فلنتذكّر جرحنا الأوّل…

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء التاسع: نفي المقدّس من العالم، فلنتذكّر هذا الجرح

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

بغضّ النظر عمّا يمكن إيجاده من أسباب سوسيولوجية وتاريخية لنشوء وهيمنة الأيدولوجيتان التوحيدية والمادية خلال الألفيتين الأخيرتين، تبقى النتيجة واحدة: فيما يتعلّق برؤيتنا وعلاقتنا مع المقدّس، كان وقع هاتين الفلسفتين مدمّراً. إن جملة “لا إله إلّا الله” هي خير اختصار للمعتقد التوحيدي الإبراهيمي، لكنها أيضاً خير اختصار لجوهر فلسفة تبدأ جملتها الأعظم بحرف النفي “لا”، معلنة بذلك، منذ اللحظة الأولى، عزمها، لا على الإغلاق على المقدّس ضمن رؤيتها الضيّقة فحسب، بل أيضاً على شنّ حرب على أي رؤية ثيولوجية مختلفة عن رؤيتها. وهذا ما فعلته منذ ألفي عام حتى اليوم.

ألفي عام من الحصار الذي فرضته جلابيب الإله الواحد وبذلات السوق الواحد كانت كافية لتهشيم علاقتنا بالمقدّس ومعه تصفية لحميميّة علاقتنا بأنفسنا وبالوجود. خلال هاتين الألفيتين، انتقلت العلاقة مع المقدّس من علاقة إيجابية وتجريبيّة وحسّية ومتعدّدة إلى علاقة خوف وطاعة وانتفاع ولون واحد. ضرب علاقتنا مع المقدّس ونفيه من العالم، ليس مجرّد نقاش فلسفي أو هزيمة أيدولوجية لفكر مقابل آخر، بل هي هزيمة لوعي إنساني تاريخي وأسلوب حياة كامل أثّرت بشكل مباشر على كيفية تعاملنا مع ذاتنا، مع بعضنا البعض، مع حضارتنا الإنسانية نفسها ومع الكوكب الذي أتاح لنا وجودنا.

اليوم، الكثير من العقول المستنيرة ترفض الاعتراف بوجود المقدّس لأنها تعتقد أن العلاقة الروحية مع العوالم المرئية وغير المرئية تأتي فقط على شكل تلك التي أقامتها الأديان الإبراهيمية خلال القرون الماضية.  ارتباط كلمة “المقدّس” بجروح تاريخية مثل الحروب الدينية، الاضطهاد، معاداة الفلسفة والعلم والفنّ والجسد والأنثى والعقلانية، توهمنا خطأ بأن كل ما يتعلّق بالمقدّس يستجلب حكماً كل هذه الأمور. لكن فلنقولها بصراحة، إن ما اعتقدناه علاقة مع المقدّس في ظلّ هيمنة الأيدولوجيا الإبراهيمية كان تدميراً للمقدّس، كان تهشيماً له، كان تحجيماً وعمليّة قتل عن سابق إصرار وتصميم وأكبر إهانة وُجّهت لعلاقتنا مع المقدّس في التاريخ.

المقدّس، مهما كان تعريفنا له، هو أعظم بكثير من تجارب بائسة في التاريخ. المقدّس هي أنتِ وأنا وكل موجود وهي اللغز الذي يحرّك كل الوجود. هي دفء شمس الصباح وهي غموض الليل والهمسة العابرة مع الرياح. هي ذاك اللحن الشجي والترنيمة التي تُتلى من دون كلمات، فهي الصمت وهي صوته. هي قلب هذا الوجود ونوره وعقله الأسمى. هي السبب الأوّل، وهي النتيجة. هي المُراقب الهامس الذي لا حدّ له أو بداية أو نهاية،. المقدّس هي كلّ هذا ولا شيء منه، هي كلّ شيء ولا شيء بذاته، هي في كل شيء وكل شيء منها، هي المعلوم أمام ناظرنا والمجهول الذي لا ندركه بحواسنا، هي الواحد وهي الكلّ… هي أشياء كثيرة لا تحتكرها صفحات كتاب ولا أفكار بشر… هي كل ما نعرف أن نعبّر عنه وهي ما لا نجد كلمات أو صورة لوصفها… هي كل هذا وأكثر… فكيف لنا أن ننفيها من ذاتنا وهي ذاتنا؟ كيف لنا أن ننفيها من هذا العالم وهي جسد هذا العالم وروحه؟

“نفي المقدّس من العالم”، فلنتذكّر اسم جرحنا الأوّل…

5 comments

  1. عبير · مايو 27, 2011

    “المقدّس … هي اللغز الذي يحرّك كل الوجود .. هي كل شيء ولا شيء بذاته … هي المُراقِب الهامس الذي لا حدّ له أو بداية أو نهاية … فكيف لنا أن ننفيها من ذاتنا وهي ذاتنا؟”

    و”هي” لا تعتب ولا تغضب، بل تنتظرنا دائما لإنها تدرك مدى حاجتنا إليها، وتدرك كم أنها حقيقتنا الأزلية، التي إليها لا بدّ أن نعود، مهما ابتعدنا أو أبعدتنا الجروح.

    • Adon · مايو 30, 2011

      إضافة جميل عبّور : )

  2. القارىء النهم بذاته · مايو 27, 2011

    رائع، من أفضل ما قرأت في تعريف ماهية المقدّس!

    • Adon · مايو 30, 2011

      شكراً صديقي : )

  3. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار

التعليقات مغلقة.