الجرح الأوّل: نحيب عشتار، نفي المقدّس من العالم

من تصوّرات حضارة ما بين النهرين القديمة للإم الكونية الكبرى

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الرابع: الجرح الأوّل: نحيب عشتار، نفي المقدّس من العالم

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

تروي إحدى النصوص الكنعانية القديمة التي وُجدت في فلسطين قيام أحد الفلّاحين بأخذ إذن عشتار لقطع شجرة صغيرة يحتاج لها لصيانة منزله. المزارع الذي رفع صلاته لعشتار منذ ثلاثة آلاف عام، وعد “ملكة السماء” بإعادة زرع عدّة أشجار في المكان نفسه فيما كان يقدّم لها قرابين من البخّور والفاكهة عربوناً يدلّ على صدق نواياه.

النصّ القديم هذا، الذي قد يراه البعض سخيفاً أو دليلاً على خرافات الأقدمين، هو في الواقع من أجمل ما يعبّر عن علاقة الإنسان القديم بأرضه التي يعيش عليها. فهو كان يرى أن الشجرة التي تقف أمامه على باب الغابة، هي فيض مادّي للمقدّس عبّر عن نفسه بالخشب والورق والثمر، وليست مجرّد قطعة من الخشب للتحطيم والاستغلال. الشجرة التي تقف أمامه هي مخلوق حيّ مثله يجب معاملته بالاحترام والتقدير الذي يستحقّه. وهي فوق ذلك كلّه، ليست ملكه ليأخذها ويستهلكها من دون سؤال، بل هي ملك الإمّ الكونية الكبرى التي تتجاوز الزمان والمكان والأجيال، هي ملك الطبيعة نفسها، هي ملك ما هو أعظم منه، ما هو أجمل من إزميله حين ينحتها، وما هو أقوى من حدّة فأسه حين يقطعها. وأكثر من ذلك، فهو وإن اعترف بأن الضرورة والقدرة تسمح له بأن يقطع الشجرة ويستعملها لقضاء حاجاته، فهو يفعل ذلك ضمن علاقة أخذ وعطاء مع الطبيعة ومع المقدّس: يشكر المقدّس على هداياه، ويعد الطبيعة بردّ ما أخذ منها. وفوق كل ذلك، يبرهن للاثنين صدق نواياه ومعتقده عبر صلوات جميلة وقرابين قيّمة يقدّمها من صلب حياته، قرابين مشغولة من عمل يديه وعرق جبينه، مجبولة بتقديره للطبيعة وعرفانه للجميل، يقدّمها مبتسماً ومجاناً، رغم حاجته لها. كان الإنسان القديم يرى العالم حيّا، مقدسّاً، جميلاً، جدير بالاحترام والاهتمام.

التصوّر الكنعاني القديم لأثيرة (أو عشيرة)، الأم الكونية الكبرى التي تطعم كل الكائنات من خيرها. المصدر: canaanitepath.com

هذه العلاقة مع العالم المادّي ومع المقدّس، بعد تنقيتها مما يمكن أن يعلق بها من خرافات أو خوف، هي أسمى العلاقات لأنها علاقة ابن بوالدته، علاقة عطاء وأخذ ومحبّة واحترام متبادل لا علاقة مستغِل (بكسر الغين) بمُستَغَلّ (بفتح الغين)، علاقة تقوم على تقدير عطايا الأرض والسماء لا على استغلال الأرض والخوف من السماء.

كان الإنسان القديم يرى المقدّس في كل شيء حوله؛ رأى هبات الآلهة في الأنهار والشمس والألوان والرقص والموسيقى، ورأى الروح العظمى تتجلّى في نفسه كما في الحيوانات والشجر والصخور. لكن هذه النظرة لم تدم طويلاً.

عمليّة سلخ القدسيّة عن العالم المادّي من حولنا بدأت فعلياً حيت أتت الأديان السماوية لتفرض إله رهيب واحد، بعيد منفصل عن الكون والوجود. لم تكتفِ الأديان الجديدة بنفي المقدّس من العالم فحسب، بل حوّلت رؤيتنا للعالم المادّي حولنا من التطلّع إليه كأرض مقدّسة جميلة نتشاركها مع الآلهة نفسها، إلى مجرّد صخرة مادّية خالية من المعنى لا نعرف عليها شيئاً من المقدّس إلا بالركوع على الركبتين. أقنعتنا تلك الفلسفات أن العالم المادي سلبي بطبيعته لأنه مليء بالشهوات والإغراءات التي أسقطتنا من الجنّة، وقالت لنا أنه مجرّد محطّة مؤقتة تم إرسالنا إليها مكرهين، بل أعلنت أننا سنبقى فيها مكرهين بانتظار جنّة أو جحيم موعود.

نفي المقدّس من العالم هو جرحنا الحقيقي الأوّل الذي ترك عواقب وخيمة على وعينا البشري. نتحدّث عنه أكثر في الحلقة التالية.

12 comments

  1. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  2. Ramie Sarieddine · مايو 16, 2011

    “عمليّة سلخ القدسيّة عن العالم المادّي من حولنا بدأت فعلياً حيت أتت الأديان السماوية لتفرض إله رهيب واحد، بعيد منفصل عن الكون والوجود.”

