المقدّس لا يُقاس بالدولار

لا تُقدّر بعملة

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الثامن: المقدّس لا يقاس بالدولار

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

لا يكتمل نقاشنا حول نفي المقدّس من العالم من دون الحديث عن تأثير الفلسفات المادية ومساهمتها في ذلك. الفلسفات المادية، بمختلف تلاوينها، من أقصى الليبرالية إلى أقصى اليسار، استكملت ما بدأته الأيدولوجيات الإبراهيمية التوحيدية: الإثنان اتفقا على أن الإنسان والأرض والعالم المادّي لا يشكّلان جزءاً من مقدّس ما، ولو أن إحداهما قالت أنه قابع في مكان بعيد فيما أعلنت الأخرى أنه غير موجود على الإطلاق.

الفلسفات المادّية لم تر الكوكب سوى صخرة كبيرة يمكن تفتيتها وحفرها وردمها واستغلالها وتدميرها وبيعها بثلاثين من الفضّة، ولم ترى الإنسان سوى قوّة عاملة يمكن التسلّق على أكتافه لملىء الجيوب وتعبئة الغرور. الفلسفات المادّية تسخر منّا إن قلنا أن المكان الذي نعيش فيه هو بيتنا المقدّس وأمّنا الكبرى التي نولد من رحمها ونعود إلى ترابها بعد الممات.

بالنسبة لمعظم الفلسفات المادية، الوجود هو صدفة كيميائية لا معنى لها. الشجرة التي بجّلها الزارع الكنعاني القديم المذكور في المقال الأوّل من السلسلة، والتي رآها تجلّ لعظمة المقدّس، ليست بالنسبة للفلسفات المادية سوى قطعة أخرى من الخشب للبيع والربح.  تدمير الأرض وما عليها من مخلوقات أخرى، في نظر الفلسفة المادية، لا يستوجب أي شعور بالذنب أو واجب بالتعويض؛ التدمير من أجل الربح هو شعارها.

في ما يتعلّق بالعلاقة مع المقدّس، ومن خلاله علاقتنا مع أنفسنا ومع الأرض، ذهبت الفلسفات المادية إلى مكان أبعد من فلسفة “العبيد” الإبراهيمية؛ هي تقول أننا لسنا سوى آلات بيولوجية من لحم ودم خالية من الروح والمعنى، هي تقهقه إن قلنا أننا إناءً ينضح منه النور المقدّس… أقنعتنا الفلسفة الماديّة أن كلّ ما يحرّكنا ليس سوى الرغبة بالتكاثر والرغبة بالتسلّط على الأرض وعلى بعضنا البعض.

من البديهي أن تكون الفلسفات المادية إذاً متراجعة اليوم أمام الفلسفات الدينية، فهي في جوهرها عاجزة عن إعطاء معنى للحياة والكون. وكيف يمكن لها أن تخرج بمعنى إن كانت ترى أن المحرّك الأوّل والوحيد لكلّ الوجود هو صدفة كيميائية، ثم نشوة بيولوجية، ثم سلطة ومال وسيارات برّاقة؟ وكيف يمكن لها ألا تستكمل جرحنا مع المقدّس إن كانت تردّد ليل نهار أن كوننا هو  مجرّد مكان رهيب وسوداوي، بارد وصامت، تحكمه الأحداث العشوائية وتسلّط مخلوقات على أخرى؟

* * *

في الصورة: جيمس لوفلوك، عالم إيكولوجي بريطاني وُلد عام 1919، أخذ شهرة واسعة في العقد الأخير جراء طرحه "فرضية غايا" التي تقول أن الأرض من منظور إيكولوجي، بتكاوينها الفيزيائية والكيميائية وأساليب التعديل البيئي الأوتوماتيكي التي تحصل فيها، ليست مجرّد صخرة بل كائن حي "واعي" يوجّه عمليات الضبط في الاتجاه الأفضل لحياته، حتى ولو اقتضى ذلك القضاء على أنواع حية بأكملها. نظرية غايا الإيكولوجية ومعها على الطرف الآخر نظريات الكوانتوم والأوتار في الفيزياء النظرية، شكّلت قطيعة مع فلسفة العلم النيوتونية-الأينشتاينية التي سادت في القرنين الأخيرين وأعادت الوصل بين العالم المادي والروحانية. المزيد حول هذا الموضوع على مدوّنة نينار في المستقبل.

* * *

الفلسفات المادية كان ولا يزال لها وقع كبير على وعينا الجماعي كبشر؛ استطاعت تحويل علاقتنا بكل شيء من حولنا إلى علاقة ربح وخسارة، علاقة هيمنة وخضوع وإفادة واستفادة؛ هشّمت علاقتنا بكل شيء لأنها جرّدتها من كل المشاعر والقيم الإنسانية التي لا يمكن إيداعها في البنوك وصرفها ببطاقات الائتمان.

