خطوة أولى في درب طويلة

...

* * *

سلسلة جروح كوزمولوجية

الجزء الأخير (السادس عشر): خطوة أولى في درب طويلة

(يمكن العودة إلى الفهرس لقراءة الأجزاء السابقة على هذا الرابط)

* * *

لقد ابتدأنا هذه السلسلة بعنوان يحمل الكثير من الطموح والأمل: “نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء”. على متن الصفحات السابقة، عرضنا ما اعتبرناه جروح كونية كبرى على جبين الوعي البشري، جروح ذرفنا بسببها ومن أجلها الكثير من الدماء والدموع.

في كل حلقة من السلسلة، حاولنا “تشخيص” كل جرح على حدة في محاولة لكشف الأسباب العميقة لكن الصامتة التي تقف خلف معظم مشاكلنا المعاصرة. قلنا أن جروح الإنسان هي ثالوث يقطر ألماً؛ جرح يعلو للسماء، آخر يغرز في الأرض، وثالث يحرق الذات الإنسانية نفسها.

السؤال الأساسي والطبيعي بعد كل هذا الحديث هو “إلى أين نتجه من هنا”؟

القارىء(ة) الذي يتوقّع في السطور التالية إجابة قصيرة ومبسّطة على هذا السؤال سوف يخيب أمله، لأن الإجابة الحقيقية ليست موجودة في هذه الخاتمة ولا في أيّ نصّ آخر. أولى حروف الإجابة ابتدأت في الواقع منذ السطر الأوّل في هذه السلسلة، وتدرّجت أبجديتها مع كل مقال لاحق فيها؛ حين يجمع القارىء(ة) هذه الحروف قد ينجح في تركيب كلمة-إجابة منها، لكن كل إجابة ستحمل على الأرجح إسماً مختلفاً.  هذه الإجابة، كما كل الإجابات الوجوديّة، لا تنبع من النصوص، بل هي في القلوب والعقول، تعيش في الروح صامتة داخل كل واحد(ة) منّا.

هذا لا يعني أن الإجابة على هذا السؤال هي شخصية فقط أو نسبيّة، فالإجابة الحقيقية، رغم أسمائها المختلفة، هي في الواقع واحدة. وهنا نتساءل مع القراء، هل يمكن للمجتمع البشري حالياً أن يخرج بإجابة بهذا الحجم وأن يدرك ويتجاوز جراحه لصالح بناء أسس جديدة للحضارة الإنسانية؟ ربّما، لا أحد يعلم. لكن ما نعلمه هو أن السؤال الصحيح يحمل نصف الإجابة بين طيّاته، وأن الأفراد الذين سيتكبّدون عناء البحث عن إجابة لهذا السؤال خلال السنوات المقبلة سيجدون أنفسهم يسلكون درباً طويلة وشاقّة لكن جميلة، وسيكتشفون أن الإجابات التي سيحوزونها ستضع على أكتافهم عبءً لا يستطيع حمله إلا من يحمل كلّ قوّة الكون في خفقات قلبه(ا)… الاضطلاع الناجح بالعبء المذكور قد يغيّر وجه التاريخ ويشقّ عباب فجر جديد للمجتمع البشري ولكل الأرض وكائناتها…

جراحنا ستلتئم، هذا هو مصيرنا. التغلّب عليها يُكمل فينا دائرة القدر…

خيوط الصبح تتسلّل، فهل نراها؟

9 comments

  1. عبير · يونيو 15, 2011

    رائع طوني! خاتمة منيحة كتير.
    السلسلة أغنتني أكتر ما بتتصوّر.
    تعطيك العافية : )
    شكرا إلك صديقي.

  2. تنبيه: جروح تركت ندباتها على جبين الإنسانية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء « نينار
  3. Fadi · يونيو 15, 2011

    This was a mind blowing series my friend, i was rereading it today and damn it’s the best thing i read in arabic in the last few years
    Thank you Adon

  4. القارىء النهم · يونيو 15, 2011

    لقد قرأت السلسلة اكثر من مرة وفي كل مرة أكتشف فكرة جديدة لم انتبه لها من قبل
    الآن بما أنها أصبحت كاملة أدعو الجميع لقراءتها أكثر من مرة أيضا
    من افضل ما قرأت منذ فترة طويلة يا أدون وهو افضل ما قرأته لك حتى الان رغم وجود فرق في الاسلوب بين مقال واخر في بعض المواضع
    تحياتي

  5. بلا وطن · يناير 18, 2012

    رائع

  6. Wael Abou Assaf · مارس 2, 2012

    في هذا الزمن الصعب
    من الجميل أن نقرأ………لنصل !!

    وفقكم الله جميعاً

    التحية للأخ أدون.

    • Tony Saghbiny · مارس 3, 2012

      شكراً جزيلاً وائل
      اقدّر رأيك صديقي : )
      تحياتي

  7. محمود · يوليو 26, 2012

    لقد قرأت هذه السلسلة عدة مرات واعجبتنى كتيرا وقد ساعدت فى تكوين نظرة جديدة لى وللوجود بشكل عام اهنئك على بحثك واعلم كم تعبت فى جمع هذا الكلام ولكن تعبك هو راحتك فلقد اقتربت من الحكمة الكاملة وساعدتنى فى الاقتراب منها انا ايضا لقد كنت مسلما فى بداية حياتى تم اتجهت نحو العلمانية المادية ولكن فى لحظة من لحظات حياتى انتابنى شعور غريب جعلنى افكر هل هذه حقا قيمة الحياة ؟ ومن بعد هذا السؤال تغيرت كل نظرتى للوجود وتركت العلمانية المادية لابحث عن نفسى وعن القيمة الحقيقة اتمنى ان تستمر فى مقالاتك وان لاتتوقف ابدا وتعتمد كتيرا على دعم الاخرين فهم لايستطيعون ترك سجونهم سواء اكانوا الدينيين التقليدين او الادينيين المادين فقد عبدو سجن اليقين المزيف ومن الصعب عليهم ان يتركوه

    • Tony Saghbiny · يوليو 27, 2012

      الشكر الجزيل لك محمود،
      مساري معتقداتي الشخصية يشابه مسارك، ومنه ولدت هذه السلسلة.
      لا يزال هنالك الكثير بعد من الأفكار في هذا المجال التي سيأتي وقت الحديث عنها مستقبلاً، والجميل فيها انها بدأت الآن تنمو نموّها الطبيعي وأراها تزهّر أيضاً في عقول وقلوب الكثيرين حولنا، فكلامك يعني لي كثيراً لأنه يعني أنه هنالك المزيد من الأمل
      دمت بخير!

التعليقات مغلقة.