أنحن أبناء الأرض أم أسيادها؟

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الحادي عشر: أنحن أبناء الأرض أم أسيادها؟

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

"سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض"، أليس كذلك؟

الفلسفات الإبراهيمية والمادّية تمتلك رؤى متشابهة تجاه الأرض والمخلوقات الأخرى؛ رؤى تعتبر أن قيمة الأرض، وقيمة أي شيء أو كائن في العالم، تُقاس بمدى نفعها للإنسان. حتى إن الدعوات للاهتمام بالبيئة المستوحاة من هاتين الفلسفتين تقوم في معظم الأحيان على الدعوة للاهتمام بالبيئة من أجل الحفاظ على المستوى المعيشي للإنسان لا من أجل الحفاظ على البيئة بذاتها. لهذا السبب، من المألوف في الوسط البيئي العالمي أن نسمع الكثير من الكلام عن ضرورة ترشيد استهلاك المياه مثلاً من دون أن نسمع كلمة واحدة عن خطورة انقراض أنواع حيّة أخرى أو عن خطورة إزالة غابة في منطقة نائية ما، إلا إذا كانت هذه الغابة مكان سكن لبشر.

جوهر الأخلاق الإبراهيمية والمادّية من هذه الناحية يقوم على فكرة “النفع” أو “القيمة”؛ قيمة الأرض والمخلوقات الأخرى نابعة فقط من قابليتها للاستغلال البشري، وهذا عكس الفلسفة الإيكولوجية الجذرية التي تقول بأن الأرض والمخلوقات الأخرى لها قيمة بحد ذاتها بغض النظر عن علاقتها مع الإنسان أو قابليتها للاستغلال.

حين ندرس الفلسفة الثيولوجية الإبراهيمية، نجد أنه لا يوجد مكان للطبيعة ولبقيّة المخلوقات في خريطة المقدّس لديها، وبالتالي لا يوجد مكان لهذه الأمور في الأخلاق والتشريعات الدينية الإبراهيمية إلا لماماً. الاهتمام الهامشي بهذه المسائل يرتكز فقط على النفع الاقتصادي المتأتي من الطبيعة أو من الحيوان لا أكثر.

في الإناجيل المُعتمدة من قبل الكنيسة الكاثوليكية مثلاً، لا يوجد أي دعوة للاهتمام بالطبيعة أو ببقيّة المخلوقات. ومن المرّات القليلة التي يُذكر فيها الشجر في الأناجيل هي في قصّة قيام يسوع الناصري بلعن شجرة تين لأنه أتى إليها جائعاً ولم يكن فيها ثمر، فقال لها :”لها لا يكون منك ثمر بعد الى الابد. فيبست التينة في الحال”. (متى 21 : 18 – 20) (مرقس 11: 12 – 14 و 20 – 24).

وفي القرآن، يوجد العديد من الآيات التي تحوي كلمات مثل “حُرّم عليكم” و”قاتلوا” و”جهنّم” و”الكافرين” فيما لا يوجد أي آية صريحة تتحدّث عن ضرورة احترام الطبيعة. بعض الآيات القليلة فيها ذكر مبهم لـ”الإفساد في الأرض” الذي يأتي في سياق سياسي-اجتماعي-ديني لا سياق بيئي، لكن يرتكز عليها بعض الدعاة الإسلاميين للقول أنه هنالك نظرة بيئية في الإسلام.

في الواقع، وبالمقارنة مع المسيحية واليهوديّة، أتى الإسلام بنظرة أكثر تقدمّية نوعاً ما تجاه البيئة، خاصة أنه خرج من بيئة صحراوية تندر فيها الحيوانات والشجر حيث أن الحفاظ على هبات الطبيعة القليلة هناك هو ضرورة للحياة نفسها. وهنالك بالتالي بعض الأحاديث المنسوبة للنبي التي توصي بعدم قطع الأشجار (إلا إن كانت تحول بين المسلمين والمشركين طبعاً) وبالرفق بالحيوانات الأليفة كالهرر (رغم أن الرسول اعتبر أن الكلاب نجسة)، والرفق بالحيوانات التي يُأكل لحمها. لكن جوهر الفلسفة الدينية الإسلامية كما نلاحظ يبقى ضمن إطار مركزيّة الاستغلال البشري لها، أي قائم على علاقة تسخير للطبيعة في خدمة الإنسان. وهذا واضح في معظم الأحاديث ومنها تلك التي يرتكز عليها “البيئيون الإسلاميون” مثل حديث “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل”. (البخاري 475-79) وحديث “من أحيا أرضاً ميتة فهي له”.

