الأرض، الله، الإنسان: الندبات الأولى

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الثاني: الأرض، الله، الإنسان: الندبات الأولى

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

تمثال العالم والفيلسوف الإيطالي جيوردانو برونو (1548-1600). برونو كان أحد أهم العلماء الذين تحدّثوا عن لانهائية الكون والزمان قبل الفيزياء النظرية المعاصرة بـ 400 سنة، وقال أن المقدّس يتواجد في كل بقع الكون بالتساوي وليس منفصلاً عنه في إله. وجدت الكنيسة الكاثوليكية أن علمه وفلسفته متعارضة مع الدين التوحيدي الذي يقول أن الله هو اللانهائي الوحيد في الكون وأن الأخير له بداية (الخلق) ونهاية (يوم القيامة)، وتم إصدار حكم الإعدام بحقه بتهمة الهرطقة في العام 1600 وتم إحراقه حياً في روما في المكان الذي يتواجد فيه التمثال اليوم.

يتحدّث العديد من المفكّرين حول العالم عن ثلاث جروح كبرى في الوعي البشري تُرك الإنسان من بعدها مرتبكاً حائراً في اتجاهه.

وفقاً لهؤلاء المفكّرين، أولى تلك الجروح كانت إثبات العالم كوبرنيكوس في القرن السادس عشر أن الأرض هي التي تدور حول الشمس لا العكس، ما عنى وقتها أن الأرض ليست مركز الكون. ونحن نعلم اليوم أن الأرض بالنسبة للكون اللامتناهي هي كحبّة غبار صغيرة مقارنة مع مليارات الكواكب والمجرّات والنجوم والثقوب السوداء والبيضاء التي يتألف منها عالمنا.

الجرح الثاني كان مع نظرية تشارلز داروين في “أصل الأنواع” وما لحقها من تنقيبات وأبحاث أثبتت أن الإنسان تطوّر من البكتيريا ولم يخلقه إله على صورته لا في يوم ولا في ستة. وفقاً لمعظم المفكرين الدينيين واللادينيين على السواء، غرز هذا الجرح عميقاً في الوعي الديني للإنسان المعاصر لأنه عنى أن الإنسان تطوّر من سلف يشبه القردة ولم يُخلق خصيصاً على صورة الله. وذلك عنى أيضاً أن هذا الإنسان أخطأ باعتقاده أن الله اصطفاه عن باقي المخلوقات، وأخطأ أيضاً باعتقاده أن الخالق تفرّغ لمراقبته ومحاسبته في العالم الآخر، فالإنسان، وفقاً لنظرية النشوء والارتقاء، ليس سوى مجرّد قريب بيولوجي لكل الحيوانات الأخرى.

النشوء والارتقاء؟

بالتزامن مع الضربة التي وجهها علم البيولوجيا لمعتقد الخلق الإلهي، كان نيتشه يعلن في ميادين الفلسفة والأخلاق موت الله ونقض كل القيم والفضائل الدينية التي فُرضت على المجتمع منذ نشوء الأديان التوحيدية، مقترحاً نظرة جديدة للوجود تتجاوز فكرة الخير والشرّ بالكامل. وهذا كان الجرح الثالث، وهو جرح لا يزال يتفاعل حتى اليوم. استغرقت مطرقة نيتشه الفلسفية حوالي 200 عام لتصل إلى علم الفيزياء ليعلن الأخير بدوره موت الله على يد أحد أبرز علماء العصر في الفيزياء النظرية والرياضيات ستيفن هوكينغ. يقول هوكينغ في كتابه الأخير “التصميم العظيم” أن العلم بات قادر اليوم على القول أن الله لم يخلق الكون و”أن الانفجار الكبير لم يكن سوى عواقب حتمية لقوانين الفيزياء”، و”أنه وفقاً لقوانين الفيزياء، بمقدور الكون أن يخلق نفسه من العدم”. سدّد هوكينغ الضربة القاصمة على الحصن الأخير للديانات التوحيدية: إنه النفّي الكلّي لأي دور لله في خلق الكون وتسيير شؤون الوجود.

الفيلسوف فريدريش نيتشه، صاحب مقولة موت الله

الجروح الثلاثة المذكورة تركت أثراً مباشراً على إنسان اليوم، فهي سدّدت ضربات قاسية للنظرة الإبراهيمية للوجود التي كانت تؤمّن للإنسان معنىً وهدفاً ورؤية محدّدة للعالم. هذه الجروح تركت الإنسان مشوشاً ومرتكباً من دون وضوح في المعنى أو الغاية أو الرؤية. حين نفكّر بالأمر، نجد أن التشوّش نتيجة طبيعية بعدما جزمت فلسفة العلم أن وجودنا على هذا الكوكب هو مجرّد صدفة بيولوجية حدثت ضمن قوانين الطبيعة وليس عمليّة خلق إلهية وضعت خطّة كونية وغايات سامية وجنّة ونار. ومن الطبيعي أن يترنّح الدين حين تصبح مفاهيم جوهرية مثل الأخلاق والخير والشرّ تُرى، من بعد مطرقة نيتشه، على أنها عائق أمام الارتقاء الإنساني. ومن الطبيعي أن يصبح الإيمان بخالق مشكلة حين يقول العلم أن الكون وُلد من عدم ولم يكن بحاجة لخالق ليشعل فتيله. ومن الطبيعي أن تفقد الحياة كل معنى حين نقول أن الوجود ضربة حظّ عشوائية، وكذلك الكون، وأن الإنسان مجرّد جسم بيولوجي وآلة عصبية-كيميائية تنتهي كطعام للدود تحت التراب.

