عصر الجروح الكبرى

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الأوّل:  عصر الجروح الكبرى

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

كم من جرح نحمله ...

تاريخ الجنس البشري الحالي ابتدأ على هذه الأرض منذ حوالي 200- 400 ألف عام. خلال هذه الفترة قمنا بكل شيء تقريباً يمكن لجنسنا القيام به؛ اكتشفنا عالمنا أرضاً وبحراً وجواً وفضاءً، دجّنا الحيوان والقمح واخترعنا الأدوات والمحراث والبيرة والناي والسيارة والصاروخ والكمبيوتر المحمول والقنبلة النووية، وبنينا ناطحات السحاب والمدن المليونية والمجتمعات وخضنا الحروب واستعبدنا بعضنا بعضاً وأحببنا وكرهنا وكتبنا الشعر ورسمنا على الحيطان وعزفنا ورقصنا وسجدنا وثرنا وبكينا وضحكنا… وخلال كل ذلك بنينا علاقات مع أنفسنا ومع أرضنا ومع المقدّس، علاقات لا تخلو من البساطة والتعقيد والجمال والقوّة والعنف والحقد والخوف في الوقت نفسه.

خلال هذه الفترة أيضاً، شاهدنا وعينا الإنساني يحبو من الرسوم البسيطة للثيران والرماح في الكهوف المظلمة إلى المؤلفات الفلسفية المعقّدة في ظلال أثينا القديمة إلى المختبرات العلميّة الفائقة التطوّر التي تحاكي نشأة الكون تحت مدينة سرن السويسرية. لـ 200 ألف عام، قمنا بكلّ هذه الأمور وأكثر، ونمى وعينا لدرجة أن ما يتعلّمه الطفل اليوم خلال السنوات الأولى في المدرسة يفوق ما كانت تعرفه حضارات قديمة بأكملها. لقد بنينا لأنفسنا كفصيل حيّ هوية محدّدة المعالم تتميّز أنها قائمة على الوعي والإدراك الذي نتفوّق به على كل الفصائل الحيّة الأخرى. الجنس البشري اليوم هو بحقّ النتيجة الحيّة والهائلة لما أنجزه في الماضي.

لكن رغم أننا، لمئات آلاف الأعوام، كنّا نبني ونعزّز وندرك هويّتنا وعالمنا، ورغم أن درجة تحضّرنا ومعرفتنا اليوم تفوق كل الأجيال الإنسانية السابقة، إلا أننا نعيش أزمة هوية ووعي غير مسبوقة في التاريخ. يمكننا القول بسهولة ان الجيل الذي يعيش اليوم هو أكثر الأجيال المأزومة في تاريخ البشرية… نحن الجيل الوحيد الذي توصّل إلى القدرة التكنولوجية التي تخوّله القضاء على الكوكب برمّته، والجيل الوحيد الذي صعد إلى كواكب أخرى وبحث عن الله وعن مخلوقات أخرى عليها، والجيل الوحيد الذي نقّب باطن الأرض ليكتشف عظام أسلافه ناقضاً بذلك آلاف السنين من الأنبياء والكتب المقدّسة، والجيل الوحيد الذي يخلق الآلهة من كل شيء حوله ويميتها كل يوم أربعون مرّة. رغم ذلك، نحن الجيل الأكثر إلحاحاً – وقلقاً – في بحثه عن إجابة على سؤاله الأكثر جوهرية: لماذا كلّ هذا الوجود يا ترى؟ من نحن ككائنات؟ وبحقّ السماء، ما الذي نفعله هنا على هذا الكوكب الأزرق؟

* * *

رحلة الألفيتين الأخيرتين: من شجرة الحياة إلى سحابة الفطر

رغم كل العلم والمعرفة التي اكتسبناها أصبح لدينا اليوم أسئلة أكثر من أي وقت مضى، وعينا قلقٌ ومأزوم كما لم يسبق له من قبل… هنالك جروح كثيرة تركت ندباتها في عمق وعينا البشري، بعضها بدأ منذ قرون عديدة وبعضها نشاهده كل يوم أمام أعيننا. فما هي هذه الجروح ولماذا يجب أن نتغلّب عليها لكي نتصالح مع أنفسنا ونكمل الطريق؟ هذا ما ستحاول هذه السلسلة الإجابة عليه.

الإجابات طبعاً، تختلف كثيراً بحسب المدرسة الفكرية للمجيب عليها؛ البعض قد يراها في القنبلتين النوويتين على اليابان وفي الهولوكست اليهودي والنكبة الفلسطينية، والبعض قد يراها في محاكم التفتيش الرومانية والحروب الدينية أو حتى في ظهور فيلسوف كفريدريك نيتشه وفي دخولنا عباب البحث حول حقيقة الجينات البشرية ونشأة الكون…ألخ. وهذه كلها جروح كبرى ومؤلمة للكثيرين، لكنها ليست ما سنتحدّث عنه. رغم أنه هنالك جروح حرقت ملايين الأجساد في قنبلة نووية أو في أفران غاز أو تحت القنابل الفوسفورية، إلا أن الجروح الأعمق هي تلك التي حرقت ملايين العقول والأرواح في نارها ولم تكتفي بحرق الأجساد فحسب. هي تلك الجروح التي قتلت علاقتنا بأنفسنا، بأرضنا وبسمائنا وجعلت من ضرب طائرة في برج أو إلقاء قنبلة على مدينة وحرق شعب بأكمله أمر ممكن.

أما لماذا فهم الجروح، التي نسمّيها جروحاً كونيّة عظمى، هو على هذه الدرجة من الأهمية، فذلك لأنه يجيب اليوم على سؤالين أساسين: أين نقف اليوم؟ وإلى أين نتجه من هنا؟ خاصة أن مجتمعنا البشري هو أحوج ما يكون لاتجاه فلسفي-روحي-إنساني جديد في الحياة.

الحلقة المقبلة من السلسلة ستتحدّث عن ماهيّة هذه الجروح وفقاً للمنطق التقليدي في التفكير السائد دينياً وفلسفياً وعلمياً اليوم، وهي جروح تعتقد جهات عديدة أنها غرزت عميقاً في كل ما كان عليه وآمن به الإنسان في الماضي. وقد نسمّيها، لتسهيل المصطلح، الجروح الصغرى. وسنتناول في الحلقات التي بعدها ما نعتقد أنه الجروح الحقيقية التي تعرّض لها الوعي الإنساني من وجهة نظرنا.

جروحنا هي دربنا نحو حقيقتنا، نحو وجهة جديدة لم تطأها قدما إنسان من قبل، فلنشقّ عباب دروبها ولنكتشف ما تخبّئه لنا هذه المغامرة…

One comment

  1. حسين رمّال · مايو 9, 2011

    يعني أيش فيني قول، بشغف رح تابع هالسلسلة.. عم تتعمّق كثير يا رجل، في فكرة متعلقة بهل الموضوع هايمة بالجمجمة صرلها فترة عم تعنّ ع بالي ومش عم اعرف ترجمها مظبوط، بفتكر رح تساعدني قراءة أفكارك تحتى طالها..
    روح يعطيك الصحة والعافية انطون

التعليقات مغلقة.