هل يمكن لشخص واحد اختصار علاقة البشرية بالسماء؟

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء السادس: هل يمكن لشخص واحد اختصار علاقة البشرية بالسماء؟

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

موسى هو أوّل نبي إبراهيمي فعلي بعد إبراهيم نفسه. وفقاً للتوراة، بعدما أخرج الله (يهوه) اليهود من مصر وقادهم إلى جنوب كنعان (فلسطين)، كان أوّل أمر من الله له كنبي أن "يقتل جميع الكنعانيين، كل رجل وامرأة وطفل" (أمره بتنفيذ أول إبادة جماعية في التاريخ، الأمر الذي نفذه موسى بحذافيره، قرية بعد قرية، كما تخبرنا التوراة) - سفر التثنية 7.1-2; 20.16-18

إن جرحنا مع المقدّس يبدأ كما سبق وذكرنا من مكانين اثنين: نفي صفة القدسيّة عن الإنسان والعالم المادّي من حوله، وتحجيم علاقته به من علاقة مباشرة وحميمة إلى علاقة هرمية، باردة، مقوننة في كتب ومؤسسات مغلقة على العقل والتاريخ.

ترافقت مع هاتين الطريقتين طريقة ثالثة أكملت ضرب وتحجيم علاقتنا بالمقدّس. هذه الطريقة هي الفكرة المدمّرة لـ”الرسول واحد” الذي يدّعي احتكار العلاقة مع البُعد الأعظم، فيما لا يحرّك قلبه على أرضه الواقع سوى الرغبة برؤية رقاب شعبه – أو شعب غيره – تنحني له.

العلاقة الحقيقية مع المقدّس، بالنسبة لمخلوق شاسع كالإنسان، لا يمكن أن تمرّ عبر تجربة شخص واحد، مهما كان هذا الشخص نقياً أو عارفاً أو مخلصاً (ومعظم الأنبياء الابراهيميين في التاريخ لم يمتلكوا أي من هذه الصفات بجميع الأحوال). المقدّس هو بعد هائل، بُعد يلامس الجميع ويُعلن نفسه بطرق مختلفة مما يتيح للجميع أن يكونوا أصحاب تجربة روحية خاصة. والتجربة الروحية بطبيعتها هي تجربة ذاتية وحميمة. ورغم أن كل التجارب الروحية تنهل من النبع نفسه، إلا أنها تأتي بأوجه وأشكال مختلفة ويختلف فهمها وطرق التعبير عنها بحسب المكان والزمان والإنسان. فبأي حق إذاً، ننفي على أفراد بشرية كاملة حقّهم بتجربتهم الروحية الخاصة ونفرض عليهم تجربة شخص واحد في التاريخ؟ وبأي منطق نعتقد أنه بامكان واعظ في الناصرة أو قائد في مكّة أن يعطي، منذ مئات السنوات، تعريفاً وإطاراً واحداً لما لا يمكن تعريفه وتأطيره (المقدّس) ويفرضه على الجميع كنسخة “صحيحة” إلى أبد الآبدين؟

مع العلم أن هذا “النبي” الذي فرض “نسخته” على الجميع قد يكون صاحب تجربة روحية حقيقية وقد لا يكون سوى زعيم سياسي احترف الخطابة أو ضرب الأعناق.

في الصورة: رسم يعود للعام 1315 يظهر استسلام قبيلة بنو نضير لمحمد بن عبدالله. في رواية أخرى مذكورة في السير النبوية، يخوض الرسول معركة مع بنو قريضة اليهود، وبعد استسلامهم يأمر بحفر خنادق طويلة ثم بإعدام كل الذكور والأسرى وبأخذ نساء القبيلة وممتلكاتها كغنائم حرب. تم إعدام 900 شخص من القبيلة بينهم أطفال بالغين. بعض المصادر تحاول الالتفاف على الرواية بالقول أن قائد الجيش الإسلامي في المعركة سعد بن معاذ هو الذي قرّر إعدامهم لكنهم يتجاهلون أن السيرة التي تروي هذه الرواية تذكر أيضاً أن النبي باركه حين علم بقراره قائلاً "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات." (يمكن مراجعة سيرة ابن هشام في هذا الموضوع والعديد من السير الأخرى التي تذكر الحادثة)

حين قدّمت الأديان الإبراهيمية، الرسل، على أنهم القناة الوحيدة للمقدّس، حرمت الناس من إمكانية التفكير باختبار البعد الأسمى بأنفسهم، وجعلتهم بالتالي سجناء الكلمات التي نطق بها الأنبياء، وقالت أن هذه الكلمات هي نافذتهم الوحيدة لمعرفة الماوراء. المقدّس نفسه، الذي لا بداية أو نهاية أو شكل له، بات سجين كلمات من زعموا أنهم أنبياء.

حين نحجّم علاقتنا مع المقدّس بكلام مزعوم لشخص واحد، سيفوتنا بالتأكيد أن ندرك أن أجمل نافذة لنا نحو العالم الأسمى هي ذاتنا نفسها. في الواقع، إن رُسلاً يعتقدون أنه يمكن اختصار المقدّس والكون والإنسان بكتاب واحد تحميه رايات الجيوش وصرخات الكهنة هم رسل لا يعرفون من المقدّس شيئاً.

