“تقنين” علاقتنا مع المقدّس

بيتنا ليس مجرد صخرة في الفضاء

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الخامس: “تقنين” علاقتنا مع المقدّس”

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

كان لطرد القدسيّة من العالم الحيّ عواقب وخيمة على وعينا البشري. بعد قرون وقرون من الوعظ والفرض بقوّة السيف وبطش محاكم التفتيش، تحوّلت نظرتنا لأنفسنا من رؤيتها على أنها قبسة نور من شمس المقدّس، إلى رؤيتها كعبد لا يجمعها أي رابط مع السماء أو الأرض. بات اعتبار أنفسنا على أننا من نفس جوهر المقدّس بمثابة تجديف، وتحوّلت علاقتنا مع العالم الأسمى إلى علاقة زجرية إكراهيّة تشبه علاقة الأخ الأكبر بمواطني أوقيانيا الخائفين في رواية 1984.

لم يكن هنالك في البدء مسافة تفصلنا عن السماء وعن الآلهة نفسها، كنا نرى القدسيّة داخلنا كما كنا نلمسها في الطبيعة من حولنا، حتى أتت الأديان التوحيدية لتقنعنا أن المسافة بين الإنسان والمقدّس هي شاسعة غير قابلة للردم، بل إن مجرّد التفكير بذلك هو، بالنسبة لها، كفر وهرطقة.

حين يكون المقدّس في كل شيء حولنا، لا نكون بحاجة لمؤسسات دينية “وسيطة” وكتب منزلة وأنبياء ورسل يعملون كقنوات بيننا وبين الإله البعيد المنزوي عن العالم… بل تكون علاقتنا كبشر مع الماوراء علاقة مباشرة، تجريبية وحسيّة كما هي تجريدية وروحية، علاقة خالية من التعقيدات والأيدولوجيا والنصوص المغلقة وتهديدات العمائم… معظم الأديان القديمة قبل دخولها في لعنة الكهنوت كانت مثال حيّ عمّا نتحدّث عنه هنا؛ كانت الحدود التي تفصل بين الكاهن(ة) والإنسان العادي فيها حدود رقيقة ومتحرّكة. لم يكن رجل الدين سلطة على الإنسان بل قوّة له في المقدّس (لا قوّة عليه عبر المقدّس). المعابد الأولى نشأت لتكون قوّة في العقلّ والأسرار والمعرفة والتقوى والحبّ ولم تنشأ لتوزيع صكوك الغفران ومفاتيح الجنّة. في معظم الأديان القديمة، لم يكن هنالك من كلمة “دين” في اللغة، لأن الروحانية كانت جزءًا من الحياة لا فريضة أُنزلت عليهم من فوق، وكان ربّات وأرباب المنازل هم من يقومون بمعظم الطقوس الدينية الأساسية لا رجال الدين.

استعملت الأديان التوحيدية أساليب كثيرة للقضاء على علاقتنا بالمقدّس وتقنينها، ونجحت في نهاية المطاف في جعل المؤسسة الدينية القناة الوحيدة لتجربة روحيّة ضيّقة يقبع على الطرف الآخر منها إله مهووس بحركات التسبيح والتكبير. علاقة البشر مع المقدّس تم تحجميها حين أتت أديان قالت أنه هنالك كتاب مقدّس واحد، نهائي، أزليّ لا يتغيّر، تحوي صفحاته القليلة كل حقائق الكون وكل الأجوبة لأسئلة لم تخطر على بالنا بعد. الإقفال على المقدّس بين دفّتي كتاب صغير وعقول طبقة مغلقة من رجال الدين قضى على كل إمكانية لفهم العالم الأسمى في سياقه الحقيقي – سياق الحياة نفسها لا سياق رفوف المكتبات وسيوف المصلّين.

هذا الإقفال والتقنين قضى على كل إمكانية لتطوير علاقتنا بالبعد الروحي وفهمنا له، وألغى كل المساحة الحميمة بين الإنسان والمقدّس لأنّه جرّدها من التجربة الشخصية والدينامية المتحرّكة التي تختلف باختلاف الأشخاص والزمان والمكان. لقد جعلها علاقة مغلقة محدّدة مسبقاً بعقد ديني مجحف لم يكن الإنسان طرفاً فيه.

