كي لا يكون العلم دين آخر

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الرابع عشر: كي لا يكون العلم دين آخر

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

قد يكون المستقبل على هذا الشكل...

استكمالاً للحديث عن الجرح مع الذات، نجد أن النظرة المادية في حقبتنا الحالية تجاهها ليست أفضل حالاً من نظيرتها الإبراهيمية. المنظور المادي للأمور في فترة ما بعد الحداثة تخطّى حتى الفلسفات الوجودية التقليدية، التي وإن كانت لا تعترف بالبعد الميتافيزيقي للإنسان إلا أنها كانت تمتلك رؤية عميقة للذات والوجود. لكن المنظور المادي السائد اليوم على جميع مستويات المجتمع لا يرى من الذات أبعد مما يمكن أن تراه العين؛ هو يقف عند حدود الشكل الخارجي لكل شيء. المنظور المادي السائد يحاول كل يوم أن يقنعنا، بطريقة أو بأخرى، بأننا ناقصين نقصاً جوهرياً ونحتاج لعمليات تجميل وتنحيف وماكياج وسمرة وسيارات لامعة وجيوب منتفخة وعلامة تجارية شهيرة على ثيابنا و1000 صديق(ة) على المواقع الاجتماعية لكي نكون على ما يرام. هذه النظرة تقوم في الجوهر، كما الفلسفات الإبراهيمية تماماً، على فكرة نقص الإنسان وضرورة خلاصه.

في الواقع، كل الاقتصاد المعاصر يقوم على إقناعنا بأننا ناقصون ونحتاج لشيء ما يكملنا؛ هذه الطريقة الأسهل ليقنعنا مدراء الشركات كل يوم بشراء أمور لا نحتاج فعلياً لها: عبر إيهامنا أنها تضيف شيئاً ما علينا. رفض الذات هو الهواية المفضّلة لحضارتنا المعاصرة، وكأن مجتمعنا يردّد مع بطل رواية نادي القتال لتشاك بالانشيهوك: “كان لدي كل شيء، ستيريو حديث، خزانة محترمة، كل شيء.  كنت احتاج بعد للصوفا المثالية لأصبح كاملاً”. أي نظرة سريعةعلى الغابة الإعلانية – الإعلامية التي نعيش فيها تظهر كم أن جوهر الثقافة المادية السائدة يقوم على الوعد بخلاص أو جنة ما؛ إن لم يكن الوعد وعد “خلاص” من الوزن الزائد (الخطيئة الأكبر بالمفهوم المادي المعاصر)، سيكون وعد الظفر بجنّة السيارة الرياضية، البيت المثالي، الجامعة الأفضل، العطلة الأمتع، التلفزيون الأكبر، وفي بعض الحالات الزوج والزوجة المثالية. ثقافتنا المعاصرة مهووسة بفكرة “ملاحقة” شيء ما بشكل محموم لدرجة أننا حوّلنا حاضرنا إلى جحيم من دون أن نربح المستقبل.

راي كورزويل

الإيمان بالنقص الجوهري للذات وضرورة خلاصها عبر الوسائل المادية والتكنولوجيا يبلغ ذروته مع طرح “الفرادة” Singularity للعالم الأميريكي رايموند كورزويل. يعبّر كورزويل، الذي أصبح رمزاً للحماس التكنولوجي المعاصر، عن زبدة الثقافة المادية السائدة بالقول في كتاب شهير له أن التكنولوجيا والتقدّم العلمي ستتيح للبشر خلال القرن الحالي التغلّب على نواقصهم البيولوجية و”ترقية” عقولهم وأجسادهم عبر مزج التكنولوجيا بالبيولوجيا. يتوقّع الكاتب الأميركي أنه خلال النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين ستتمكّن التكنولوجيا من خلال مزيج من علم الروبوتات، علم الجينات والذكاء الاصطناعي، من تحقيق الحياة الأبدية للبشر. تلك ستكون متاحة، وفقاً لكورزويل، عبر نقل العقول والذكريات الشخصية من الأجساد البيولوجية إلى أجساد الكترونية لا تفنى. عالم كورزويل المستقبلي لا يوجد فيه مرض أو موت أو ألم لأن التكنولوجيا كفيلة بحلّ كل تلك المصاعب. من المثير للانتباه في نظرية كورزويل، أنه يتوقّع أيضاً بروز مجموعات من البشر ترفض التحوّل إلى روبوتات، لكنه يستطرد أن مصيرها سيكون في أفضل الأحوال عيشها في “محميّات بيولوجية” صغيرة على هامش المجتمع الممكنن.

جنّة “الفرادة” التكنولوجية ليست غريبة عن الثقافة الماديّة المعاصرة، فهي ونظيرتها الإبراهيمية تنطلقان من المكان نفسه: نقص الإنسان. وتصلان بالتالي إلى الوعد نفسه: الخلاص والحياة الأبدية. لكن هل يمكن للذات البشرية أن تتصالح مع نفسها وتنطلق حرّة مبدعة إن كان كل ما يحرّكها هو كآبة رفض ذاتها وقلق خلاصها والخوف على مصيرها بعد حياتها الأرضيّة؟

8 comments

  1. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  2. narjissa · يونيو 8, 2011

    سعيدة صديقي
    كلّ جوء عم يكون ممتع وشيّق أكتر من اللي قبله
    أدون حرام هالسلسلة ماتنجمع بشي كتاب ..لأنّها فعلاً بتستحقّ القراءة ..تحيّاتي

    • Adon · يونيو 9, 2011

      شكراً نرجسة : )
      يبدو على الأرجح رح نجمعها بكتيّب ورقي صغير لحتى ينقرا بالباص😀
      تحياتي

      • Andalus · يونيو 9, 2011

        يا صديقي ليش ما بيتم جمع هذة السلسلة مع سلسلة Mona lisa veil و قبله دين الهيكل لتكون محاولة نقدية فلسفية للاديان و البشرية.
        يا صديقي يللي عم نقرا هون لا يقل أبدا” عن كتب الفلسفات الحديثة.

        • Adon · يونيو 13, 2011

          شكراً عزيزي، فكرة جيدة لهالتلات مواضيع، بس ساعتها بيصير بدها تنطر أكتر لأن لمن يكبر الكتاب بتزيد الكلفة علينا :s
          بس بتنعمل
          تحياتي أندلس

  3. agnostic · يونيو 9, 2011

    سلسلة شيقة تستحق القراءة اكثر من مرة…
    و بالنسبة للمدونة بشكل عام فقد وجدتها جيدة جدا …
    و على فكرة قصة نقل العقول الى الاجساد الالية التي لا تصدأ ذكرتني بavatarلما بيتم نقل” جيك سولي” تماما الى جسده الجديد عبر “أيوا”.
    دمت مبدعا.

    • Adon · يونيو 9, 2011

      شكراً Agnostic
      فكرة كورزويل تشبه فكرة أفاتار، لكن الاتجاه وجوهر الهدف من الفكرة مختلف تماماً.
      دمت بخير : )

  4. تنبيه: معرفة الذات، لا إنكارها « نينار

التعليقات مغلقة.