«الأزمة الأخيرة» في جريدة البناء

ما يلي هي قراءة لكتاب “الأزمة الأخيرة” في جريدة البناء اللبنانية، عدد 2 آذار 2011.

* * *

إلى متى ستبقى الأضواء؟

«الأزمة الأخيرة» كتاب لطوني صغبيني حول الطاقة
بحث يدلّ على الأخطار ويحضّ المعنيين على تداركها

داليدا المولى

الفحم الحجري، الطاقة النفطية، الطاقة النووية، موارد كانت من أبرز الاكتشافات الهائلة التي شهدها العصر الحديث خدمة لطموح الإنسان. كما أمنت لقرن ولّى مصدراً نحو المزيد من التطور ومجالاً فسيحاً للخيال العلمي، حتى غدت الأفلام والمشاهد المبالغ فيها أحياناً حقائق أوصلت الانسان الى أبعاد أخرى في التواصل ودخول عوالم جديدة من الاكتشافات العلمية، من دون حسابات فعلية لمستقبل هذه الموارد التي قد تنضب في النهاية رغم الرفض الجمعي لهذا الواقع. لكن في العقد الأخير، برز همّ الحكومات والدول المتقدمة في كيفية ترشيد الطاقة وجدولة ما بقي منها على كوكبنا، فيما البحث جار عن أبعاد أخرى يمكن أن تساهم في عملية تجديد تلك الموارد. ولكن ماذا عن «الأزمة الأخيرة»؟

هذا العنوان الذي يطرحه الباحث طوني صغبيني في كتابه يضيء على معضلة الطاقة والسقوط البطيء للحضارة الصناعية، وهي مرحلة جديدة من التاريخ الانساني يتم التوجه اليها بخطى سريعة. يطرح في مؤلّفه البحثيّ الأسئلة الصعبة: ماذا لو فقدنا مصادر الطاقة؟ ما العمل لو بدأ كل ذلك بالاختفاء تدريجياً؟ ماذا سينتج الفكر الإنساني في ظل الحاجة الحقيقية إلى الطاقة؟ ما تأثير كل ذلك على البيئة وحياة الانسان المرتبطة بها شاء أو أبى؟ ما هي القدرة الفعلية للحلول البديلة؟ وكيف سيكون السقوط الأخير؟
قد تبدو الحضارة الصناعية – التكنولوجية الحالية متماسكة، تؤمن مواردها وتمتلك إنتاجاً ضخماً وفي جعبتها مخططات مستقبلية للكثير من المشاريع، إنما لا يمكن إخفاء الذعر الذي بدأ يتغلغل في المختبرات والدوائر الحكومية المعنية بإيجاد طاقة بديلة للنفط في وقت قياسي منذ سبعينات القرن الفائت، متخطين بذلك حالة النكران التي يتظاهرون بها وأن العقل البشري سيجد الحلول عند وقوع الأزمة، فحتى المشاريع البديلة تحتاج بدورها إلى طاقة لتنفيذها.

 

Empty!

قد يكون الغاز، هو الحل السريع، لكن ما بعد هذه المرحلة الى أين؟ كل الموارد كما يبيّن الكتاب سيأتي يوم تنضب فيه، حتى الطاقة المعول عليها لسد ما سيخلفه هذا التهالك على النفط ومشتقاته، أي أن الطاقة المتجددة لا يسعها تغطية كامل الحاجة كما كان مأمولاً. ويبين الباحث صغبيني بالأرقام ما قد تعطيه الشمس والرياح والماء واليورانيوم، غير أن مواردها ستكون محدودة مهما اتسعت المناطق المغطاة بالألواح الصناعية والمراوح العملاقة لإنتاجها، فالسؤال الأهم في هذا الحل: هل ستكون الطاقة المتجددة، خاصة الشمسية، بمتناول الجميع؟
كل هذه الإشكاليات والمزيد يتناولها البحث في سياق علمي توثيقي يعتمد على الجداول والحقائق التي توصل إليها أبرز العلماء وحاولت المختبرات مقارنتها لتجد حلولاً بديلة إنما لا شيء يدفع إلى تجدد الطاقة بوتيرة متصاعدة تلحق بـ»عصر السرعة» لتأمين حاجته، خاصة أن البحث عن منابع جديدة للنفط لا يبدو مبشراً بالخير.

والحقيقة التي نخلص إليها : نواجه بالفعل أزمة طاقة قد ترجع الحضارة إلى حدود جغرافية التفاعل، وإلى الحاجة الماسة لتربية الخيل والإبل.. ربما لن يحصل هذا السيناريو اليوم أو غدا،ً بل في السنوات القادمة مع شروع الأزمة في الظهور وهي خرجت إلى العلن فعلاً. فمع كل ارتفاع لسعر برميل النفط تزداد الأزمة اتساعاً في ظل الاستهلاك المتزايد لـ»الذهب الأسود» الذي يضع البشرية في سباق غير متكافئ مع الوقت.
لا يتبنى المؤلف النظرة التشاؤمية في بحثه الموسع حول «الأزمة الأخيرة»، إنما يضع الجميع أمام مسؤولياتهم من توعية المجتمع على أهمية ترشيد استهلاك الطاقة إلى مراعاة برامج الحكومات والبرلمانات هذا الشأن في حملاتها الانتخابية، فالعالم من دون طاقة سيفلس. ولعل المسؤولية تتحملها الدول الصناعية الكبرى التي بالغت في استنفاد موارد الأرض بل ذهبت الى حد استغلال الدول التي تملك تلك الموارد اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
لا يغفل الباحث العلاقة الديالكتيكية بين الطاقة والبيئة، أو التدهور البيئي في أكثر من مكان، ويعزو قلة مناعة الأرض والتغيرات المناخية إلى هذا التدهور الذي يتسبب به النفط والثورة التي خلقها في العالم.
كتاب «الأزمة الأخيرة» قد لا يكون البحث الأكمل أو الأوسع حول هذا الوضوع، إنما سيشكل مرجعاً للكثير من الأبحاث التي ستطرق باب «انهيار عالم الطاقة»، فهو من أولى المحاولات الجدية لدراسة هذا الخطر في الشرق عامة ولبنان خاصة. وبداية لوعي أهمية العمل على إيجاد الحلول وتقدير ما تملكه دول هذا الشرق من كنوز غمرت العالم بخيراتها ونسيت إنسانها.

2 comments

  1. ahmadst · مارس 22, 2011

    اعتقد أن موضوع الطاقة المتجددة وإن كانت ما زالت تعاني الكثير على حساب غيرها من أنواع الطاقة إلا أنها تعطي نافذة ولكنها لا تستطيع ان تصل إلى مستوى فعالية الطاقة النووية والتي توفرها المواد النووية وهي قادرة ليس على استخدام اليورانيوم، وإنما على تطويع مشتقات مشعة أخرى، وعلى المدى الطويل وبإمكانها أن تكون ذات تكلفة أخفض من التكلفة والحجم المطلوب توظيفه في مجال الطاقات المتجددة وعلى رأسها الطاقة الشمسية

    • Adon · مارس 23, 2011

      شكراً أحمد،
      صحيح الطاقة البديلة مهمة جداً ولو كانت لا تكفي حاجة الحضارة الصناعية من الطاقة.
      سلامي

التعليقات مغلقة.