قراءة لـ”الأزمة الأخيرة” في جريدة السفير اللبنانية

 

هل تنطفأ الأضواء؟

كتاب عن معضلة الطاقة والحضارة

«الأزمة الأخيرة»: ماذا ينتظرنا؟

هاني نعيم – جريدة السفير اللبنانية – آذار 2011

ماذا نفعل حين يختفي النفط من المستودعات والآبار والمصانع والمنازل وخزّانات وقود السيارات؟ سؤال يَجهد البعض على عدم مواجهته مع اقترابنا من تلك الحقيقة. أما الجواب الأكثر فعاليّة وسحريّة، الذي يردده الجميع، من أنظمة، مؤسسات، إعلام، شعوب وأفراد، فهو: «الطاقة البديلة هي الحل». ولكن هل فعلاً هي الحل؟
هذا ما يُحاول الإجابة عليه الكاتب والباحث طوني صغبيني في كتابه الأول «الأزمة الأخيرة»، الصادر حديثاً عن «دار العربية للعلوم»، والذي يبحث فيه هواجس الحضارة الصناعيّة حيال مسألة الذروة النفطيّة والآثار الكارثيّة الناجمة عنها، واضعاً حقيقة الطاقة البديلة تحت مجهر الواقع، بالأرقام العلميّة والسياسات الحكوميّة وجديّتها، وإمكاناتها الفعليّة بالحلول كبديل حقيقي مكان النفط.
يروي صغبيني، في مطلع الكتاب، التاريخ البشري من خلال علاقة الإنسان بالطاقة منذ فجر التاريخ، مُعتبراً أنّ اكتشاف «الذهب الأسود» كان له آثاره في رسم ملامح الحضارة الصناعيّة التي تعيشها البشريّة في القرن الأخير. من هنا، يبدأ الكاتب بوضع تصوّر أوّلي لآثار نضوب النفط الذي يشكّل عصب كل ما يجري حولنا، من ضوء الغرفة التي نقطنها، وصولاً إلى المصانع التي تصنع الغذاء، والطائرات والسفن والشاحنات التي تنقله من الأماكن البعيدة إلى المدن، مروراً بعدم قدرتنا على الانتقال إلى مكاتب عملنا الواقعة على بضع كليومترات من منازلنا، ومصير المدن التي تقوم كل حركتها على النفط.
أما في الفصول التالية، فيقوم صغبيني بتقييم كل أنواع الطاقة البديلة، بناءً على معايير علميّة، أبرزها الجغرافيا، الكفاءة الاقتصاديّة والملاءمة السياسيّة، من دون أن يغفل الإشارة إلى معيار «الأثر البيئي» لكل طاقة، خصوصاً أنّ التغير المناخي لم يعد معياراً هامشياً مع مرور الزمن. وحتّى أكثر الطاقات النظيفة لها آثار سلبيّة على المناخ، ففي الحد الأدنى هي تساهم في الانبعاث الكربوني من خلال تصنيعها، تركيبها وصيانتها.
ويصل الباحث إلى خلاصة أنّه بعد تطبيق هذه المعايير على كافة أنواع الطاقة البديلة، يُمكن اعتبار أنّ كل ما يُقال عن الطاقة البديلة هو ليس إلاّ مجرّد بروباغندا إعلاميّة وتهرّب من مواجهة مأزق حقيقي ستعيشه البشريّة خلال عقود من الآن.

*

أزمة لبنان
لا يغفل الكاتب لبنان، إذ يُعالج آثار أزمة النفط عليه بفصل خاص. ويُعتبر لبنان من الدول الهشّة نظراً لاعتماده بنسبة 97% من استهلاك الطاقة على النفط، وهو ما يجعله أكثر عرضة وتأثراً بأزمة الطاقة من غيره من الدول التي أدخلت إلى سياساتها الطاقة البديلة. ويتطرّق أيضاً إلى إمكانيّات تطوير الطاقة المتجددة، والمعوّقات التي تواجهها وأبرزها النظام السياسي المضطرب والحسابات الضيّقة لدى الأطراف المتنازعة، وغياب مفهوم «التنمية المستدامة» عن فلك السياسات العامة.
يرتكز «الأزمة الاخيرة» على عشرات المؤلفات، التقارير، الدراسات والوثائق الصادرة عن الحكومات، المؤسسات، الجامعات، الشركات، والمنظمات (الحكوميّة، غير الحكومية، الوطنية والدولية)، التي تعمل وتُعنى بمجال الطاقة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الكتب الصادرة عن العالم العربي التي تتناول مسألة النفط والطاقة البديلة نادرة جداً، وأغلبها مترجم عن دراسات غربيّة، رغم أنّ هذه المنطقة من العالم هي الأكثر تصديراً للنفط، واكتشافه فيها كان له اثره البالغ في تاريخها الحديث.
ابتعد صغبيني قدر المستطاع عن جفاف المادة التي يُعالجها، واضعاً الوقائع في اسلوب سردي يُلامس الحياة اليوميّة للقارئ، ويُساعده على مقاربة أزمة الطاقة ومستقبل الحياة على الكوكب، من دون أن يكون خبيراً اقتصاديّاً أو نفطيّاً.
كما ولا يُحاول تجميل الواقع/ الأزمة التي تعيشها البشريّة، فمن الصفحة الأولى يتساءل «هل تنتظرنا العصور المظلمة عند المنعطف التالي؟». لا جواب مباشراً يتبنّاه الكاتب، ولكن الفصول العشرة التي يتألّف منها الكتاب كافية لتعطي فكرة واضحة عما ينتظرنا عند المنعطف التالي.