المشكلة الأكبر من هذه الناحية هي أن تحجيم علاقتنا بالمقدّس كان المدخل للسيطرة على جميع نواحي الحياة الأخرى. فبعدما اطمأنت الأديان التوحيدية على أن المقدّس منفيّ في أقبية كتبها الكئيبة، انتقلت للهيمنة على الأخلاق والقيم والتشريعات والقوانين والعادات الاجتماعية، مكمّلة بذلك خناقها على حيوية المجتمع البشري في جميع الميادين. بعدما كان الإنسان والطبيعة من حولنا هما مصدر الأخلاق والحقيقة، أصبحت كلمات معدودة منقولة بخطّ اليد هي المصدر. وبعدما كانت التجربة الحسّية، الروحية، الباطنية، الحرّة، المباشرة، والحميمة، هي حبل الصرّة الذي يجمعنا ببُعدنا الأسمى، باتت حركات ميكانيكية، نخوضها راكعين أو ساجدين، نُعلن فيها تسليم أنفسنا لعبودية أبديّة، هي طريقنا الوحيد للتطلّع نحو السماء.

أو بعد ذلك نشكّ، بأنه لا جرح لنا مع المقدّس؟

هذا الجرح لا ينته هنا، بل يحفر أعمق من ذلك بعد…

15 comments

  1. عبير · مايو 18, 2011

    هاي المقالة هيي أقوى حلقة بالسلسلة لحدّ إسا. روعة طنطون.

    “الإقفال على المقدّس بين دفّتي كتاب” – صورة قويّة كتير، خلّتني أتخيّل إنسان الديانات التوحيدية عن جد عايش متل هالكتاب، مع قفل جوّاني، قادر إنو يلغي أجمل لغة ممكن يحكيها الإنسان مع نفسو ومع الكون.

  2. عفاف خلف · مايو 18, 2011

    مرحبا أدون

    بعدي عم تابع، رح ورطك بغوص عميق شوي، ما دام عم تحكي عن جرحنا مع ” المقدس ” ، خليني قول انو ” الدين ” هو عبارة عن ” تنظيم ” للعلاقة ما بينك وبين المقدس مرسل من ” السماء “، هلأ انت منضوي تحت ظل دولة ” بقوانين ” وضعية بتنظم العلاقة بينك وبينها، قد ايه هاي القوانين ممكن تكون مجحفة أو عادلة هاي قضية أخرى…” شتيت ” عوداً على بدء.
    أولاً: بما أنك تقوم بدراسة الأجدى أن تقدم لنا نماذجاً تاريخية على الشرخ المحدث / المستمر ما بين المقدس وبيننا ” كطرفين في عملية تبادلية ” .
    ثانياً: ثمة دينٍ خالص ” لا واسطة ولا تبعية ” وهذا أسقطته من حساباتك، وثمة “دين مؤسسة ” ” دين سياسي ” تلاعبت به الأهواء وهذا هو ” المفضوح ” أعلاه.. يا ريت تفصل.
    ثالثً: بيني وبينك مو للنشر ” ما في دين ” توحيدي ” مقفل عليه بين درفتي كتاب !! كبيرة هاي، عند اليهود في شي اسمو ” المشناة ” هاي كل سنة تحدث، كل سنة بيدخلوا فيها جديد ” من نفسهم ” ، عند المسيحيين يعني اجترحوا اشيا وقوانين جديدة تتمشى والحضارة، اخترعوا الزواج المدني، الطلاق … الخ، عنا باب الاجتهاد فسيح كل يوم عم نفقع العالم بفتوى🙂 وتحمل بصمة المقدس، بالتالي لم يعد الدين ” حكراً ” على دفتي كتاب، ربما ” حكراً ” على المؤسسة !!