* * *

ملح هذه الأرض، ملح هذه الأرض...

بالارتكاز على نفس الطريقة، اعتمدت الفلسفة المادّية المقاربة ذاتها تجاه الأرض والمخلوقات الأخرى، جاعلة الإنسان وحده مركزاً للكون ورأساً له. “الحقوق” في الفلسفات المادية المختلفة، هي فقط للإنسان، أما الأرض وبقية المخلوقات فلا حقوق لها. لم تستطع الفلسفة المادّية ان ترى الأرض كأكثر من “صخرة” متاحة للاستغلال إلى ما لانهاية.

في ظلّ الفلسفة الماديّة، ليس هنالك من فارق بين اليمين واليسار: فيما يعتبر اليمين أن السوق الحرّ كافٍ لتوزيع الثروات، يرى اليسار أن الحلّ يكمن في التوزيع العادل للثروات وأدوات الانتاج عبر الدولة أو جهاز آخر، لكن كلا التيارين ليس لديهما أي موقف حقيقي أو بيئي من اقتصاد النموّ بحدّ ذاته. والنموّ الاقتصادي والسكّاني اللانهائي في كوكب محدود الحجم، كما يعلم الآن أي طفل تجاوز صفّ الحضانة، هو أمر مستحيل.

حتى الحركة البيئية التي أتت كردّ فعل على رأسمالية الاستهلاك أتت بنفس نمط التفكير. خطاب الحركات البيئية التقليدية يدعو للاهتمام بالأرض، لا رفقاً بالمخلوقات الأخرى أو احتراماً للأرض نفسها ولقدسيّتها كمنزل للجميع، بل من أجل الحفاظ على استدامة الاستغلال الاقتصادي وعلى مستوى المعيشة.

بعد ألفي وخمسمئة عام على ولادة الأديان الإبراهيمية، ومئتين وخمسين عام تقريباً على بداية الثورة الصناعية، تكاثرنا وملأنا الأرض وتسلّطنا على البرّ والبحر والجوّ والمخلوقات الأخرى كأننا ننفّذ حرفياً وصية يهوه- الله في قصّة الخلق التوراتية. كل الدعوات التي أُطلقت حتى الآن للحدّ من النموّ الجنوني والهوس الاستهلاكي لم تنفع، رغم أن الأرض تكاد تتحوّل إلى قطعة خردة كبرى عائمة في الفضاء. لقد دمّرنا الأرض لدرجة أنه لم يعد ينفع معها أن ندعو فقط للاهتمام بالطبيعة، أو لتغيير عاداتنا الاستهلاكية؛ بات من الضروري أن نحفر عميقاً في وعينا الجماعي لنستكشف مكمن الخلل الذي قادنا لارتكاب هذه الجريمة من الأساس. ومكمن الخلل هذا، برأينا المتواضع، هو أننا في المكان الأعمق فينا، نمّينا قناعة تقول أننا رأس هذا الكون ومركزه، رأس هذه الأرض ومركزها. ونحن في الواقع… لسنا سوى أبناء لها، أبناء الأرض، لا أسيادها.

5 comments

  1. التنبيهات: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  2. antoine daher · يونيو 1, 2011

    موافق معك بالطبع.لقد ناقشنا مراراً هذا الموضوع. لكن طرح البيئة في مواجهة الاديان لا يأتينا حالياً، نحن البئيين، الا بالخسارة.

    • Adon · يونيو 2, 2011

      مرحبا أنطوان وأهلا فيك على هالصفحات المتواضعة هون،
      موافق معك، انه كاستراتيجية عمل، لا يجب وضع الأديان في مواجهة البيئة، وهيدا مش المقصود من المقال.
      ولكن بمكان ما، بناء حضارة إنسانية جديدة تتعلم احترام وتعزيز التوازن الإيكولوجي الطبيعي يستوجب إعادة النظر بكثير من الأمور، وتخطّي الكثير من الأمور، ومن ضمن الأمور التي يجب تخطّيها وتجاوزها هي الذهنية الدينية التي تقول أن الإنسان له حق إلهي ما باستغلال هذه الأرض. لازم نكون صريحين كبيئيين بالقول ان هذه الذهنية، المتجذرة بشكل كتير عميق، حتى لدى الملحدين و”الماديين”، هي جزء من المشكلة.
      تحياتي

  3. غير معروف · يونيو 1, 2011

    الذين اذا قيل لهم لا تفسدوا قي الأرض قالوا انما نحن مصلحون
    ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يعلمون

    • Adon · يونيو 2, 2011

      شكراً على تعليقك ولو غير معرف : )

التعليقات مغلقة.