وفقاً لهذه الجروح الثلاثة، الحياة كانت صدفة لا معنى محدّد لها. والإنسان بالنسبة لها أيضاً، أتى بصدفة، ويرحل بصدفة، ويموت ليتحلّل كأي زهرة أوركيد على هذا الكوكب… هذا الإنسان الهشّ الذي يمكن لعطسة صغيرة في أي لحظة أن تحمل مرضاً يقتله، والذي يعيش على كوكب الصغير يمكن في أي لحظة أن تمحيه عاصفة شمسية أو نيزك صغير عابر في الفضاء. بعد هذه الندبات الثلاثة، تُرك الإنسان من دون غاية وسبب وخالق، تُرك وحيداً كنوتة موسيقية يتيمة عُزفت عن طريق الخطأ في المساحات السوداء الشاسعة لكوننا البارد.

لكن هل هذه الندبات الثلاث هي فعلاً مأساتنا؟ أم هنالك بعد جروح أعمق منها؟

12 comments

  1. ramie · مايو 11, 2011

    هذة الندبات الثلاثة ليست فعلاً مأساتنا .
    أولا هي ليست بندبات لنبدأ من هناك قبل ان نصل الى المأساة.
    يمكن القول هذة الاكتشافات المذهلة التي فتحت اعيننا , والتي جعلت بعضنا يرتقي الى الحضارة المنشودة والى العلم اللامتناهي .
    هكذا اكتشافات ثورية بكل معنى الكلمة هي بسبب حشرية الانسان للمعرفة ولاكتشاف والتقدم الذي تحد الاديان منه بشكل قاتل.
    “when revelation replaces investigation, civilizations seizes to advance”
    عندما تقضي على روح الاستكشاف والبحث عن المعرفة , تصبح تسير عكس الزمن باتجاه التخلف كما حصل عند العرب , واصبح شعباً عاطفياً جاهلاُ.

    ليست بندبات يا صديقي ,هذة الاخترقات من افضل ما حصل للانسان وبناءاً على الاكتشفات الثلاثة سوف نبني مستقبلاُ رائعاً , فقد حررتنا من هيمنة عقائدية قاتلة .
    i will leave you with a video :

    how fundamentalism destroyed the enlightenment era of the Middle East

    • Adon · مايو 11, 2011

      مراحب رامي،

      صديقي يمكن فهمت المقال بعكس معناه الأصلي، النصّ مش عم يقول انه الاكتشافات العلمية والفلسفية الثلاث هي مأساتنا، لكنه يقول أنها صدمات في الوعي البشري اللي كان سائد بآخر ألفين سنة. بالجزء اللي قبل هيدا، تحدثت عن انه الجزء المقبل سيكون عن الندبات من وجهة نظر الفكر السائد، وتحديداً الفكر الإبراهيمي، هذه الندبات الثلاث يا صديقي هي جروح وندبات للإنسان الإبراهيمي وأيضاً للإنسان الذي لم يستطع أن يخلق غاية ويفسّر معنى الوجود من دون العقيدة الدينية الابراهيمية.
      انت ردّيت كأن النصّ رفض الاكتشاف العلمي والجرأة الفلسفية بينما العكس هو صحيح (وفلسفياً انا نيتشوي متعصّب :D)

      طوّل بالك على الأجزاء التانية يمكن تجاوب على تعليقك
      تحياتي

  2. salimallawzi · مايو 11, 2011

    أوف .. حرام أن لا يستثمر بشي كتيّب ..
    بعدين هيدا الكلام كتير كبير وعميق .. صرت قاربه 3 مرات ..
    عم إكتشف شي جديد
    ناطر الباقي يا رفيق !

  3. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  4. ramie · مايو 11, 2011

    شكرا على التوضيح , في هذا الاطار اذن مقالك رائع🙂
    وهي بالفعل جروح وندبات للإنسان الإبراهيمي.قضت مضجعه

  5. عبير · مايو 11, 2011

    “بعد هذه الندبات الثلاثة، تُرك الإنسان من دون غاية وسبب وخالق، تُرك وحيداً كنوتة موسيقية يتيمة عُزفت عن طريق الخطأ في المساحات السوداء الشاسعة لكوننا البارد”.

