عودة نينار

قليل من الشمس، من التمرّد والعشق والتأمل والجنون

تعود مدوّنة نينار بعد انقطاع طويل عن التدوين دام نحو ثمانية أشهر. الانقطاع فرضته ظروف شخصية وحاجة للصمت أمام الأحداث الهائلة التي شهدها العالم العربي في العام المنصرم.

خلال فترة الانقطاع، دار العالم أكثر من مرّة وامتلأ بالاضطرابات السياسية والاقتصادية من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. معظم العالم يعتقد اليوم أنه اقترب خطوة نحو عصر ذهبي ما؛ البعض يراه آتٍ مع نصل المهدي، والبعض يراه مقبل من وراء السحب، والبعض يراه فاتحة حريات وعلم وازدهار حيث تحلّ التكنولوجيا والعلم كل مشاكلنا. لكن الحقيقة هي أن العالم اقترب خطوة صغيرة نحو السقوط البطيء لحضارته الصناعية، الأمر الذي تحدّثنا عنه كثيراً في كتابنا “الأزمة الأخيرة“. ما هو مقبل علينا قد يكون فعلاً عصر ذهبي للإنسانية إذ أنه قد يتيح لنا التصالح مع ذاتنا وأرضنا وسمائنا، لكنه بالتأكيد لن يكون كما نتخيّله.

مدوّنة نينار انقطعت، لا لأني نفذت من الكلمات، بل لأني لم أرد للمدوّنة أن تضيف كلام على كلام في زمن نحمل فيه أنفاسنا في قبضاتنا ونصرخ بها “حريّة” بوجه الموت، في زمن ننتظر فيه نشرات الأخبار لتعلن لنا كل يوم خبر اعتقال صديق أو استشهاد حبيبة. نحن لسنا في زمن كلام. ويغرينا أن نقول أننا في زمن فعل. لكننا للأسف، لسنا في زمن الفعل أو المبادرة، نحن في زمن ردّة الفعل فقط…

نحن نعيش اليوم ردّة فعل على قرن من الطغيان، على قرنين من اقتصاد الطحن والتدمير، وعلى عشرون قرن من مصادرة العقول والإقفال على الأجساد وراء جلباب ابراهيم وذريته. قد نعتقد أن إسقاط المجانين المتمسّكين بكراسي الحكم كافً وحده لفجر جديد، لكنه للأسف غير كافٍ أبداً. هنالك أمور جميلة وكبيرة تولد في هذه اللحظة، لكن هنالك أمور أكبر تحتضر وتموت. المهم أن نعرف ما هي الأمور التي تحتضر وما هي الأمور التي تموت، وأن نعرف ما يستحقّ أن نقاتل من أجله لكي يعيش، أو أن نقاتله لكي يموت. بعض الأجوبة سهلة، سنقاتل الطاغية وندافع عن ولادة حرّية جديدة. لكن بعض الأجوبة هي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

المشهد هو أكبر بكثير مما يصوّره لنا الإعلام؛ المشهد الحقيقي هو أن حضارتنا الصناعية تحتضر، اقتصاد العالم كلّه يحتضر ومعه كل أنظمة الحكم في العالم ومعظم مؤسساته الدولية والسياسية والمالية والمعلوماتية، وكل ذلك يغذّي الاضطراب السياسي الذي نراه حولنا. نحن نعيش آخر أيّام روما، ولا نعرف إلى متى سيبقى نسر الإمبراطورية مرفوعاً؛ قد يستمر ذلك لعقد واحد أو لقرن كامل. لكن الأكيد خلال كل هذه الفوضى أن مراكز القوة الحالية في عالمنا ستقاتل لتبقى ولن تتردّد في سحق المزيد من الناس وتدمير المزيد من الأنظمة الإيكولوجية لكي تربح بضعة دقائق إضافية في حياة الامبراطورية. السؤال هو، كيف سنقاتل لكي لا ندعهم يدمّرون ما تبقّى لنا من أرض وكرامة وحرّية. والسؤال هو أيضاً، ماذا نريد أن ندفن وماذا نريد أن نحمل معنا إلى العالم الجديد الذي يطلّ بخجل وراء دخان الأحداث الحالية.

هذا هو السؤال المركزي لمدوّنة نينار في المرحلة المقبلة وسبب عودتها إلى عالم التدوين. والسؤال لا يهدف للترفيه الفكري بل لشقّ طريق العمل الحقيقي على أرض الواقع. أي بتعبير آخر، السؤال هو: ما العمل؟

هذا ما ستحاول مدوّنة نينار الإجابة عليه خلال الأشهر والسنوات المقبلة، لا لتضيف مواد جديدة على أرشيفها بل لتدعو كل من يقرأ سطورها إلى العمل الحقيقي والهادف، ولو كان غير اعتيادي بمقاييس المنطق السياسي والفكري السائد حالياً.

