كي لا تحكمنا ذهنية الطائفة

 

حين قام بعض المنظّمين في تظاهرة “إسقاط النظام الطائفي” في 20 آذار بانتزاع يافطات بالقوّة من يد متظاهرين آخرين لأنها كانت تنتقد مباشرة وبالإسم زعماء الطبقة السياسية، لم يكن الموضوع مجرّد خطأ تقني- تنظيمي كما برّر بعض مؤيدي التظاهرة. إن المشكلة أعمق من أي خطأ تقني، بل تشوب في الواقع الحملة منذ بدايتها حتى اليوم، هي بكل بساطة: الطائفية. أو بتعبير أدقّ “الذهنية الطائفية”.

والمقصود هنا ليس الطائفية المذهبية التي تحدث عادة بين الطوائف، بل ذهنية الطائفة التي تهيمن على الجزء الأكبر من الحملة منذ اليوم الأوّل تقريباً؛ أي ذهنية الطائفة التي تريد توحيد شعاراتها ونهجها ومفرداتها، ذهنية الطائفة التي تضيق ذرعاً كلما وجّه أحدهم انتقاداً “داخلياً” لها وتعتبر ذلك خدمة لـ”الطوائف” الأخرى، ذهنية الطائفة التي تضع العلمانيين المعترضين على التحرك في خانة “المتخاذلين” و”المنظّرين” و”المشتبه بعلمانيتهم”، تماماً كما تتعامل الطوائف الأخرى مع المتمرّدين عليها، وأخيراً، ذهنية الطائفة التي لديها نقاشات محرّمة وخطوط حمراء لا يمكن المسّ بها مثل أسلحة الطوائف والعنف السياسي الداخلي.

ذهنية الطائفة التي نتحدّث عنها هي غير مرتطبة بضرورة تركيز الحملة وتوحيد مطالبها وهذا شأن تنظيمي ضروري، كما أم النقد الذي نتحدّث عنه هنا غير مرتبط بالمعارك الكلامية التي تدور مؤخراً بين مجموعتي “الشعب اللبناني يريد إسقاط النظام الطائفي” و”من أجل إسقاط النظام الطائفي – نحو نظام علماني”، لأن كلا المجموعتان متخمتان بذهنية الطائفة. ما نتحدّث عنه هي الذهنية التي تمارس رفض الاختلاف والعزل الاجتماعي (أو الالكتروني) ضد من يخالفها الرأي، التي تمارس التخوين من وقت لآخر والتي لا تتردّد في تحويل العنف الكلامي ضد المختلفين عنها إلى عنف حقيقي على أرض الواقع كما أظهرت التظاهرة الأخيرة (فضلاً عن أن هذا الجوّ يسهّل البلطجة الالكترونية والفعليّة كما شاهدنا عند قرصنة صفحات بعض المجموعات “المشاكسة”).

إن جزء كبير من القادمين الجدد إلى “اللاطائفية” اليوم، هم كما معظم اللبنانيين، تربّوا وترعرعوا في مؤسسات وقرى وعائلات ومدارس وجامعات طائفية بامتياز أو ذات لون طائفي واحد، وعلى الأرجح أنهم تشرّبوا “عقليّة الثنائيات” من الطوائف من دون أن يشعروا بذلك. ثم أتوا إلى رحاب العلمانية (أو اللاطائفية) حاملين معهم تربية الطوائف.

من آثار هذه التربية أن كل شيء بالنسبة للطائفة هو أبيض أو أسود ولا يوجد احتمالات ثالثة، فأصبح كل شي بالنسبة لـ”اللاطائفي الجديد” أبيض وأسود أيضاً من دون ألوان أخرى (نظرة سريعة على شعار :”أنت طائفي يعني زبالة” تظهر كم أن هذه العقليّة الثنائية متجذّرة في الموجة الحالية، فالشعار يفترض ضمناً أن الطائفي هو “قمامة” وأن  “اللاطائفي” هو قوس قزح بغض النظر عن حقيقة الاثنين أو أخلاقهما).

 

...

كذلك، كل شيء بالنسبة للطائفة يقوم على شعار أن “من ليس معنا فهو ضدّنا”، عقليّة انتقلت إلى صفوف حملة إسقاط النظام نفسه حيث يُمارس هذا الشعار “اجتماعياً” على صفحات الحملة قبل أن يُمارس تنظيمياً (باستثناء صفحتي “طريق النحل” و”مجموعة معنى – بعد القرصنة“). كذلك، في ذهنيّة الطوائف، الجماعة هي التي تحدّد الاتجاه العام لا الفرد، والفرد ليس عليه سوى التصديق على هذا الاتجاه أو التزام الصمت كي “لا يشقّ صفوف الطائفة”، وهذا ما يحصل بالضبط على صفحات الحملة وفي نقاشاتها؛ كلما طرح أحدهم سؤال محرج يقفز آخر ليتهمه أنه يريد تخريب التحرك، فالمطلوب من “الجمهور” لدى الطوائف هو التصفيق فقط، أما التفكير فهو مهمّة رجال الطائفة الكبار دون سواهم (اللجان التنظيمية ومسؤولي صفحات الفايسبوك في حالتنا).

في الواقع، وهنا لا بدّ من فتح هامش شخصي صغير، هناك العديد من العلمانيين ومنهم أنا، يشعرون اليوم للمرة الأولى أنهم ينتمون إلى طائفة تمارس عليهم سطوة الرأي والفعل. فالمعترضين يتهامسون همساً فيما قلّة قليلة تعلن رأيها بجرأة، والبعض يعلنون عن رأي في العلن فيما يعبّرون عن نقيضه في أحادثهم الخاصة، فيما جزء كبير يشارك بالتظاهرات خوفاً من اتهامه بالتقاعس لا اقتناعاً بجدواها.

