طوفان في بلاد البعث

“طوفان في بلاد البعث” هو فيلم تسجيلي للمخرج السوري الراحل عمر أميرالاي (1944-2011)، أحد مبدعي السينما التسجيلية العربية ومعارض شرس لنظام البعث الحاكم في دمشق.

في العام 1970، شعر أميرالاي أن أمراً مهماً وإيجابياً حصل في سورية (انقلاب حافظ الأسد في آذار من ذاك العام)، وذهب إلى منطقة الفرات وصنع فيلماً تسجيلياً عن السدود التي يقيمها النظام الجديد على النهر، وقال أميرالاي وقتها أنه يريد توثيق “التغيير الإيجابي” الذي يقوم به النظام البعثي الجديد. لكنه سرعان ما خاب أمله.

بعد 33 عام من الغياب، عاد أميرالاي إلى الفرات ليعلن خيبة ووجع وانكسار: أحد السدود انهار وغمر قرى بكاملها مع أهلها، فيما تشققت سدود أخرى مهدّدة قرى سورية عديدة بـ”طوفان كبير”. رأى أميرالاي في ذلك صورة مصغّرة عمّا حدث لسورية في ظلّ البعث، أتى الحزب إلى السلطة بحجّة إنقاذها، فدفنها.

عمر أميرالاي آتِ من ثقافة جذرية، عاش حياته مشاكساً غير خائف من قول الحقيقة، رغم أن ذلك كلّفه منع أفلامه من العرض، رحيله عن بلده في منفى قسري، واعتقاله وحجز جواز سفره أكثر من مرة على يد النظام البعثي كان آخرها في أيلول عام 2010. لعب المخرج الدمشقي دوراً رئيسياً في ربيع دمشق عامي 2000-2001، وكان أحد مهندسي بيان “الـ99” الشهير، الذي أصدره عام 2001،  99 مثقفاً سورياً طالبوا برفع حال الطوارىء وإطلاق الحريات العامة والإفراج عن المعتقلين السياسيين

(ردّ الرئيس السوري بشّار الأسد وقتها قائلاً أنه لم يقرأ البيان، متّهماً الموقّعين عليه أنهم مدسوسين من الخارج وقال: “شخص يخاطبك من خارج بلدك فمن الطبيعي أن لا تهتم به. النقطة الثانية، لقد سُمّيت بيانات مثقفين، هل هم مثقفون فعلاً أم ماذا؟)

يقول المخرج المشاكس أنه ورث عن أبيه “شيء يعتزّ به كثيراً، وهو احتقار السلطة وأهلها من الساسة والعسكر من محترفي مهنة الأمر والنهي والتصرف بأحوال البلاد والعباد”. خلال مختلف مفاصيل حياته، قاوم أميرالاي الديكتاتورية بالصورة والكلمة والألم الساخر. حين عُرضت باكورته السينمائية “طوفان في بلاد البعث” عام 2004، اعتبرها النظام البعثي أنها استفزاز مدفوع من مؤامرة خارجية ومنع عرضه في سورية بطبيعة الحال.

اعتبر المخرج الدمشقي نفسه معارضاً للنظام من دون أن يكون جزءاً من المعارضة، وكان ينتقد الأخيرة بسبب افتقارها للأساس الديمقراطي وعجزها عن تقديم بديل متكامل، وكان يقول دوماً في هذا الشأن: “انا عازف منفرد.”

أميرالاي اختار فيلم “طوفان” ليكون رسالة سياسية توضح حجم الخراب الذي ألحقه نظام الاستبداد ببلاده. توفي المخرج المشاكس في 5 شباط 2011، قبل أن يتسنّى له رؤية انتفاضة أبناء بلاده على السجّان البعثي. نترككم مع اقتباسات من كلام أميرالاي بالإضافة إلى فيلم “طوفان في بلاد البعث” كاملاً في نهاية التدوينة والذي ننصح بمشاهدته كاملاً.

إلى ذلك، لا يمكننا سوى أن نأمل أن يأتي الطوفان الذي حلم به أميرالاي وملايين المواطنين غيره لسنوات طويلة ليرمي الدكتاتور ونظامه في مزابل التاريخ.

