“سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض”

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء العاشر: الجرح الثاني، “سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض”

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

...

من قراءة الحلقات السابقة يمكن الاستنتاج بوضوح أننا نعتبر أن تدمير علاقتنا بالمقدّس، عبر الطرد والنفي والتقنين والنبوّة وفكرة الشرّ المطلق، لم يفسد علاقتنا مع السماء فحسب، بل مع الأرض أيضاً. اعتبار الأرض مجرّد خادم مسخّر لرغباتنا، هو نقطة التقاء أخرى بين الفلسفات الإبراهيمية وتلك المادّية، وهو جرحنا الثاني. فلنتحدّث عن ذلك.

تمثّل قصّة الخلق إحدى أهم ركائز الأديان الابراهيمية، فهي تحدّد هوية الخالق والمخلوق وكيفية نشأة الكون وما هو الهدف من الوجود، كما أنها تخبر الإنسان ما ترى أنه يجب عليه أن يفعله في الحياة لكي ينال رضا الإله والحياة الأبدية. قصّة الخلق تختصر أيضاً اعتقاد الأديان الابراهيمية بأن الإنسان هو محور الكون ومركزه؛ قناعة كانت بحقّ الجرح الثاني على جبين البشرية.

قصّة الخلق اليهودية والمسيحية والإسلامية، تزعم أن كلّ الطبيعة والمخلوقات الأخرى الموجودة حولنا، إنما هي موجودة فقط بهدف أن نستغلّها ونسخّرها لنا. يقول الله في سفر التكوين التوارتي (26-30):

“نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلّطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الارض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الارض. فخلق الله الانسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وانثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الارض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الارض . وقال الله إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزراً على وجه كل الارض وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزراً، لكم يكون طعاماً. ولكل حيوانات الأرض وكل طيور السماء وكل دبابة على الارض فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضر طعاماً. وكان كذلك”.

في الفلسفة الإبراهيمية، الله المتسلّط على الكون والإنسان خلق الإنسان على صورته، متسلّطاً على الأرض، على إخوته البشر وعلى بقية الحيوانات. بعد خلق الإنسان يذهب الله خطوة أبعد بعد ويقول له أن مهمّته هي إخضاع الأرض والمخلوقات له، بل يقول له أنه يمتلك الأرض وما عليها ولا ينازعه في ذلك أحد. الإسلام يذهب خطوة أبعد من ذلك أيضاً، فيقول للإنسان أنه حتى النجوم والكواكب نفسها مُسخّرة لرضاه ولم تُخلق سوى لتكون زينة لسمائه. يقول الله في القرآن:

”الله الذى خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار، وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخّر لكم الليل والنهار” (سورة إبراهيم، الآيتان: 23-24)·

أيضاً يقول:

“ألم تروا أن الله سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض” (سورة لقمــــان: 20). وأيضاً: “ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير ممن خلقنا نفضيلا” (سورة الاسراء: 70)، وأيضاً “وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون” (سورة النحل: 12).

جعلت الفلسفة التوحيدية الإنسان محطّ التركيز الوحيد لديها، فهو الشغل الشاغل لله وهو المخلوق الواعي الوحيد في هذا الكون (بالنسبة لها)، وكل الباقي هم مجرّد خدم للإنسان، سواء أكانوا شجرة أو نبتة أو حيوان آخر، تماماً كما أن الإنسان هو مجرّد خادم لله، مشكّلة بذلك تراتبية كونيّة قائمة على الإخضاع والخضوع فقط.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الأديان السماوية، بعكس الأديان الطبيعية القديمة، لا تعترف في نصوصها التيولوجية بوجود روح في الحيوانات، بعكس الاعتقاد الشائع لدى أتباعها. كما إنها تنفي بطبيعة الحال وجود روح أو قدسيّة في النباتات أيضاً. لهذا السبب وجد دعاة النباتيّة في أوروبا في عصور التنوير مثلاً مشقّة كبيرة في إقناع مواطنيهم بقضيّتهم إذ كانت السلطات الكنسيّة تنظر إليهم بعين الريبة، بل اتهمتهم أحياناً بأنهم وثنيّون. هذا ولا زلنا نتحدّث عن الحيوانات، فكيف الأمر إن كنّا نقول عن أنه هنالك روح وبذرة من المقدّس في الشجر وفي كل الموجودات. الدين الإسلامي يمتلك التعبير الأشهر والأكثف أيدولوجياً لوصف هذا الطرح: “شِرك”. من يعتبر أن المقدّس موجود في أمر آخر غير الله هو مُشرك، وبحسب آيات تقول “اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم” (سورة التوبة، الآية 5)، قد لا يكون من الحكيم أن تقولوا ذلك. أسألوا الحلّاج، لكن هذا موضوع آخر.

