نحو شكل سياسي جديد (1\3): السؤال الأول: هل “الدولة” ضرورة؟

 

هل الدولة السياسية فعلاً ضرورة لهذا العالم؟

(يمكن إيجاد الحلقة السابقة من الأنرشية للمبتدئين على هذا الرابط)

أطلقت الحلقة الأولى حول الأنرشية بعض النقاشات المطوّلة على صفحات الأصدقاء الذين شاركوها على صفحاتهم الخاصة. ومعظم الانتقادات تأتي من كون كلمة “أنرشية” تجرّ على أكتافها الكثير من المعاني والأثقال التاريخية، كأي كلمة أخرى في هذا العصر. ولو استعملنا كلمة “اللاسلطوية” أو “المجتمع التعاوني” في النصّ السابق من دون أي نغيّر أي كلمة في المضمون، لما كنّا رأينا على الأرجح أي من تلك الانتقادات.

لذلك، وبما أننا نعتقد أن المعارك الجانبية حول المصطلحات الثقيلة تبدّد الجهود وتبعد النقاش عن صلب الفكرة، سنستعمل من الآن وصاعداً تعبير “المجتمع التعاوني” كعنوان للسلسلة كي نتحدّث عن الرؤية المحدّدة التي ننتمي إليها مع العلم أنها تندرج من دون خجل ضمن الفلسفة الأنرشية العامة لأنها تقوم على رفض أساس القمع، ألا وهو السلطة، وبالتالي ترفض وجود سلطة سياسية منظّمة رسمية اسمها “الدولة” أو سلطة غير منظّمة وغير رسمية اسمها “الشركة الكبرى” و”البورصة” و”الإعلام الجماهيري” وما شابه ذلك. ومقاربة “المجتمع التعاوني” هذه ليست مقاربة أيدولوجية بل حياتية مباشرة تنطلق من كون المجتمعات التعاونية الأنرشية هي الحالة الفطرية الطبيعية التي وُجدت فيها المجتمعات البشرية للفترة الأطول من تاريخنا الإنساني.

بالعودة إلى موضوعنا، تستوجب الانتقادات التي وُجّهت للحلقة السابقة وقفة قصيرة لا تهدف الردّ عليها بقدر ما تهدف لتحدّي المسلّمات التي انطلقت الانتقادات منها. من هذه المسلّمات العالقة اليوم في الذهن البشري والمُعتبرة على أنها أمر حتمي لا مفرّ منه هي فكرة “الدولة”، هذا الصنم الذي يُحكم على كل من يرفضه بالكفر والدعوة للفوضى.

صحيح أنه من شبه المستحيل اليوم أن نتخيّل الحالة الإنسانية من دون دولة، لكن هذه الصعوبة تزول حين نعلم أنه خلال 200 ألف سنة تقريباً (عمر الجنس البشري)، عاش البشر من دون دولة. واستمرّينا على هذا المنوال إلى أن استقرّينا في مجتمعات زراعية منذ نحو 10 آلاف سنة ليتخذ التطوّر الاجتماعي-السياسي من بعدها وجهة المدن-الدول ومن بعدها الامبراطوريات ثم الملكيات ثم الدولة الحديثة ثم امبراطورية العولمة الخالية من مركز واضح.

وهذا الاتجاه التاريخي بعد نشوء الحضارة، لم يكن بالضرورة حتمياً! هذا الاتجاه هو النتيجة المعقّدة لملايين الخيارات الفردية والجماعية، الواعية واللاوعية، التي قمنا بها خلال الـ 10 آلاف سنة الماضية، وهو أيضاً نتيجة ملايين “الصُدَف” التي مرّت في حياة المجتمعات، مثل اختراع الآلة البخارية الذي أتاح قيام الدول القومية المركزية في أوروبا، واكتشاف السائل الأسود في باطن الأرض (النفط) الذي أتاح بناء حضارة صناعية عالمية.

الخطوة الأولى للخروج من الأطر التقليدية للتفكير السياسي إذاً يجب أن تكون التشكيك بصنم الدولة، أو على الأقل الأخذ بعين الاعتبار أن الدولة الحديثة ليست نتيجة حتميّة لتطوّر المجتمعات ولا هي الوسيلة الوحيدة لمنع المجتمعات من التحوّل إلى غابة!

حين نضع هذا الأمر بعين الاعتبار، ستُفتح أمام عقلنا الجماعي أبواب هائلة من الاحتمالات، وربّما بعضها سيكون مخيفاً لأن كل توغّل للفكر الإنساني نحو المجهول يحمل خوفه من هذا المجهول معه! لكن ما المانع؟ من قال أساساً ان وجود الدولة الحديثة في حياتنا هو أمر إيجابي؟ فلنفكّر بهذا السؤال معاً علّنا نبحث فيه في الحلقة المقبلة! فلنفكّر خارج الأطر، كل الأطر!