*

من أقوال أميرالاي (مقتبسة من كتاب: “عمر أميرالاي، عاش محباً ومات محبوباً، إصدار الدار العربية للعلوم 2011)

يقول أميرلاي في مقدمة فيلم “طوفان في بلاد البعث”:

“حول بحيرة الأسد، يمتد اليوم بلد اسمه سورية الأسد. من سورية الجديدة هذه اخترت قرية. هذه القرية وأهلها وحتى بئر الماء فيها اسمها الماشي. قرية يحكمها شيخ عشيرة هو نائب في مجلس الشعب، يعاونه إبن أخيه مدير المدرسة ومسؤول الحزب. إنها في عبارة أخرى عيّنة من بلد يحكمه حزب البعث منذ أربعين عاماً من دون منازع”.
*

“هذا الفيلم يرصد عملية غسيل أدمغة الأطفال الأبرياء وتلقينهم شعارات البعث. لغة الفيلم فوتوغرافية فعلاً، لكن المراد منها حث المشاهد على قراءة ما وراء الشفاه والحركة والصوت. فالسوريون فاقدون للأسف ملكة النطق والتعبير الحر منذ صادرها منهم الناطقون باسمهم. ويكفي أن يتابع المرء مقابلات التلفزيون السوري مع الناس العاديين، وغير العاديين، ليصعق حيال حجم الدمار الذي لحق بلسان الفرد . وتعبيره، وخصوصاً عند الشباب والأطفال. لذا فإن شخصيات الفيلم، وبشكل خاص تلاميذ المدرسة، ينطقون بلسان غير لسانهم، وبافكار غير أفكارهم. الصورة صورتهم والكلام لغيرهم: إنه “دوبلاج” رديء لشعب ابتدعه مخرج رديء.”

*

عن الفيلم يقول :”هذه وثيقة لا يمكن لأي نظام قادم أو أي شخص كان متلبساً بحكم البعث أن ينكر يوماً كيف كانت تتم عملية تدجين وغسل دماغ وعسكرة الاطفال الأبرياء في المدارس الحكومية السورية وإدارتها كسجون.”

*

“لا استطيع إلا أن أدين الأدوات التي اعتمدها حزب البعث لتشويه أكثر من جيل.

*

“إن نقطة الحرية التي يصل إليها الإنسان من الصعب التراجع والتخلي عنها، لأنها ليست نزهة خارجية تعودين بعدها إلى البيت بل استكشاف لا حدود له لهذا الهواء النقي.. هذا ما جعلني أكمّل من اللحظة التي وصل إليها المجتمع السوري: لحظة الحلم بالحرية.

*

“هذا يدل على انهيار الفرد عندنا، عندما يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من العمى والميكانيكية في التفكير وغياب الفطنة والثرثرة بلا تفكير وبلا أسئلة.. هذه كلها دلالات على بؤس الإنسان عندنا. 45 سنة من غسيل الدماغ والتدجين والتلقين لا يمكن أن تكوّن إنساناً سوياً. حتى إذا لم تنجح الأنظمة في التوحيد بين الوعي الداخلي والوعي الخارجي، فإنها ولدت الإنفصام، ونجحت في أن تجعل الفرد يمارس وعيه الداخلي كفأر ووعيه الخارجي كعبد. وعلى هذا المستوى نجحت كل الأنظمة التوتاليتارية في العالم كله، وليس فقط حزب البعث والأحزاب الشيوعية. جعلت الإنسان فأراً في بيته وعبداً في الخارج.

*

“إذا شاهدت التلفزيون السوري فلن تتمكني من رؤية الناس. الخطاب يجرّدهم ويلغيهم. النظام ألغى الناس من الحياة وألغى الحياة من الناس، وصادر الاثنين معاً، الحياة والناس، وقدّم نفسه اختزالاً لهما وناطقاً باسمهما.

*

“أنا مؤمن جداً أنه على الرغم من كل الإشارات التي تدل على أن النظام يريد إحكام قبضته على الأفكار والمشاعر والآاراء والتعبير، إلا أن حركة الواقع صارت أقوى من الجميع والتحوّل صار من الضرورة بمكان حتى أجهزة أمنهم والعقلية المتحجرة التي ما زالت تؤمن بمنطق الامن والقوة لإيقاف حركة التاريخ، لا تستطيع العمل ضد هذه الحركة. اليوم هناك شيء يحدث على مستوى العالم ككل. الرياح تعصف في كل مكان. وبات من الصعب احتجاز هذه الرياح في غرفة.

*

“شخصياً اعتقد أن لا أمل يرتجى من واقع اختارت فيه أمة أن يتناوب على الاستبداد بها الدين والقومية، رغم ذلك، اذكّرك هنا بما قاله صديقنا الكاتب المسرحي عبدالله ونوس في أشد لحظات اليأس التي كان يمر بها: نحن محكومون بالامل.

* * *

4 comments

  1. عبير · أبريل 19, 2011

    عم بحضر الفيلم.
    شكرا طوني!

    • Adon · أبريل 21, 2011

      شكراً إلك عبّور 🙂

  2. salimallawzi · يوليو 27, 2011

    رائع !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

  3. التنبيهات: سوريا سوريا « عبير

التعليقات مغلقة.