فلنتذكّر جرحنا الثاني

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الثاني عشر: اقتلاع جذورنا من التراب، فلنتذكّر جرحنا الثاني

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

حين نستهلك كل شيء، هكذا سيكون مستقبلنا...

حين وضعت الفلسفتين الإبراهيمية والمادية الإنسان على رأس الكون واعتبرت أن له حقّ إلهي أو طبيعي ما باستغلال الأرض والمخلوقات الأخرى من دون أي مراعاة على الإطلاق، نسفت علاقة الاحترام والعطاء المتبادل التي كانت تجمعه بالعالم الطبيعي من حوله وحرمت المخلوقات الأخرى في هذه الحياة من حيوانات ونباتات وأنظمة إيكولوجية، من حقّها بالحياة من دون أي تدمير واستغلال على يد أخاها الأكبر، وهو في هذه الحالة الإنسان نفسه.

إن نظرتنا للأرض والمخلوقات الأخرى تحدّد إلى حدّ بعيد طبيعة علاقتنا معها؛ حين نعتبر أن الإنسان هو المركز والرأس والفاعل فيما الطبيعة (وبقية المخلوقات) هي الخادم والطرف والمفعول به، فذلك يعني أنه هنالك نوع واحد من العلاقة فقط التي يمكن بناؤها بين الإثنين: علاقة الخادم بالسيّد، أو بعبارة أدقّ، علاقة استغلال – عبوديّة من طرف واحد. حين وضعنا الإنسان في مركز الكون، أوهمناه أنّه ليس جزء من الطبيعة بل سلطة عليها، ما أنتج في نهاية المطاف حضارة تقتات على التدمير المباشر للأرض من دون وازع روحي أو أخلاقي أو منطقي أو قانوني ومن دون أي تأنيب للضمير. حين جعلنا أنفسنا محوراً للكون، نميّنا داخلنا غرور شغلنا بمشاكلنا الصغيرة لدرجة أننا لم نعد نلاحظ ما نفعله من جرائم بحق هذه الأرض ومخلوقاتها، ناهيك عمّا نفعله بحقّ بعضنا البعض. حين فصلنا الإنسان عن الطبيعة وحوّلنا دوره من راعِ وحارس للأرض إلى متسلّط ومهيمن عليها، بنينا منه فصيلة طغيان على الكوكب، طغيان لا يوفّر تسلّط الإنسان على أخيه لأن الطغيان بطبيعته لا يعرف حدود.

لهذا السبب وصفنا المركزيّة المستجدّة للإنسان على الطبيعة بأنها الجرح الثاني في الوعي البشري؛ فهي نقلتنا من إنسان كان، بطريقة فطرية وحتى غير واعية أحياناً، يعيش بتناغم مع الطبيعة لمئات آلاف السنين، إلى إنسان يستغلّ ويدمّر بكامل وعيه منزله الوحيد في هذا الكون. إنسان اليوم، الذي يعتبر نفسه الإنسان الأكثر معرفة وتقدّماً ووعياً في التاريخ، هو الإنسان الوحيد الذي يكاد يفني نفسه بنفسه والذي تهدّد أفعاله بإفناء كل الكوكب معه.

إن مركزية الإنسان في الفكر السائد اليوم، وما يرافقها من تغذية هائلة لغرور في غير محلّه، تمنعنا عن رؤية الصورة الكبرى المتمثّلة في أننا لسنا سوى كائن واحد من أصل مليارات الكائنات الأخرى التي لها الحقّ بالحياة مثلنا على هذه الأرض. الأرض وخيراتها ليس منّة منّا كما نكاد نعتقد أحياناً، بل إن وجودنا بحد ذاته هو منّة ونعمة من الأرض لنا.  هديّة الحياة التي وهبتنا إياها أمّنا الأرض يجب معاملتها كأي هدية جميلة أخرى: بامتنان ورفق واحترام ودهشة ومحبّة، من دون التفريط بها.

حين فصلنا أنفسنا عن الطبيعة واعتبرنا نفسنا أسمى منها وُلد فينا جرح عظيم، جرح انفصال الجنين عن رحم أمّه، وجرح الإبن الضال الذي ينكر والديه حين يكبر. بالطريقة نفسها التي اقتلعنا فيها أنفسنا من السماء، اقتلعنا أيضاً جذورنا من التراب ثم انقضّينا عليه لنستخرج منه ما اعتقدناه أنه ثروة؛ تارة أردنا معادنه وذهبه المدفون وتارة أردنا نفطه وتارة أخذنا التراب نفسه… لكننا في هذا البحث المحموم خسرنا ما هو في الواقع ثروتنا الحقيقية والوحيدة: حبل صرّتنا مع الأرض التي تغذّينا وتعطينا إنسانيتنا نفسها. هذا هو جرحنا الثاني. فلنتذكّره جيداً…

6 comments

  1. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  2. C.Lina · يونيو 3, 2011

    على الصعيد لشخصي، تأخرت لوصلت لهالقناعة، بس على الأقل وصلت في وقت ما..
    غرور الإنسان كارثة حلّت على الطبيعة التي انتخبته، قد تصل بالكوكب في النهاية إلى لفضه.

    • Adon · يونيو 7, 2011

      كنت عم تقوليلي ان الإنسان هو المشكلة اللي حلّت، وهوي بمطرح معيّن فعلاً هيك.
      كل اللي عم تجرّب هالسلسلة تعمله، انها تفكّك الإنسان-المشكلة لحتى تجرّب تقدّم رؤية لإنسان-مش مشكلة.

  3. عبير · يونيو 3, 2011

    حزينة كتير الصورة اللي بقيت ببالي وقت اللي خلّصت قراءة المقال. يمكن لإني رجعت تذكّرت كيف كان الكرمل بكانون الماضي، وتذكّرت كيف فشلنا ننقذ أكتر من 4000 شجرة بالجبل وما حدا زعل عليهن، شعب كامل من الشجر مات بسبب غباء الإنسان.

    متشوّقة أعرف شو رح تكتب بآخر هالسلسلة، ولو إني متوقّعة شويّة إشيا : ) ومتشوّقة أكتر أعرف بعد اكم سنة شو رح تكون نهايتنا …

    مرة بالصّف السابع طلبو منا بالمدرسة موضوع إنشا عن مستقبل البشر بعد شي مية سنة، ووقتها أنا وصفت الكوكب بلا ولا إشي من التكنولوجيا اللي منعرفها، ولا إشي بالمرّة، وبيرجع الإنسان للطبيعة، هيك النهاية بموضوعي كانت، وحاسة إنو بعدني مقتنعة فيها، بس يا ترى لما نرجع عن جد، كبشريّة، للطبيعة، شو رح يكون صار بالكوكب؟

    • Adon · يونيو 7, 2011

      عفكرة، كنت عم فكّر بحريق الكرمل انا وعم بكتب، وبالحرايق اللي صارت بلبنان سنة الماضية.

      ما حدا بيقدر يتوقّع المستقبل، بس اذا استهلكنا كل الموارد اللي بين ايدينا اليوم، تصوّرك عن المستقبل بالمدرسة رح يكون أقرب شي للواقع.
      سلامات عبّور

  4. omar · أغسطس 20, 2011

    امم امثالكم .

التعليقات مغلقة.