    جداً رائع ما كتبته , فالاديان السماوية زرعت عند البشر فكرة ان الارض وكل ما عليها من حيوانات ونباتات وطبيعة مسخرة لهم .وكما ذكرت,قالت للانسان أن الارض مجرّد محطّة مؤقتة ,ومجموعات كبيرة من المخلوقات البشرية المتخلفة تؤمن بان عليها ان تعجل بالقضاء على الارض لتقرب يومَ القيامة والانتقال الى الجنة المنشودة الموعودين بها.
    فكيف اذن ان نتوقع من مليارات البهائم البشرية ان تحافظ على الارض وما عليها ؟!

    • Adon · مايو 17, 2011

      شكراً رامي، تسخير الأرض وباقي المخلوقات للإنسان هو نتيجة طبيعية للفلسفة الإبراهيمية كما للفلسفات المادية التقليدية، وهالمسألة كانت عم ترسم وعي الإنسان بآخر ألفين سنة مما سمحله يدمّر الأرض من دون وجع ضمير.
      تحياتي

  3. Fadi · مايو 16, 2011

    Outstanding, your words are hitting the nail i’m really enjoying this series
    keep it up!

  4. سلام · مايو 16, 2011

    “وهي فوق ذلك كلّه، ليست ملكه ليأخذها ويستهلكها من دون سؤال، بل هي ملك الإمّ الكونية الكبرى التي تتجاوز الزمان والمكان والأجيال، هي ملك الطبيعة نفسها، هي ملك ما هو أعظم منه، ما هو أجمل من إزميله حين ينحتها، وما هو أقوى من حدّة فأسه حين يقطعها”

    جدا معبر هالمقطع
    عشتار كانت دائما لها مكان غريب عندي لكن الآن صرت اعرف من اين يأتي ذلك وما قلته أدون عن “التصالح” في بداية السلسلة بدأ يتضح بين حروفك . شكرا جزيلا لك

  5. narjissa · مايو 16, 2011

    طوني ..كنت ولازلت مُصرّة إنّو إنسان ذاك الزمن مُذهل ..يكاد يتفوق علينا بأمور كثيرة
    سواء بعلاقتهِ بمحيطهِ أو بآلهتهِ ..أو حتّى بمحاولاته لتبرير وجوده أو وجودهم
    روعة هالسلسلة ..وأكيد بانتظار التتمة

    • Adon · مايو 17, 2011

      هيدي هيي الجملة اللي كنت عم دوّر عليها! خاصة انها عم تجي من حدا متخصص بهالمجال.
      صحيح نحنا متفوقين معرفياً وتكنولوجياً على الإنسان القديم، لكن الإنسان القديم متفوق روحياً ونفسياً وعاطفياً علينا بأشواط هائلة، فيه اشيا كتير مهمة بالحياة وبأنفسنا خسرناها على الطريق نحنا وعم نلاحق وهم اسمه “التقدّم”.
      شكراً نرجسة
      بانتظار إضافاتك دائماً : )

  6. Andalus · مايو 17, 2011

    صديقي مع احترامي الكبير لقلمك لم استمتع بهذة السلسلة كنت اتوقع نقاشا” أعمق حول علاقة الانا بالمجتمع و تشظيها من الممارسات الانسانية و العقائدية.
    بالاضافة السلسلة لم تظهر مترابطة فكل موضوع يحوال الاضاءة على قضية مستقلة مع غياب الرابط المنطقي و الزمني بينهما.

    دائماا” بكل ود و تقدير

    • Adon · مايو 18, 2011

      أندلس العزيز،
      أكيد المقاربة اللي عم تكون بهالسلسلة هون هيي مختلفة عن اللي بيتوقعه عدد كبير من قرّاء هالمدونة، وبتوقّع نختلف على بعض أو على كتير اشيا بعد بالمقالات الجايي. أما بالنسبة للمضمون فمن الأوّل قلت انه هدف المقالات نقاش الجروح الجماعية بالوعي البشري ومش دراسة سوسيولوجية أو نفسيّة للفرد رغم انها بتأثر على الفرد بطريقة أو بأخرى.
      المواضيع هيي قضايا مستقلة صحيح، لكن هيي جزء من مشكلة واحدة مثلثة الأضلاع، واذا انت مش شايف رابط منطقي أو زمني بينها هيدا رأيك الخاص يا صديقي.
      أهم شي بكل عملية كتابة، انه ما يكون اللي عم يكتب أسير توقعات القارىء، وانت عم تقيّم النصّ وفقاً لتوقعاتك مش وفقاً للمضمون. اذا صار أسير توقّعات القراء بيصير عم يكتب للتمتيع، والهدف مش التمتيع :p

      بانتظار رأيك دايما صديقي، وبكل ود وتقدير متل دايما
      تحياتي

  7. Kenan Alqurhaly · مايو 17, 2011

    رائعة كالعادة والمقدمة أثرت فيي كتير ويا ريت لو تكون هيك النصوص المقدسة حاليا بدلا من حكي فاضي وما الو معنى الا تسطيح المخ.. عملتلها شاير كرمال جدنا الكنعاني

    • Adon · مايو 18, 2011

      شكراً كنان مقدّمة : )

  8. تنبيه: “سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض” « نينار

التعليقات مغلقة.