حرب على الذات: هل يحتاج الإنسان لخلاص وجنّة؟

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الثالث عشر

الجرح الثالث: حرب على الذات، هل يحتاج الإنسان لخلاص وجنّة؟

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

هذه الذات من ذاك الشعاع، فكيف نرفضها؟

عالم الثنائيات المتصارعة الذي رسّخته الفلسفات الإبراهيمية انعكس صراعاً داخل الذات الإنسانية نفسها إذ خلق فيها وهم رؤية الأمور في ثنائيات الحلال والحرام، الخير والشرّ، الغريزة والعقل، الجسد والروح، الإنسان والحيوان، التوحيد والشرك…ألخ. هذه الثنائيات المطلقة تؤدّي بشكل طبيعي إلى رفض الأجزاء التي نعتقدها “شريرة” في الذات البشرية والتمسّك بتلك التي نعتبرها “خيّرة”، وهذا أمر إيجابي من حيث المبدأ. لكن حين تشمل “الأجزاء الشرّيرة” أمور هي من صلب الذات البشرية، مثل الجسد، الجنس، العقل، المتعة، الفنّ، الروحانيّة، الغضب، الخوف والحبّ، تكون النتيجة الوحيدة هي رفض جزء أساسي من الذات إن لم نقل أنها إنكار للذات البشرية بأكملها.

الفلسفات الإبراهيمية السائدة، برأينا المتواضع، لا تدعو أتباعها إلى فهم الذات من أجل التغلّب على نواقصها (إلا لدى بعض الطوائف المتمرّدة فيها مثل الغنوصيين المسيحيين والصوفيين المسلمين)، بل هي تدعو وتشجّع الإنسان على شنّ حرب على ذاته بكل معنى الكلمة. الدعوة الحربية هذه ليست مجرّد زلّة فكرية أيضاً، بل هي من صلب العقيدة الإبراهيمية لسبب بسيط: الأديان السماوية تقوم في الجوهر على اعتبار الذات البشرية ناقصة، مشوّهة، وخطّاءة. إن علّة وجود الأديان الابراهيمية نفسها هي في فكرة الخلاص، خلاص الفرد من النار ومن الخطيئة والمعاصي التي ارتكبها خلال وجوده في جسد أرضي فانٍ. وعد “الخلاص” أو “الجنّة” من جهة، وإنكار الذات من جهة أخرى، هما وجهان لعملة واحدة لأن ما هو ناقص ومشوّه هو ما يحتاج لخلاص لا ما هو طبيعي أو كامل. بعض المذاهب المسيحية مثلاً تقوم بوضوح على مفهوم “الخطيئة الأصلية” التي تعتبر أن كل إنسان هو آثم من اللحظة التي يُولد فيها (حتى قبل أن يرتكب أي خطيئة فعليّة في حياته)، لأنها تؤمن أنه ورث خطيئة عصيان الله وسقوط آدم من الجنّة. وفي الإسلام، الهدف الوحيد للإنسان هو عبادة الله، بحسب الآية التي تقول “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، لأن كل الغاية في نهاية المطاف هي أن يظفر الإنسان بالجنّة – أن يحقّق خلاصه. والجوهر في الحالتان واحد، النفس البشرية خطّاءة وتحتاج لبعبع كبير حتى تنتظم.

العالمة والفيلسوفة هيباتيا الاسكندرانية التي اغتالتها الكنيسة في القرن الخامس ميلادي رافضة علمها وفلسفتها وروحانيتها الخاصة، وهي ثلاث خصائص-نتاجات طبيعية للذات البشرية.

وهنا، في هذا المكان بالذات، نحن نقف أمام جوهر الأديان الإبراهيمية: هي تقدّم نفسها، بأنبيائها وتعاليمها وكتبها ومحرّماتها، على أنها الجسر الذي يسمح للإنسان، الناقص جوهرياً، بأن ينتقل من الخطيئة إلى الخلاص. وهذا الجسر للأسف يمرّ عبر الحرب على الذات. قد يعترض أحدهم على هذه النقطة ليقول أن معظم الأيدولوجيات والعقائد في العالم قامت على وعد بتحسين حياة الإنسان أو بتحسين الإنسان نفسه، وبالتالي تدعو لمواجهة مع الذات بطريقة أو بأخرى، وهذا صحيح. لكن هنالك فرق شاسع بين أن نقول للإنسان أنه يمكن له أن يرتقي، أن يتحسّن، وبين أن نقول له أن جوهره ذاته، أن عمق وجوده، أن طبيعته نفسها هي خاطئة وناقصة.

هذا المفهوم المأزوم (النقص الجوهري للإنسان) يفتح الباب أيضاً على مشاكل أخرى لأن الوعد بالخلاص لا يقتصر على العالم الآخر بل يبدأ في الواقع من هذا العالم. الدين الإبراهيمي فيه نبرة تحاول إيهام كل مؤمن أنه وصي على “البشرية القاصرة” جاعلة من واجبه هداية “الآخرين” إلى طريق الحق وتعبيد الطريق ليوم الخلاص الأكبر – القيامة. وفي المحصّلة، سنجد أمامنا الوصفة المثلى لتزكية الصراع بين البشر وجعلهم أسرى مؤسّسات وسلطات وأشخاص آخرين يدّعون أنهم طريقهم الوحيد للخلاص، والتاريخ خير مثال على ذلك.