وفي هذا السياق يمكن لصديقنا القديم ألبرت أينشتاين أن يسعفنا، إذ يقول: “لا يمكن حلّ المشاكل بنفس الذهنيّة أو مستوى التفكير الذي خلقها في الأساس”، وهذا ينطبق تماماً على حالة إسقاط النظام الطائفي. إذ لا يمكن أن نسقط الطائفية بعقليّة الطوائف، لا يمكن أن نبني بلداً خالياً من الحروب الأهلية بعقليّة إلغائية وعنفيّة وتخوينيّة، لا يمكن التغلّب على مفهوم الزعامة إن كنّا نتسابق لمدح مؤسّسي صفحة فايسبوكيّة، لا يمكن أن نحرّر غيرنا من الماضي إن لم تكن عقولنا نفسها حرّة من أفكار الماضي وهتافاته وأحزابه، لا يمكن أن نطمئن الناس على مصيرهم إن كنّا نهادن من يرفع بوجههم إصبع التهديد ليلاً نهاراً، وأخيراً لا يمكن أن نصنع حرية إن كنّا نخاف منها في قلوبنا وفي بيوتنا وفي تظاهراتنا وعلى صفحاتنا الالكترونية.

إن التغلّب على النظام الطائفي يبدأ أولاً بالتغلّب على ذهنية الطائفة التي تُزرع فينا منذ نعومة أظافرنا والتي اتضح أنها مورست بقوّة في معظم الاجتماعات والتظاهرات والتحركات والنقاشات لحملة “إسقاط النظام الطائفي”. لا يمكن الانتصار على الطائفية من دون الانتصار على ذهنية الصفوف المرصوصة والخوف من الجماعة والاشتباه بالنقاش والترديد الأوتوماتيكي للشعارات. وهذا مشروع طويل الأمد، لا يتحقّق بالضرورة عبر مشي لثلاث ساعات كل أسبوع في شوارع بيروت. البديل الحقيقي، هو واقع يُبنى، لُبنة لُبنة وخطوة خطوة (وزنقة زنقة إن أردتم)، وليس مجرّد شعار يُرفع في التظاهرات.

______

مقالات سابقة ذات صلة:

10 comments

  1. حسين رمّال · مارس 24, 2011

    جملة وتفصيلاً موافق وع ذات الموجة تقريباً (تدوينتي الأخيرة)
    رح قلّك شكراً ويعطيك العافية وع أمل هاللقاء يلّي مش عارف كيف رح يظبط، يحرق رفنّا
    تحياتي انطون، وزنغة زنغة

  2. amorethoxin · مارس 24, 2011

    مية بالمية.

  3. salimallawzi · مارس 24, 2011

    صديقي … على غرار ما كتبه كتعليق على مدونة الصديق “حسين رمّال” وجب التكرار 😛
    يعني في إشيا ما فينا نغيرها بلحظة، وبعيداً عن التنظير جميع ما تقدمت به واجب ولكن علينا العمل أولاً على رفع مستوى الوعي لدى البشر فيما يخص الطائفية السياسية والطائفة .. يعني في ناس متخيله إنو نحنا جماعة شيوعية كافرة عم تتقامر على الله ودينه .. مش عارفين إنو نحنا جماعة لا طائفية بدنا نلغي الطائفية السياسية ومش الطوائف ..

    تحياتي يا باشا !! وصار اللقاء قريب بوجود القائد “رمّال”

  4. ريما · مارس 24, 2011

    شكراً طوني

  5. رامي · مارس 24, 2011

    شكراً على هذه المقاربة المنطقية. موافق جدّاً على الموضوع. وهنا أشجع الذين يشعرون بهذه المشكلة أن يتكلموا لأنهم إن لم يتكلموا فهذه الحملة ستفشل وتفقد معناها. لم يفت الأوان بعد.

  6. www.thecoc.org · مارس 25, 2011

    شكراً

  7. Adon · مارس 25, 2011

    حسين، سليم، ريما، رامي، amoerethoxin، مجلس المواطنين، شكراً على مساهماتكم 😀
    سلامي!

  8. القط · مارس 25, 2011

    ما لاحظت الفيديو من قبل.. و لكن من المؤسف أن تحدث هكذا أمور و هكذا ذهنية في التعاطي.
    في جميع الأحوال، أنا لا أستطيع إلا و أن أتفق معك في هذا المقال. المعركة الأصعب و الأكثر أهمية هي المعركة الثقافية.
    إسقاط المؤسسة السياسية و الإدارية ليس كثير الصعوبة. ما يحتاج العمل أكثر هو تغيير الذهنية الطائفية (الدينية، العرقية و لكن أيضا الجندرية و غيرها من الأنعزاليات الطائفية) و نقل ثقافتنا من ثقافة النسخ و التقليد و الإنغلاق إلى ثقافة إنتاج و علم و إنفتاح.
    تحياتي طوني.

    • Adon · مارس 28, 2011

      مية بالمية عادل، اللي انحكى هون هو نفس روحية مقالك على هيدا الرابط http://southoak.blogspot.com/2011/03/blog-post_25.html

      اللي بعتقد لازم قد ما فينا تقراه ناس كتير لنوسع النقاش ونحدد أكتر شكل المشكلة اللي عم نواجهها.

  9. karem · مارس 28, 2011

    من أفضل ما قيل في المظاهرات “العلمانية” الحاصلة أخيراً.
    لم تعد هيمنة الطائفية بقدر ما هي هيمنة الطائفة…
    شكرا طوني

التعليقات مغلقة.