الأنرشية للمبتدئين: تعريف عام

 

الأخ الأكبر لا يزال يراقبنا!

لقد شاهدنا خلال الآونة الأخيرة طغاة العالم العربي يسقطون واحداً تلو الآخر، الكثير من الأحلام التي دُفنت قهراً تعود للحياة من جديد، ويا لها من عودة جميلة… والكثير من الكلمات التي كنّا نعتقد أنها لا تعني شيئاً من المحيط إلى الخليج اتضّح أنها وصفات للثورة، ويا لها من وصفات جميلة أيضاً!

الثورات أسقطت الطغاة، لكن لا يجب أن يوهمنا ذلك أنها خلقت تلقائياً الحريّة والخبز والحياة التي نحلم فيها. فهنالك الكثير من الحفر التي تنتظر كل ثورة ونهضة، والزخم الشعبي العشوائي الذي يسقط أنظمة يمكن أن يتحوّل في الكثير من الأحيان إلى الرافعة الشعبية التي يحتاجها طاغية جديد. والمرشحون في عالمنا العربي ليكونوا طغاةً هم كثر، أفراداً ومؤسسات، تبدأ بالجيوش ولا تنتهي بالتنظيمات الأصولية.

قيل وسيقال الكثير عن العوائق التي تحول بين أي شعب في العالم وبين حريته الحقيقية، ويمكن لنا إن أردنا، أن نغرق أنفسنا بالتحليلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى الصباح. سيقول البعض أن العائق هو الثقافة نفسها (وخاصة القبليّة والدينية منها)، وسيقول آخرون آنه الجيش، وآخرون سيتحدّثون عن رأس المال العابر للقارات وصراع الطبقات والاستعمار وكل ما يشبه ذلك. وكل ذلك هو فعلاً عقبات حقيقية وأكثر. لكننا اليوم لن نتحدّث عنها بل سنتحدّث عن أحد المصادر الأساسية للقمع في عالم اليوم التي غالباً ما نأخذها على أنها أمر مسلّم به: الدولة!

هل نتحدّث عن إلغاء الدول بشكلها الحالي؟ نعم. هل نتحدّث عن الفوضى؟ لا.

إننا نتحدّث عن الأنرشية.

 

"أ": أنرشية!

بما أن الإجابة على هذه الإشكالية لا يمكن اختصارها ببضعة أسطر، وبما أنها على الأرجح تطرح أسئلة في ذهن القارىء(ة) أكثر مما تقدّم أجوبة له في الوقت الحالي، ارتأينا أن نبدأ سلسلة جديدة، خفيفة وعجيبة غريبة أحياناً، حول الأنرشية وحول فلسفة وأساليب مقاومة الامبراطورية القمعية المعقّدة التي تحكم العالم اليوم من دون عاصمة وحكومة.

“الأنرشية للمبتدئين” ستُنشر على صفحات المدوّنة على مدى حلقات غير معروفة العدد حتى الآن، وهي تهدف بشكل أساسي التعريف بهذا الموقف الفكري وأسلوب الحياة الذي يُساء فهمه عادة حتّى لدى العديد من معتنقيه. بعض مواد هذه السلسلة سترتكز على مواد معدّلة من كتاب ABCs of Anarchy لبريان هيغني، وتم تعديلها وفقاً لشروط رخصة المشاع الإبداعي التي تنصّ على أن يكون العمل الجديد، الذي سنجمعه في PDF حين تكتمل الحلقات، خاضعاً بدوره للرخصة المشاعيّة غير التجارية نفسها.