حين ندرس النتائج التاريخية لعقيدة إنكار الذات الإبراهيمية، سنجد صفحات مليئة بالقمع الديني النابع من رفض أمور جوهرية في الذات البشرية، وقد طاول هذا القمع الدين (المختلف) والروحانية الحرّة والجسد والعقل والعلاقات الجنسية والأنثى والعلم والفنّ والحريّة. تاريخ السلطة الدينية المسيحية في القرون الوسطى، كما تاريخ السلطة الإسلامية في قرون لاحقة، حافل بتدمير النتاج الفنّي (مثل تدمير المعابد القديمة وتحريم الفنون) وإحراق العلماء ونفي الفلاسفة والتنكيل بالمعلّمين الروحيين المتمرّدين على البلاط. وها هو نفس المنهج يعود اليوم، على شكل تيارات دينية متشدّدة، متوعداً بالويل والثبور وعظائم الأمور إن لم يعد المجتمع إلى عادته القديمة بإنكار ذاته؛ يدعون المرأة لإنكار جسدها وكرامتها وحريتها ويدعون الجميع لإنكار عقله كما يدعون أنفسهم لرفض كل تعبير روحي أو علمي أو فنّي يندرج ضمن إطار “الخطيئة”. لكن أي خلاص هذا الذي يرتكز على إقناع الإنسان بنقصه الجوهري، وأي نوع من الجنّة هي حين يكون الوصول إليها مرهون بمحاربة أكثر الأمور حميميّة وإنسانيّة فينا وفي الآخرين؟ “إنكار الذات”، مع كل ما يعنيه ذلك من نكبة، هو الجرح الثالث على جبيننا…

7 comments

  1. contrapolitica · يونيو 6, 2011

    very very well said, I am waiting to have a good chunk of time to read the whole series and give you detailed feedback. This is a very important endeavor, keep going.

    • Adon · يونيو 7, 2011

      Great!
      I’ll be awaiting your feedback🙂

  2. حسين رمّال · يونيو 6, 2011

    انطون، ألف عافية أول شي على هالمجهود الكبير يل عم تبذلو بهيدي السلسة الطيبة
    حاسس حالي شخصياً عم قصّر، يعني مش عم دوّن ملاحظاتي ومداخلاتي على كل جزء، ما رح تصدّقني يمكن إذا قلتلك إنو بتفق معك بكل شي عم تقولو ولا سيما بهيدا الجزء (كيف الأديان الإبراهيمية بشكل خاص بتشجّع على شن حروب على الذات …)
    بس رح تلاقيني بعدني علقان بمطرح (بتذكّر كلمة جاكي بتعليقها على الجزء السابق = الإنسان هو المشكلة) وهون هل الإنسان مشكلة بحد ذاتو هيك وهو يل عم يفتعل هالأشيا، رح قول لحد ما إيه ولكن كمان طالما وجوده / مجيئه ما كان بقراره بقى هون ما في ذنب…
    إنو مش عارف للحقيقة قديش بتتحمل الأديان مسؤولية الوضع يل وصلتلو البشرية والكوكب، لأن بشوف إنو الدين سيما وقت يتجلّى كمؤسسة (قواعد.. توصيات..طرق حياة..) هيدا كلّو نتاج بشري يعني المسؤولية بتوقع ع الإنسان، وشخصياً بشوف إنو في مطارح مفيدة وبطبيعة الحال مطارح كتير مهينة

    برجع بسأل: يل مقتنع بدينو ومش شايف فيه إهانة لذاتو بقى شو بنقدر نعمل؟
    وللأسف، بتبقى شغلات غامضة كتير بتتعلّق بماهية الذات البشرية (أصلها ودورها…) حبيت كتير وصفك للصور (الذات = هذا الشعاع) هائلة الذات البشرية شو محمّلة وشو بتتحمل

    رح اسكت هلّق، ورح افتح باب جديد على ضرورة إعادة صياغة الذات البشرية، شي مشروع كبير نقدر من خلالو نستجوب العلوم والميتافيزقيا معاً بمحاولة لطرح نظرية جديدة، صورة جديدة، صورة قابلة للفحص قدر الإمكان، صورة قادرة تقدّم شي طيّب للحاضر إذا ما قلنا للمستقبل

    ألف عافية مرة تانية صديقي
    تحياتي

    • Adon · يونيو 7, 2011

      مراحب حسّون،
      رح بلّش من سؤالك بالنسبة للمقتنع بالدين، وهون رح كرّر انه صدقاً، الهدف من كل كلمة هون هوي مش اقناع حدا بالتخلي عن أي دين، كل واحد لازم يعتنق اللي مقتنع فيه، هو مناقشة لفكر قاد المجتمع البشري لفترة طويلة وأثّر مباشرة على واقعنا اليوم.

      بالنسبة لإعادة صياغة الذات البشرية معك حق، يمكن انا متفاءل شخصياً، بس هيدا شي كتير سهل، لأن كل الإجابات موجودة بالذات لمن نسألها ونطّلع فيها.
      يعافيك صديقي ونتلاقى على البسكلة قريباً😀

      تحياتي

  3. تنبيه: كي لا يكون العلم دين آخر « نينار
  4. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  5. تنبيه: معرفة الذات، لا إنكارها « نينار

التعليقات مغلقة.