ما هي جروحنا الحقيقية؟ ومن أين تأتي؟

 سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الثالث: ما هي جروحنا الحقيقية؟

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

الأديان الإبراهيمية تؤمن بأن الله خلق الإنسان على صورته واصطفاه عن بقية الكائنات الحيّة. الصورة هي تصوّر لله والإنسان في لحظة الخلق - لوحة لمايكل أنجلو على سقف كنيسة سيستين في روما

الجروح التي تحدّثنا عنها في الحلقة السابقة تعبّر إلى حدّ بعيد عن وجهة نظر الإنسان الديني التوحيدي خلال الألفي عام الأخيرة. وهذا الإنسان لا يعبّر في الواقع إلا عن جزء بسيط جداً من تاريخ بشري يمتدّ لمئات آلاف الأعوام. الإنسان التوحيدي وُلد قبل ألفي عام ونيّف فحسب، نشأ في حضن الأديان الابراهيمية (السماوية) وترعرع في كنف الفلسفات المادية المختلفة فيما بعد التي كان بدورها دين من نوع آخر في أكثر من مكان وزمان.

وإنسان الألفيتين الأخيريتين مختلف جذرياً عن الإنسان الذي سبقه. الإنسان التوحيدي كان يؤمن أن الكوكب الذي يعيش عليه هو كلّ الكون، كان يعتقد أن الإنسان مخلوق فريد سلّطه الله على الأرض وعلى باقي المخلوقات، لا بل كان يعتقد أن الله خلق الكواكب والنجوم كلّها لتكون مجرّد زينة في سمائه! كان مقتنع أن وجوده بحد ذاته هو نعمة استثنائية صنعتها أيدي الخالق بذاته. إنسان الألفيتين الأخيرتين أقنع نفسه أنه ليس محور الكون فحسب، بل هو أيضاً الشغل الشاغل لخالقه الذي يترك كل المجرّات ليتفرّغ لحظة بلحظة لمراقبة أصغر هفوات الإنسان اليومية. إنسان الألفيتين الأخيرتين اعتقد أيضاً أن أهداف الحياة وقواعدها واضحة وسهلة لأنها من وضع الخالق نفسه؛ هذه الأهداف تتلخصّ في شكلها بعبادته كإله أوحد، وفي جوهرها في رفض النفس والعقل والالتزام بطاعة رجال الله ومؤسساته حتى يوم القيامة.

والإنسان التوحيدي هو نفسه إنسان الفلسفة المادّية الحديثة، التوحيدية بدورها والإقصائية بطبيعتها. الفلسفة المادية المستوحاة من العلم الحديث استكملت خلال القرون الأخيرة ما بدأته الاديان التوحيدية جاعلة من هوية الإنسان المعاصر هوية مأزومة، لا فرق فيها بين مشكّكين ومؤمنين وملحدين. ثنائية التوحيد والماديّة تبدو من الخارج كأنها طلاق ومواجهة بينما هي في العمق أسوأ زواج وشراكة في تاريخ البشرية. وهي التي صنعت الجروح الحقيقة الأعمق التي سنتحدّث عنها في الحلقات التالية.

5 comments

  1. ramie · مايو 13, 2011

    most people never really realize how insignificant the Earth really is in the grand scheme of the Universe.
    and as the great Physicist stephen hawking once said:
    “Humans made a human-like being with whom one can have a personal relationship. When you look at the vast size of the universe and how insignificant an accidental human life is in it, that seems most impossible.”

    • Adon · مايو 16, 2011

      i agree with most what you said, except that human life isn’t accidental, it’s a natural result of the nature of the universe
      Cheers mate

  2. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  3. Kenan Alqurhaly · مايو 14, 2011

    رائعة تابع صديقي..

    • Adon · مايو 16, 2011

      مقدّمة : )

التعليقات مغلقة.