قد يكون القارىء(ة) تتساءل في هذا الوقت ما هي الأنرشية؟

الكلمة تُترجم عادة إلى اللغة العربية بـ”الفوضوية” وهذه ترجمة خاطئة، فالأنرشية كلمة مشتقّة من الأصل اليوناني An-Arkhos التي تعني حرفياً “من دون حكّام – من دون أسياد”. وهذا لا يساوي بالضرورة “الفوضى” لأن الأنرشية فلسفة تقوم على الإيمان بالقدرة الفطرية للإنسان والمجتمعات على الاضطلاع بشؤونها بمفردها من دون أسياد بالمعنى السياسي، الديني أو الاقتصادي. الأنرشية بشكل عام تقوم على رفض مبدأ السلطة في العلاقات الإنسانية، وبعض تياراتها ترفض مبدأ السلطة أيضاً في علاقة الإنسان بالطبيعة وباقي المخلوقات. إلى ذلك، الأنرشية لا تعني الغياب المطلق للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والقانوني، بل هي تعني بشكل أساسي غياب البنية السلطوية لهذا التنظيم وانعدام أداته الأساسية ألا وهي الدولة السياسية المركزية، ففي الأنرشية المجتمع هو أساس تنظيم الوجود الإنساني لا الجنسيّات والبرلمانات والحدود السياسيّة.

لكن ما تحدّثنا عنه حتى الآن يبقى كلاماً شديد العمومية ولا يعطي فكرة كافية عن الأنرشية، وهذا ليس بغريب لأنه حين نتجاوز مقولة “من دون أسياد” لنبحث عن أجوبة أعمق سنكتشف أن الأنرشيّة هي تيارات متعدّدة وغنيّة لا تعطي جواباً واحداً على معظم الأسئلة التي تخطر على بالنا. تيارات الأنرشية وفلسفاتها المختلفة ستكون موضوع الحلقة المقبلة.

(الحلقة التالية: الاتجاهات الأنرشية المختلفة)

9 comments

  1. alijdalloul · فبراير 24, 2011

    حلو كتير!
    حلو انو عم اتعرف ع مصطلحات مهمة و جديدة
    ناطرين السلسلة كاملة

  2. Hanibaael · فبراير 24, 2011

    هل نتحدّث عن إلغاء الدول بشكلها الحالي؟ نعم. هل نتحدّث عن الفوضى؟ لا.

    السلسلة بوقتها. خصوصاً مع كل الاحداث اللي عم تجري بالعالم العربي.. واللي بيطرح عن جديد اشكاليّة وجود الدولة وهدفها.

  3. التنبيهات: Tweets that mention الأنرشية للمبتدئين: تعريف عام « نينار -- Topsy.com
  4. Rita · فبراير 26, 2011

    ظريف 🙂
    متابعة معك !

  5. القط · فبراير 26, 2011

    بدك يا طوني تنتبه لتعريف الأنارشية و توضحها أفضل في الحلقات المقبلة.
    لأنو على هذا التعريف في هذا المقال، فإن نظام “الجماهيرية” في ليبيا قد يُعتبر نظام أنارشي، بما أنه لا يوجد أسياد و حكّام، و بما أن الشعب يحكم نفسه بنفسه، و أن القذافي ليس رئيس بل قائد ثورة :p (طبعًا الواقع مختلف تمامًا و النظام هناك نظام لا يختلف عن غيره في القمع و الديكتاتورية).
    نحن في إنتظار الأجزاء المقبلة!

  6. Adon · فبراير 26, 2011

    @ Ali Dalloul
    شكراً علّوش، يلا البقية على الطريق! : )

    *
    @ Hanibaal
    صحيح بو الهنّ، كتير ضروري هالفترة إعادة النظر بالمسلّمات السابقة، حتى الدولة.
    تحياتي

    *
    @ ريتا،
    شكراً ريتا عيونك ظريفين :p
    سلامي صبية

    *
    @ القط
    معك حق عادل، هيي الحلقات الجايي مفروض تحكي عن اختلاف التعريفات والطروحات داخل هالمدرسة اللي بتوصل لحدّ التناقض.
    بعض أفكار القذافي بالنسبة للحكم المحلّي على فكرة كانت جيدة، على الأقل بحسب إطّلاعي، المشكلة الأساسية كانت بعدم تطبيقها مش بتطبيقها.
    تحياتي صديقي العزيز

  7. التنبيهات: نحو شكل سياسي جديد (13): السؤال الأول: هل “الدولة” ضرورة؟ « نينار
  8. التنبيهات: نحو شكل سياسي جديد (23): من هي العصابة الأكبر؟ « نينار
  9. التنبيهات: التيارات اللاسلطويّة المختلفة | نينار

التعليقات مغلقة.