نحو شكل سياسي جديد (2\3): من هي العصابة الأكبر؟

الدولة هي جهاز قمعي متمرّس بارتداء الأقنعة

(الحلقة الأولى من “الأنرشية للمبتدئين” هذا الرابط، الحلقة الأول من “نحو شكل سياسي جديد: هل الدولة ضرورة” على هذا الرابط)

في حلقة اليوم سنتفحّص مفهوم الدولة المعاصرة حين ننظر إليها عارية من دون زينة الشعارات والكلمات الأكاديمية.

ما هي الدولة؟

الدولة الحديثة هي بكل بساطة جهاز مؤلف من مجموعة محدّدة من الأشخاص، يمتلكون تحت تصرّفهم أدوات تربوية وإعلامية وقمعية ومالية عملاقة ويستعملونها وفقاً لقوانين وضعوها هم أو من سبقهم في المركز نفسه. هذه الأدوات الرهيبة الموضوعة بتصرّف حفنة قليلة من الأشخاص، تضمن احتكار الدولة لتوزيع الحقوق المدنية والقانونية والاقتصادية والسياسية على الناس. وإن تعمّقنا أكثر، سنجد أن المهمّة الأولى للدولة ليست ضمان الحقوق بل احتكارها، لأنها جعلت نفسها مصدر الحقوق: فمن دون جنسيّتها لا حقوق لنا على الإطلاق. والجنسيّة، بدورها، تعني قبولنا المسبق بالخضوع لقوانين وشروط لم يكن لنا في معظم الأحيان أي كلمة في تحديدها.

نتيجة هذه الحلقة المغلقة هي في أننا حين نولد في هذا العالم، يستقبلنا مسبقاً جهاز هائل تسيطر عليه حفنة قليلة من الأشخاص يحدّد لنا كيف وأين يمكن أن نعيش جغرافياً وكيف وأين يمكننا امتلاك سقف فوق رؤوسنا، يحدّد لنا كيف وماذا وأين يمكن أن نعمل ونوعية العمل وعدد الساعات والأجر الذي نأخذه في المقابل، كيف وأين يمكن لنا التنقل وأين لا يمكننا التنقلّ (حرية التنقّل في العالم الحديث كذبة سمجة، أسألوا مهاجري العالم الثالث)، وهذا الجهاز يحدّد لنا أيضاً كيف وماذا يمكن لنا أن نغيّر في المكان الذي نعيش فيه بدءاً من أضواء الشارع (التي لا نمتلك فيها أي رأي في معظم الأحيان) وصولاً للقوانين والسياسات التربوية والإعلامية، وفي بعض الأحيان يحدّد لنا هذا الجهاز كيف وأين ومن يمكن أن نحبّ ونتزوج وماذا نقرأ ونكتب ونعزف ونلعب ونأكل ونشرب ومتى نحتفل ونفرح ونحزن ونرتاح من عملنا-عبوديتنا.

وإن حاولنا رفض ما تفرضه علينا هذه الحفنة من الأشخاص التي تُسمّى الدولة، هنالك جهاز قمعي طويل عريض مستعدّ للاعتداء على حريّتنا وحياتنا. وكل ذلك سيحصل بإشارة من إنسان آخر لا يختلف جوهرياً عنّا سوى أن “الدولة” أعطته الحقّ بإعطاء هذا الأمر.

إدعاء الحفاظ على الحرية للقضاء عليها، هو نفسه إدعاء الحفاظ على الحقوق فيما تقضي الدولة عليها

إلى ذلك، إن العدالة في منطق الدولة الحديثة هي عدالة الحفاظ على النظام بأي ثمن لا عدالة تأمين الحاجة البشرية: عدالة الدولة الحديثة هي في ألا يحقّ لفلّاح فقير أن يزرع أرضاً مجاورة لمنزله إن كان لا يملكها حتى ولو كانت هذه الأرض مهجورة وحتى إن كانت ملكيتها تعود لمن يمتلك الأراضي الشاسعة ولا يحتاج لها لعيشه. العدالة في منطق الدولة في هذه الحالة هي في أن تحمي الأرض باسم القانون وتترك الفلّاح يتضوّر جوعاً. العدالة في نظر الدولة هي في أن كل مواطن يجب أن يدفع جزءاً من مدخوله كضريبة ولو كان مدخوله لا يكفيه لخبزه، العدالة في نظر الدولة هي أنك تستطيع أن تحاكم قاتل في الشارع ولا تستطيع أن تمنع حكومتك من أن تشن حرباً تقتل فيها الملايين.

صحيح أن الدولة امتلكت بعض الإيجابيات في زمن ما، كالحفاظ على حقوق الناس ومنع المجتمعات من الإنزلاق إلى الفوضى، لكن حين نفكّر بالأمر ملياً سنجد أن الدول لم تكن في أي يوم من الأيام ضمانة الحقوق ولا هي منعت إنزلاق المجتمعات إلى الفوضى، بل كانت العكس تماماً في أحوال كثيرة. المجتمع القوي والواعي كان هو ضمانة الحقوق، لا جهاز الدولة، والمجتمع القوي والواعي هو نفسه المجتمع الإنساني الذي كان يعرف تدبير شؤونه وحلّ نزاعاته بنفسه قبل نشوء هذا الجهاز الفوقي الذي اسمه الدولة وتحوّله إلى جهاز قمعي منفصل عن المجتمع.

وإن فكّرنا بالأمر أكثر، الدولة اليوم لا تنظّم الحقوق بل تستولي عليها، هي لا تنظّم المجتمع وفقاً لإرادته أو لعقد اجتماعي يجمع مكوّناته بل هي تفرض إرادتها على المجتمع، والدولة لا تضمن العدالة بل تمارس عدالتها الخاصة على حساب كل شيء آخر. الدولة أيضاً لا تمنع العنف بل تمارسه متى شاءت وتسمّيه عنفاً شرعياً. كل ذلك يحصل ببساطة لأن الدولة هي سلطة، وهي أقسى أنواع السلطة وأكثرها تعقيداً. الدولة ليست مجرّد لجنة تنظيمية كما يتصوّرها الليبراليون ولا جمعيّة خيرية كما يريدها اليساريّون، إنها سلطة هكذا بكل بساطة… والسلطة بطبيعتها قمعيّة.

ما الحلّ إذاً؟ إنه في الواقع أبسط بكثير مما نتخيّل ولو كان صعب التحقيق.

هل قال أحدهم مجتمع تعاوني؟

4 comments

  1. علي نون · مارس 9, 2011

    طروحاتك خطيرة يا أدون
    لمن الواحد يفكر فيها بيلاقي معك حق وحتى برايي الدولة هي عائق سيكولوجي امام نضج المجتمعات لان بتعودهم على الاتكال وبتزرع بعقولهم فكرة ان البشر هم ذئاب البشر على قولة روسو حسب ما اذكر

    • Adon · مارس 11, 2011

      شكراً علي حكيت شوي عن هالموضوع بالتدوينة التالتة. انشالله تعجبك! : )

  2. Fadi · مارس 9, 2011

    Excellent, i didn’t know you had this leanings!
    Lookin forward for the upcoming article!

  3. تنبيه: نحو شكل سياسي جديد (33): من الدولة القمعيّة إلى المجتمعات التعاونيّة « نينار

التعليقات مغلقة.