    ولي عودة

    دمتَ بحب

    وشكراً لسعة صدرك

    • Adon · مايو 18, 2011

      مرحبا عفاف،
      أول شي الشكر هوي إلك ، على مشاركتك وإضافتك وعلى الوقت والجهد الموجود بتعليقك.
      الدين هو تنظيم للعلاقة بيننا وبين المقدّس في بعض الأديان مش في جميعها، في الأديان الاولى الدين كان تعبير عن علاقتنا بالمقدّس وليس تنظيماً له. كما أن مسألة “مرسل من السماء” عليها خلاف، يؤمن بها من يؤمن بالأديان السماوية فقط.
      الامثلة التاريخية على الشرخ موجودة نوعاً ما بهالمقال نفسه وبالمقال اللي سبقه، الاديان القديمة كانت تعتبر المقدّس موجود بالعالم المادي حولنا، بالعربية هالشي يسمّى الحلولية لكن التعبير الادق هو التعبير الإنكليزي immanence ، الأديان الإبراهيمية نفت صفة القدسية عن العالم المادي وجعلتها حكر فقط للإله البعيد.

      بالنسبة لدين المؤسسة والدين السياسي، لم افصل بينهم لأن بالأديان الإبراهيمية، وخاصة الإسلام، لا يوجد فصل بين الاثنين، كما ان مشكلتي من هذه الناحية غير مرتبطة بالممارسة فقط ولا تقتصر على التطبيق السياسي للدين، بل مشكلتي هي مع الأسس، الفلسفية، الروحية والاجتماعية التي يقوم عليها الدين الإبراهيمي.
      وما هو مقفل عليه بدفتي كتاب مش الاجتهاد، ولكن رؤيتنا للمقدّس، رجل الدين يستطيع الاجتهاد لكنه لا يستطيع أن يقول أن مناة واللات والعزى هم آلهة يجب تكريمهم كما يتم تكريم الله، ولا يمكنه أن يقول أن النار والجنّة هي أفكار خيالية وليست موجود في العالم الأسمى الحقيقي، ولا يستطيع أن يغيّر مثلاً أولى الآيات في القرآن التي تقول أن البشر يخطئون حين يطلقون اسم مؤنث على الملائكة أو الآلهة في إشارة مباشرة إلى أن الأنثى أدنى من أن تكون برتبة مقدّسة في أي مكان بالكون، كما أنه لا يستطيع أن يغيّر كلام الله الذي قاتلوا المشركين أينما وجدتموهم، ولا الكلام الذي يقول أن المصوّر والكافر هم أكثر الناس عذاباً في النار. من هذه الناحية، المقدس مغلق عليه بين دفتي كتاب وأكثر يا صديقتي العزيزة.

      دمتِ بحب
      سلامي

  3. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  4. بحريني · مايو 18, 2011

    عزيزي ممكن تعرف لي المقدس من وجهة نظرك؟؟

    • Adon · مايو 18, 2011

      مرحبا بحريني،
      مفش جواب سهل على سؤالك. هناك مثل تاوي يقول “التاو الذي يمكن وصفه ليس بالتاو”، والمقدّس الذي يمكن تعريفه بكلمات ليس هو المقدّس.
      هلق اذا تجاوزنا هالنقطة، كل شخص رح يكون عنده تعريفه الخاص للمقدّس، ورح شارك بتعريفي من وجهة نظري بالحلقات الجايي، وتحديداً بالحلقة اللي رح تُنشر بـ 27 الشهر الحالي يوم الجمعة المقبل. اذا إلك خلق تنتظر كل هالفترة رح تلاقي جواب عسؤالك.
      تحياتي

  5. narjissa · مايو 18, 2011

    سعيدة طوني
    أنا وعم أقرأ اللي كاتبو ..خطر ببالي كتاب قرأتو من فترة ..الكاتب بيتناول فيه المقدّس والمدنّس من خلال التجربة الدينيّة وتطورها..وبشكل خاص عبر الحيّز المكاني .
    إذا مش مطّلع عليه رح أنصحك بقرائتهِ ..الكتاب اسمو المقدّس والمدنّس ..تأليف مرسيا إلياد ..ترجمة عبدالهادي عبّاس ..دار دمشق
    تحيّاتي ويعطيك العافيّة

    • Adon · مايو 19, 2011

      مرحبا،
      اسم هالكتاب صار مارق معي بأكتر من مطرح ، صار لازم شوفه واقراه خلص : )
      يعافيكي نرجسة

