني. دائمًا مبدع.
    و عم أتلذذ بالكتاب😉

  4. Hapy · فبراير 18, 2011

    مقال شدبد الاهمية وتحليل اكثر من رائع
    نظرت للامور بتجريد وكونية ووضعت يدك على احد اهم الاسباب التي اخرجت الناس للانفجار رغم وجود حد الكفاف الاقتصادي
    لاجديد .. رائع كالعادة

  5. Adon · فبراير 20, 2011

    @ مجدلى
    شكراً مجدلى، صحيح يمكن التوقيت مش مناسب لتحليلات من هالنوع لكن بيبقى هيدا هوّي أكتر توقيت مناسب لطرح هالقضية.
    تحياتي

    *
    @ القط،
    صحيح عادل. كنت من كم يوم عم بقرأ عن نمط التكاثر عند المخلوقات الحية الأخرى ومنها البكتيريا، فا يا صديقي الإنسان مش كتير فارق عنها لأن بيتكاثر بنفس الطريقة لمن تكون الموارد كافية وبيفوت بنفس الحيط لمن تقلّ هالموارد.
    بالنسبة للاكتشاف العلمي للطاقة، مش انو بستبعد لأن كل شي ممكن، بس بتمنى ما يحصل لأن أي طاقة إضافة متوفرة بين إيدينا يمكن تخلّينا نقضي على الكوكب.
    رح كون بانتظار رأيك بالكتاب😀

    *
    @ Hapy
    شكراً هبة، انتي بتقدري تحكمي على صحّة هيك مقال بدقّة أكتر منّي لأنك كنتِ متواجدة بالحدث. بتمنى تخرج مصر من القصّة بحالة أفضل : )
    سلامي

  6. تنبيه: الأزمة الأخيرة: ماذا يعني السقوط البطيء للحضارة الصناعية؟ « نينار
  7. تنبيه: ربيع عربي أم خريف إسلامي؟ « نينار

التعليقات مغلقة.