    الخاتمة ممتازة، كقارئة عم بقلك.
    وكإنسانة، رغم الحزن الموجود بهالجملة، بس للحظة وانا عم بقراها حسيت بفرح مفاجئ، يمكن لإني عن جد حسيت حالي مجرد نوتة موسيقية يتيمة عم تنعزف بالكون الوسيع، وهادا الشعور لحالو كان كفيل إنو يرجّعني للنقطة الصّح قدام حالي وقدام إمي الكبيرة “الكون”.
    إي، وحسيت إنو هاي الندبات التلاتة، إجت خصوصي مشان تعمل تلت إشيا: 1) لترجّعنا ككائنات بشرية ع كوكب واحد زغير، لحجمنا الطبيعي، حجمنا الحلو. 2) لتساعدنا نتصالح مع إنسانيتنا، بعد ما كنا حاطين بيننا وبينها خرافة “الله” اللي بعّدتنا حتى أجسادنا قبل أرواحنا. 3) لتخلّينا نرجع ننتمي إحنا للكون، بعد ما كنا مفكّرين الكون هوي المنتمي للبشريّة.

    بانتظار الكمالة.
    ع فكرة، إنت بسلسلة المقالات هاي، عم تكون نوتة موسيقية جميلة عم تنعزف بالكون طنطون : )

  6. حسين رمّال · مايو 11, 2011

    متابع بشغف
    انطوان يساهم في إعادة صياغة الإنسان (ضرورة)… متل ما تشرح عبير…
    تتذكّر طوني لما حكينا مرّة عن عملك (كتابك) “الأزمة الأخيرة” وإنو لحل مشكلة البيئة (الطاقة) بدنا إعادة صياغة للمفاهيم من أول وجديد وأهمها العقلية (الإنسانية) نحن شو ونحن ليش ونحن كيف.. عملك هون عم يكمّل بشكل طيّب جداً خطوتك الأولى (الأزمة الأخير) ومع بعض رح نوصل لمطرح طيّب جداً
    وكمان رح اقتبس عن عبير:
    بسلسة مقالاتك هيدي، عم تكون نوتة موسيقية جميلة عم تنعزف بهالكون

  7. Kenan Alqurhaly · مايو 11, 2011

    كان ضروري اتذكر هالجروح التلاتة ونفكر شوي معك لنرتاح من اللقلقة السياسية هون كتير مقال فيه عمق ويمكن مستمد عمقه من عمق هالجروح وأثرها بحياتنا

  8. contrapolitica · مايو 12, 2011

    Awaiting the upcoming installments to open up a dialogue. In the mean time I have to say that I really enjoy and appreciate the literary style you are adopting for this.🙂

  9. عفاف خلف · مايو 12, 2011

    فقط أتابع

    • Adon · مايو 12, 2011

      المدونة مدونتك عفاف 🙂

  10. Adon · مايو 12, 2011

    مراحب،

    @ سليم،
    ما انا كمان كنت عم بكتشف اشيا جديدة خلال عملية الكتابة😀
    يلا الأجزاء التانية جايي

    *
    @ ramie😀 ههههههه شكراً، مقدّم المقال :p

    *
    @ عبير
    شكراً عبّور، هيي فيها فرح لمن يتواضع الإنسان قدّام الكون ويعرف شو صلته فيه وانو هوّي بحد ذاته كون صغير. معك حق بالنسبة للخلاصات التلاتة، حتى هيك عم تسبّقي على السلسلة :p لأن بالحلقات الجايي، أو بالاحرى الجروح الجايي، هيي وفق تفكير معكوس للندبات التلاتة الأولى اللي حكيت عنها هون. يلا جايين😀

    *
    @ حسين رمال
    أكيد رح نوصل لخلاصات مهمة بالنهاية، حتى لو يمكن ما اتفقنا على كل شي. إعادة تركيب الوعي الإنسان بطريقة جديدة هوي ضرورة متل ما حكينا مرة، مننجح أو منفشل هيدا موضوع تاني، المهم انه ما نرتكب أخطاء الأجيال اللي سبقتنا والمهم انه نتوقع من الأجيال اللي بعدنا انها تحمل أجوبتها الخاصة على أسئلتنا ومش بالضرورة أجوبتنا نحن نفسها. عم نفهم على بعض ولو الكلمات مشربكة شوي🙂
    سلامي حسّون

    *
    @ كنان،
    هوي للجدّ اللقلقة السياسية ما فيها نتيجة غير التعصيب على الفاضي، كتبت انت بمدونتك آخر فترة انه فيه مشكلة ببنية المجتمع، وبوافق معك لأن كل شي حولنا اليوم مش مجرد مشكلة سياسية بتنحل بشعار هون وتظاهرة هونيك، في شغل ما بعرف شو نوعه بدو ينعمل بالعقل وبالتربية وبمية ألف شغلة. خير🙂 تحياتي كنان

    *
    @ Contrapolitica
    Thank you Lana, i’m really enjoying your posts too especially the last one.
    I’m excited to see your take on these subjects, i’ll be waiting!🙂

التعليقات مغلقة.