إحدى الخطوات الهائلة التي يمكن أن تساهم بالتئام جراحنا مع المقدّس تكمن في الاعتراف بأن حبل الصرّة الذي يربط الإنسان بالسماء والأرض موجود لدى الجميع؛ لدى الفلاح الذي يرقص لأرضه، لدى الأم التي تغنّي لطفلها، لدى الساجد في صومعته كما لدى العالمة في مختبرها، ولدى الصوفي الذي صُلب على بوابة بغداد كما لدى الفيلسوفة التي وقفت يوماً في شوارع الاسكندرية لتدافع عن الحقّ فيما كانت الظلمات تنتزع جلدها وتحرقها مهلّلة.  لا يمكن اختصار علاقة البشرية مع السماء بشخص واحد. لا يمكن.

12 comments

  1. الحلاج · مايو 20, 2011

    قاتل. هذا أقوى ما قرأت في هذه السلسلة حتى الان. بدأت الصورة تتضح وتكتمل
    هذه المرة الأولى التي أقرأ فيها مقاربة من هذا النوع لا هي إلحاد ولا هي تمسيح جوخ للأنبيا

    • Adon · مايو 23, 2011

      شكراً حلّاج، الاسم أساساً يوحي بأن المضمون هنا سيعجبك😉
      تحياتي

  2. سيف الحق · مايو 20, 2011

    التعامل مع بني قريظة أتى بهذه الطريقة لأنهم نقضوا عهدهم مع النبي- صلى الله عليه و سلم، وكان من الضروري أن يكونوا عبرة لغيرهم. تحقق من الوقائع قبل أن تفتري على رسول الله وسيرته

    • Adon · مايو 23, 2011

      يعني الله بيشتغل سياسة وحرب؟ جميل. اعتقد أن رامي ردّ على تعليقك تحت وكفّى ووفّى
      سلامي

      • Ana · يناير 30, 2013

        اذا تقصد الله بمعنى خالق فالخالق يعني المالك للحق يعني يتقرف بملكه كيف يشاء.. اذا تقصد بمعنى اخر (فلا تعليق)

        • Ana · يناير 30, 2013

          يتقرف=يتصرف

          خطأ مطبعي

  3. Ramie Sarieddine · مايو 20, 2011

    رائعة.
    بالنسبة الى سيف الحق: كيف يمكننا ان نبرر اي جريمة قتل متعمدة !!! الجريمة جريمة لا لبس واجتهاد فيها !!!
    اذا كنتم تعتبرون ان الرب يحاسب فلماذا تحاسبون عنه ؟؟
    هل كان من الضروري الابادة ليكونوا عبرة؟ اذا الدين تسامح ومحبة للله , هل نفرض على الناس الامور ؟
    نقضوا بالعهد , اذا نبيدهم !!!
    هل تسمعون انفسكم حين تتكلمون ؟؟؟!!!

  4. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  5. تنبيه: “سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض” « نينار
  6. nazek666 · يونيو 1, 2011

    عندما تقرأ التاريخ كما اوردته الكتب وكما فرضته فانني اوافقك انك قد تكره الاسلام اذا لم يكن لديك فكر تقديس الافراد
    ولكن عندما تعود وتقراه كما هو في فكر ال البيت من خلال مضامينهم وامتداد تجربتهم التي هي امتداد للرساله المحمديه الخالصه فانك لا تلاحظ هؤلاء الدمويين الذين فرض فكرهم علينا
    وستعود لتقول ان الاسلام دين الحياة

    • Adon · يونيو 1, 2011

      أهلا بك على صفحات المدونة نازك،

      صحيح أنه هنالك اختلاف كبير بين فكر أهل البيت والمذاهب الأربعة التقليدية لكن لا يذهب هذا الخلاف بعيداً (إلا لدى طوائف قليلة مثل العلويين) لأن كلتا المدرستين ترتكزان بالنهاية على نفس الكتاب المقدّس ونفس السيرة النبوية وهما يتفقان من حيث الجوهر في كل الأمور الكبيرة التي تحدّثت عنها في السلسلة.
      بالعودة إلى موضوعنا هنا، في مدرسة آل البيت هناك تقديس أكبر للأشخاص وهنالك تشديد أكبر على انهم كانوا يعبّرون حصراً عن المقدّس.

      إلى ذلك، انا يا صديقي هنا لا أحكم على الإسلام إن كان دين حياة أم لا، هذه ليست مهمتي، كل شخص حر بدينه والإسلام دين حياة للكثيرين، لكن اختلف بشدّة مع ركائز الفلسفة الإبراهيمية وأقول بوضوح انها كانت سلبية جداً على تاريخنا البشري. والاختلاف لا يفسد للودّ قضية
      تحياتي

    • Adon · يونيو 1, 2011

      لقد خاطبتك بالخطأ كذكر، اعتذر عن ذلك لم انتبه جيداً للاسم في بادىء الأمر.
      تحياتي مرة أخرى

التعليقات مغلقة.