“الأزمة الأخيرة” في جريدة الأخبار

ماذا نفعل حين يتوقف الاقتصاد عن العمل؟

الأزمة الأخيرة: ماذا عن مصير البشرية؟

(نُشر جزء منها في جريدة الأخبار اللبنانية، الجمعة 15 نيسان 2011)

علي السقا

في باكورته البحثية ” الأزمة الأخيرة” يخوض الزميل طوني صغبيني في كبرى المشكلات التي تلوح في أفق الحضارة. الكتاب الصادر عن الدار العربية للعلوم، ليس مجرّد عمل بحثي ينوء بثقل المصطلحات والارقام،  بقدر ما هو متوّج في سياق التحليل بسؤال انساني دائم: ماذا عن مصير البشرية؟

على الأقل، لا شيء ينبىء حسب صغبيني بمستقبل حالم وآمن. التطور التكنولوجي والعلمي اللذان سوّقت لهما العولمة بأنهما لا متناهيان، يكذبهما كون تقدمهما إقترن بالاعتماد شبه المطلق على مورد غير دائم. النفط، المصدر الاول للطاقة التي باتت تسيّر كل صغيرة وكبيرة في حياة الانسان، يعيش أزمته الكبرى. الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية المعنيّة تنذر بنضوب هذا السائل بعد خمسة أو ستة عقود. لعل أولى المعضلات، على ما يقول صغبيني، تكمن في حالة النكران الجماعي لدى الشعوب لفكرة انتهاء النفط، اضافة الى اعتماد بعض حكومات الدول الصناعية سياسة تعمية تجاه شعوبها. اذ ان نقاشاً جديّاً للأمر سيكون كفيلاً بوضع هذه الحكومات أمام مشكلات كبرى، ليس أولها أزمة الثقة بقدرة الاخيرة على تدارك “الكارثة” الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المترتبة على نفاد الطاقة النفطية.

يشير صغبيني الى بلوغ العديد من الدول الاساسية المصدرة للنفط ذروة انتاجها منه حيث سيشهد هذا الانتاج ضموراً تدريجياً. ليس من قبيل المشيئة القدرية إذاً أن يقع جلّ هذه الدول في الشرق الاوسط، وأن يكمن النهم الى النفط خلف العناوين العريضة للحروب التي تشن فيها وعليها. وهو الأمر الذي يؤسس مستقبلاً لارتفاع وتيرة صراعات بين الدول الكبرى المستهلكة للنفط، وبينها وبين شعوب بلدان أخرى غارقة في فقرها فيما تحكم الدكتاتوريات فيها السيطرة على موارد الطاقة. فهل ستكون حروب المستقبل حروب «الدماء من أجل الوقود»؟ وهل من بصيص أمل؟

المسألة مسألة كسب للوقت بحسب الكتاب. اللحاق به أمر حتمي قبل الوقوع في المفاعيل السلبية لنفاد الطاقة النفطية. وذلك يضع العالم ” أمام تحدٍّ صناعي للتحول خلال وقت قياسي الى  اعتماد مصادر طاقة بديلة عن النفط “. لكن هذا لن يحول دون الوقوع في مشكلات  أسوأ على الصعيد العالمي. في فصل ” كلفة المنعطفات الخاطئة: حين تصبح الارض صحراء شاسعة”، يشرح صغبيني التحول السريع الذي أحدثه استهلاك النفط ، اضافة الى موارد عديدة كالحطب والفحم في التغير المناخي.

أزمتا النفط والمناخ اللتان أدتا الى رواج اطروحات العمل بموارد الطاقة البديلة، ليستا أكثر فعالية من النفط أو أقل ضرراً على البيئة. فإنشاء مفاعلات نووية لتوليد الطاقة ( بغض النظر عن الكلفة الباهظة والوقت اللازمان لانشائها)، سينتج مشكلة النفايات النووية ومشكلات أمنية وسياسية أخرى. أما الوقود الحيوي (الايثانول المستخرج من الذرة والنخيل) والذي استحوذ على اهتمام الحكومات الغربية بوصفه صديقاً للبيئة، فإنه يطرح بحسب الكاتب آثاراً اجتماعية وبيئية كارثية. اذ يستلزم تخصيص هكتارات هائلة من الاراضي الزراعية للذرة والنخيل،” وملاقاة النمو المتوقع في انتاج هذا الوقود من الان حتى 2030 تتطلب مساحة تعادل مساحتي فرنسا واسبانيا معاً”. مما يعني أننا سنشهد أزمة غذاء عالمية تهدد حياة الملايين وربما تعيد رسم خرائط سياسية جديدة للعالم، مقرونة بتدمير نظم ايكولوجية بكاملها.

من جانب آخر، يؤكد الكاتب أن اعتماد الطاقة الشمسية والهوائية يتطلب شروطاً كثيرة مثل نوع التضاريس والمناخ وحركة الرياح وتعترضه العديد من العقبات التقنية والماليّة والفيزيائية، مما يجعله غير متوافر وذا فاعلية طاقوية منخفضة.

أمام هذه الصورة، لا يرتسم أمامنا سوى التساؤل عن مستقبل البشرية بعد النفط، فهل يعود البشر الى بدائيتهم؟