  6. Bassem O · مايو 18, 2011

    هل من الممكن أن تكون الأديان الابراهيمية الحالية ما هي إلا نسخة من الأديان القديمة و لكن بشكل جديد ؟
    قديما كانت طبقة الكهنة أعلى من طبقة الفلاحين أو العموم وكان لهذه الطبقة سيطرة على الجميع ما عدا الإله الذي يتجسد في الملك أو الامبراطور ، و كانت العلاقة ما بين الاله و الانسان شخصية كما هي الآن و لكن على الجميع الحج إلى معبد هذا الاله حتى و لو مرة بالسنة و إلا ستحل اللعنة عليهم .
    بالتالي نحن أمام نفس الفكرة بتطبيق مختلف و بتعاريف مختلفة حيث تم تعديلها نحو إله واحد لأن فكرة المدينة العاصمة الواحدة لدولة كبيرة كانت تتبلور بدلاً عما كان سابقاً ( مدينة/دولة ولها إله خاص ) و أعتقد أنها من أذكى الأفكار السياسية التي اخترعها الإنسان ( الدين التوحيدي ) ليجمع كل المواطنين حول بوتقة واحدة تسهل عليه السيطرة و التحكم !!!!!

    • Adon · مايو 19, 2011

      مراحب باسم،
      خلاصتك فيها تعميم كتير كبير ومش متوافقة مع الواقع التاريخي.
      الأديان لم تتطوّر بطريقة خطّية وبالتأكيد الأديان الإبراهيمية ليست نسخة من الأديان القديمة، هناك فروقات شاسعة بين الاثنين، فروقات فلسفية واجتماعية ونفسيّة. اذا مهتم تعرف أكتر عن الموضوع فيه كتاب مهم بهالمجال اسمه The price of Monotheism, لكاتب ألماني اسمه جان أسمان اللي بيميّز بين الأديان العضوية الرئيسية اللي كانت نتيجة تطوّر روحي مستمرّ لآلاف السنوات، وبين الأديان الثانوية العقائدية اللي شكّلت قطيعة مع التطوّر السابق.

      تحياتي

  7. بحريني · مايو 18, 2011

    ننتظر عزيزي ما في مشكلة.
    امم قرأت شي حق فراس سواح؟ طرحك ذكرني بطرحة في كتاب دين الانسان

    • Adon · مايو 19, 2011

      فراس السواح قرأت له مغامرة العقل الأول، والوجه الآخر ليسوع، وجزء من لغز عشتار. ما لحقت بعد اقرأ دين الإنسان للأسف. لكن كتاب الوجه الآخر ليسوع بيحكي بجزء منه عن نفس الموضوع لأن بيتناول المسيحية الغنوصية، والغنوصية هي جزء من الأديان الباطنية القديمة ولا علاقة لها بالفلسفة الإبراهيمية (كرمال هيك تم القضاء عليها أساساً).
      تحياتي

  8. تنبيه: “سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض” « نينار
  9. omar · أغسطس 20, 2011

    انا اظن ان كل الاديان كانت فى بدايتها تصل الانسان بالمقدس حتى تم تسييسها وجعلها دين اجتماعى بما فى ذالك الاديان السماويه والجروح فى التطبيق والفهم وليس فى المنهج. فى الاسلام خلق الانسان على مثال الله والصوفيين يروا ان كل ما فى الكون هو تجليات لنور الله وان الله نراه بقلوبنا وليس فى الكتب. انا لا اجد فصل الانسان عن المقدس فى الاسلام وخاصة الفكر الصوفى العميق جدا لانه فكر لا يقنعك بوجود السماء بالحجه والمنطق بل يجعلك تراها.

    • Adon · أغسطس 24, 2011

      مرحباً عمر، شكراً على تعليقاتك وإضافاتك على المقالات هنا.
      اتفق معك ان الصوفية تحديداً لا تضع جدراناً بين الإنسان والمقدّس وأنها ترى الفيض الإلهي يغمر كل شيء، لكن الجذورالأساسية للصوفية هي في الفلسفة اليونانية والمدارس الباطنية الوثنية لا في الإسلام، حتى وإن كانت تستعين ببعض الآيات لتبرر موقفها، وهذا السبب الأساسي لملاحقة واضطهاد الصوفيين الأوائل ومنهم الحلّاج.
      تحياتي لك

التعليقات مغلقة.