الفلسفة المادّية قالت لنا أن تطلّعنا نحو الأرض بحثاً عن الحبّ هو سخافة، وأن تطلّعنا نحو السماء بحثاً عن الحكمة هو خرافة. قالت أن تطلّعنا إلى داخلنا للبحث عن حقيقة هو مضيعة للوقت، وأن تطلّعنا نحو جيوبنا، نحو أحزابنا وقادتنا وأيقوناتنا وشاشاتنا الباردة هو كلّ الإفادة… الأمر الوحيد الذي أضعناه في كلّ ذلك كان ذاتنا وفطرتنا وحكمتنا وحقيقتنا الأولى…

9 comments

  1. قارىء نهم · مايو 25, 2011

    مرحبا أدون
    انا اتابع مدونتك منذ فترة طويلة جدا، من سلسلة انتصار المجدلية لليوم، وتفاجئني في كل مرة في قدرتك على التفوق على نفسك والخروج دوما بفكرة اعمق من التي سبقتها. أكثر من مرة أقول اني قرأت اليوم المقال الأفضل لأدون حتى الآن لكن في الأسبوع التالي أفاجأ بأنك تخرج بمقال أروع منه.
    بما اني اتابع المدونة من البدء يمكنني ملاحظة التطور سواء في الأفكار أو في الأسلوب، وأستطيع القول ان هذه السلسلة مختلفة قليلا عما سبقها، لا فقط في مستوى نضج الأفكار، بل أيضاً في المضمون من حيث أن مقاربتها لا تنضوي ضمن النظرة اللادينية السابقة التي كانت واضحة بكتاباتك، وهذا تطور في الحقيقة مفرح وبرأيي هو تطور نحو الأمام لأنه يقدم نظرة لم نعهدها من قبل، وأقول لك من دون مديح اني في معظم قراءاتي لم أقع على مقاربتك الفريدة في هذه السلسلة واني أقرأها اليوم كأني كنت انتظر هكذا كلام منذ سنوات.
    أعلم ان كلماتك في هذه السلسلة تخاطر بمواجهة جزء لا بأس به من قرائك اللذين لاحظت سابقاً ان جزء كبير منهم لادينييون وملحدون وربما “ماديون” بالمعنى الفلسفي للكلمة، لكن احترمت كثيرا انك مستعد لتخاطر بذلك في سبيل قول قناعتك.
    اعذرني على الإطالة لكني سعيد جدا بكتاباتك الأخيرة واتمنى ان تتفضل بقبول الرأي المتواضع لمتابع نهم لمدونتك
    دمت بخير

    • Adon · مايو 27, 2011

      شكراً عزيزي، لا أعلم ماذا يمكن أن أضيف على كلامك غير الشكر والتمني بالمتابعة والإضافة دائماً : )
      تحياتي

  2. عبير · مايو 25, 2011

    كتير كتير منيح المقال طوني!
    عندك قدرة دايما تشوف الصورة بشكل أوسع من كيف اغلب الناس بيشوفوها، بعرفش كيف بس بحسك بتتطلع عالعالم من فوق، وبتشوف كلشي. يمكن لولا هاي القدرة ما كنتش كتبت هاي السلسلة من الأساس، بس بهادا المقال، انا حسيت حالي حصلت ع جواب لسؤال كتير ضيّعني، عن جد شكرا، عالجواب أوّلا، وع متعة متابعة السلسلة تانيا، واذا بدك بيصيرو تالتا :p تالتا إنو لما تخلص السلسلة، تحفظها ع شكل كتيّب عالنت، مشان تنقرا كوحدة واحدة، ومشان طبعا أستغلّها وأحطها عندي بالمدوّنة😀
    خلّي العالم تستفيد!

    ضلّ بخير طنطون ..

    • Adon · مايو 27, 2011

      شكراً عبير مقدّم : )
      انبسطت انه قدر يجاوبك على أسئلة كانت عندك، بتوقع كان عندي نفس الاسئلة حتى كتبتها من الأساس.

      وأكيد رح أعملها كتيب دغري بعد آخر جزء، بعد فيه 5 أو 6 أجزاء بس، قرّبت :p
      سلام

  3. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  4. تنبيه: “سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض” « نينار
  5. Wael Abou Assaf · مارس 3, 2012

    رائع
    الله يعطيك العافية
    أنا أعتذر , ففي وقتٍ سابق أخذت مقطع من المدونة , و وضعتها على صفحتي facebook , و لكن أرفقتها بكلمة : منقول (مدونة نينار) , كانت بعنوان: رحلة الألفيتين الأخيرتين …. من شجرة الحياة, إلى سحابة الفطر.

    فهل ذلك مسموح ؟؟

    • Tony Saghbiny · مارس 4, 2012

      طبعاً صديقي طالما مصدر النصّ مذكور🙂

  6. Wael Abou Assaf · مارس 4, 2012

    الله يقويكن

التعليقات مغلقة.