المدوّنة ستتضمّن النصوص الشخصية والصور الفوتوغرافية والهذيانات الفكرية الاعتيادية، لكن مشروعها الأساسي هو إيجاد أرضية خصبة للعمل.

“إلى العمل!”؛ هذا هو العنوان الحقيقي لمدوّنة نينار في المرحلة القادمة.

نراكم قريباً!

12 comments

  1. عبير · يناير 3, 2012

    هادا أحلى خبر سمعتو بالـ 2012😀
    أهلا بعودة نينار، كلّ عالم التدوين ناقص بدونها ..
    غير إني شخصيّا اشتقتلها أنا!
    عوافي أبو نينار😀

  2. contrapolitica · يناير 3, 2012

    Welcome Back:)

  3. JoeHammoura · يناير 3, 2012

    وعادت نينار🙂
    هللوا هللوا ….
    بإنتظار الهذيانات الجديدة.
    الى العمل!

  4. القط · يناير 3, 2012

    أهلا بالعودة طوني🙂
    نعم الآن وقت العمل. إلى العمل، إلى النضال، إلى صناعة عالم جديد بكلماتنا، بسواعدنا، بكل نشق حرية و هواء يدخل صدورنا.

    روما الجديدة في آخر أيامها. تحتضر ببطء و ستسقط بالوحشية ذاتها التي سقطت فيها روما الأولى.
    و لكن يا زميلي، و هنا موقع الضبابية على ضوء الأحداث الحالية… بعد سقوط روما و العالم القديم، دخل العالم في ألف سنة من القرون الوسطى و القمع الفكري و العلمي. هل هذا ما ينتظرنا من جديد؟ أو البشرية أصبحت أكثر وعيًا و أكثر “حضارة” من أجدادنا القدماء؟
    “ما العمل” لكي نضمن منع تكرار سيناريو قرون وسطى رجعية جديدة؟
    سؤال أضيفه إلى أسئلتك، لنحاول جميعًا النقاش و العمل على بناء مستقبلنا الجديد…

  5. Adon · يناير 3, 2012

    @ عبير
    ولك شكراً عبّور، صار مارق بس تلات ايام على ال 2012، بعد عندك أخبار أحلى بكتير لتسمعيها هالسنة. ومش عم بتنبأ :p

    *
    @ Lana
    thank u!
    Yalla update your blog! it seems u were taking a long break as well🙂

    *
    @ Joe
    مشتاقين يا رجل. وين راحت مدونة لا إله؟

    *
    @ عادل
    زمان صديقي.
    وهيدي الأسئلة اللي لازم نحاول سوياً الإجابة عليها.
    تحياتي

  6. Rita · يناير 3, 2012

    حبيت حبيت الفكرة..مع هيك سعيدة انو نينار لساتو اسمها نينار (ما تحول لـ “ما العمل” متلاً :P) ..و انو “النصوص الشخصية والصور الفوتوغرافية والهذيانات الفكرية الاعتيادية” رح يضلوا الى جانب كل شي ..

    مكيفة عرجعتك انا🙂.

  7. jafra · يناير 3, 2012

    شو اشتقتلها ياطوني واشتقت لنفسك فيها
    انو يسعد ربك شي خبر حلو اخيرا

  8. لسان عربي · يناير 3, 2012

    عودة حميدة أيها الكبير ..

    أشهد أنك كاتب على مستوى عالي جدا من الوعي , الرقي , و إجادة الكتابة

    بالتوفيق , و متابع

  9. Adon · يناير 4, 2012

    @ Rita
    ولك هلا بريتا مشتاقين🙂 لحسن الحظ ما تغيّر الاسم وانو الهذيان باقي، ما فينا نعيش بلا هذيان هالإيام وإلا منجنّ😀

    *
    @ jafra
    شكراً كجفرا، كنت متوقع نشوفك ببيروت هالفترة بس يلا خيرها بغيرها.
    عم بنبسط بنصوصك القصيرة عفكرة!

    *
    @ لسان عربي
    شكراً صديقي بتمنى المدونة تكون دائماً على قدر توقعاتك
    تحياتي

  10. JoeHammoura · يناير 4, 2012

    باقية بمكانها طوني… ووَلدنا غيرها🙂
    بعثت برسالة لك على الجي ميل خاصتك. نرجو الإجابة .

    • Adon · يناير 4, 2012

      جو ما وصل الايميل مان، اذا شي تأكد بركي كاتبو غلط

  11. تنبيه: السنة الرابعة لمدوّنة نينار « نينار

التعليقات مغلقة.