ما يهمّنا كخلاصة لهذه الحلقة هو القول بأن العلاقة الهرميّة بين الإنسان والأرض وبقيّة المخلوقات، في الفلسفة الإبراهيمية، ليست مجرّد تفسير أو اجتهاد يمكن تخطّيه، بل هي من صلب هذه الفلسفة. لكن يجب الإنتباه أيضاً، إلى أن هذه الفلسفة هي بدورها تعبير عن نظرة إنسانية سابقة عليها تعتبر أن الإنسان هو مخلوق “أسمى” له الحق بالهيمنة على الأرض من دون التوقّف أي لحظة للتفكير في عواقب ذلك. الفلسفة الإبراهيمية أتت لتعبّر عن هذه الرغبة ووضعتها في سياق ديني – أسطوري، موهمة الإنسان بأن له حقّ إلهي ما بالتسلّط على هذه الأرض. تجميد هذه النظرة الهرمية في فلسفة دينية تعتبر نفسها خارج المكان والزمان، تضعها في مواجهة مباشرة مع أي نظرة إيكولوجية حديثة تهدف لمصالحتنا مع هذه الأرض وإعادة علاقتنا معها إلى علاقة متوازنة تقوم على الاحترام لا على الاستغلال. “سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض” هو اللمحة الأولى من جرحنا الكبير مع أرضنا، نتحدّث عنه أكثر في الحلقتين التاليتين.

6 comments

  1. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  2. Sahar · مايو 30, 2011

    Very nice Adon, but i’m surprised that christianity and Islam say animals have no souls, i grew up my whole life believing otherwise

    • Adon · يونيو 1, 2011

      Thank you Sahar, it surprised me as well
      i asked many people about this including clergy and no one ever had a convincing answer
      Salam

      • Ana · يناير 30, 2013

        Non of them said animals or plants with no souls u can look into both books urself

  3. waleed · فبراير 17, 2012

    ليست هيمنة من الإنسان على سائر الكائنات الحية الأخرى .. الإنسان يملك القدرات العقلية والجسمية التي تؤهله للحفاظ على الحياة عن باقي الكائنات الحية الأخرى ..

    وبذلك الإنسان مسخرة له الكائنات الحية ليستفيد منها طعاماً ودواءً وملبساً وغير ذلك .. كما أن بإمكانه بنفس الوقت أن يحافظ على تكاثرها موجداً بذلك التوازن بالحياة التي يكفل للحياة الاستمرار .. واليوم نشاهد المحميات التي تحافظ على الكائنات الحية .. والاهتمام من الجمعيات للحفاظ عليها ..

    هذا هو المفهوم لمعنى تسخير السماوات والأرض للإنسان .. وهذا لم يأتي بمحض الصدفة .. إن التنظيم الحادث في كيفية نشأة الكون، وكيفية تصميم الأرض، وإيجاد الكائنات الحية على الأرض، والإنسان السيد الحاكم عليها، أعظم دليل على أن لهذا الوجود خالق هو الله الذي لا إله إلا هو ..

  4. جميل عودة · أغسطس 14, 2012

    المرجو الانتباه للخطأ الفظيع في الاية حيث حذفت حرف الألف السابقة للواو في كلمة السماوات

التعليقات مغلقة.