ازدحام

هذا الكوكب المكتظّ!

حين دخلت إلى موقف السيارات اليوم صباحاً، لاحقني مالك الموقف حتى وصلت إلى سيارتي. ببنطاله الكاكيّ وقبعته المستديرة التي لا تفارق رأسه كل أيام السنة، بدا وكأنه ضابط ميليشيا نسيه الجيش ورائه حين انتهت الحرب من عشرين عام. انتظرني حتى فتحت الباب ليقول لي أنه “يريد أن يتفاهم معي بكلمتان”. ثم انطلق بعدها ليشرح لي كيف أنني بالطريقة التي أركن بها السيّارة، أستولي على مكان سيّارة إضافية. أشرت إليه إلى أن السيارة مركونة بطريقة بالكاد أستطيع معها فتح أبواب سيارتي، فأجاب “يجب أن نحشر أنفسنا”. وبدأ يلوّح بيداه كأنه يقيس المساحات ويشرح كيف أنه إن كان هنالك مسافة 30 سنتمتراً فقط بين سيارة وأخرى، سيكون بالإمكان أن نركن سيارة جديدة في هذه المساحةّ! يا لفرحتنا. في الواقع كان يملك ما يكفي من الوقاحة ليقول أنني أكلفه ثلاثون دولاراً أميركياً إضافياً كل شهر، وهو المبلغ الذي يمكن أن يحصل عليه من مشترك جديد. “كل سنتمر إضافي في بيروت يكلّفني دولار”، كنت أفكر بصمت في رأسي.

هذه الحادثة لفتت انتباهي إلى أن هذا الموقف يحصل لي ولكلّ البشرية كلّ يوم في كلّ نواحي حياتنا المعاصرة. النادي الذي اتمرّن به مثلاً، اشتراكه الشهري متدنّي، لا لسبب إلا لأن مساحته صغيرة. عليك أن تنتظر بالدور لكي تستعمل آلة معيّنة، وعليك أن تنظر ورائك في كل حركة كي لا تضرب الرجل الذي يقف خلفك حين تحرّك يداك. احتكاك المؤخرات والأكتاف بسبب ضيق المساحة هو أمر يومي في هذا النادي أيضاً، وليس في الأمر مشكلة لو كان الاحتكاك يحصل بين الجنسين إلا أنه يحصل معظم الوقت بين أبناء الجنس الخشن، ويتبعه عادة “تكسير رؤوس وتطيير كراسي”! النادي الذي كنت فيه قبل ذلك، مساحته أكبر، لكن اشتراكه أعلى؛ وكان فيه أيضاً خيار دفع مبلغ أكبر لساعات محددة في اليوم يكون فيها الحضور “كلاس وقليل العدد”، بحسب تعبير السكرتيرة وقتها. في الرياضة أيضاً، علينا أن ندفع ثمن المساحة.

الأمر نفسه يتكرر في كل شيء؛ في إيجار الشقة، في الانتظار أمام الفرن، لدى الحلّاق، في السوبرماركت وفي سوق الأحد. إننا ندفع ثمن المساحة أعلى وأعلى كل يوم لأن الكوكب مزدحم ويزدحم أكثر كل يوم. إننا ندفع أيضاً ثمناً للهواء النظيف (عطلة في الجبل أو في مكان بعيد عن المدينة)، وندفع ثمن البحر وثمن الدفء وثمن الاستقلالية الشخصية. النشاطات والأعمال وطبيعة الحياة التي كانت متوافرة لأهلنا بشكل مجّاني وبديهي هي اليوم رفاهيّة بالنسبة لجيلنا، ندفع ثمنها من جيبنا الخاص.

الكوكب مزدحم من دون شك، ونحن ندفع الثمن؛ لا بالمال فقط، لكن بكل شيء آخر. كلما ازدحم الكوكب، كلما كان هنالك مساحة أقل لراحتنا، مساحة أقل لحرّيتنا ومساحة أقل للمشاعر في قلبنا أيضاً. في هذه اللحظة بالذات هنالك عشرات الأشخاص يتغزّلون بحبيبتك على الفايسبوك؛ في هذه اللحظة بالذات هنالك عشرات أرسلوا طلبات عمل لنفس الوظيفة التي تقدّمت إليها أنت، في هذه اللحظة بالذات هنالك عشرات آلاف النصوص تُنشر على الانترنت غير نصّك… حين يكون هنالك الكثير من كل شيء، تنخفض القيمة. تنخفض قيمة النصّ الذي تقرأه، تنخفض أرقام راتبك، ينخفض وقع كلمة “اشتقتلك” حين تقولها لحبيبتك مع عشرة شبّان غيرك، وربّما تنخفض قيمة حبيبتك وقيمتك بالنسبة لها أيضاً.

تنخفض قيمة إنسانيّتنا في هذا الزحام. تنخفض لدرجة أن نشرات الأخبار تحوّلنا إلى مجرّد أرقام، ونحن أيضاً نحوّل أنفسنا وأصدقائنا لمجرّد أرقام وصور على الشاشة معتقدين أننا “نتواصل” فيما نحن في الواقع منعزلون عن بعضنا البعض أكثر من أي وقت مضى. نحن منعزلون لأن الزحمة التي تحيط بنا تخنقنا، نريد أن نبتعد لمكان لا ضجيج ولا صراخ فيه، نريد أن نبتعد أحياناً حتى عن أنفسنا.

زحام الأخبار يمنعنا من التفكير بوضوح ويبقينا في مرحلة المراهقة الفكرية طوال حياتنا. زحام السير يأكل صبرنا ويشجعنا أن ننفجر بوجه أحبائنا حين نصل للمنزل. وزحام المواقع الاجتماعية يمنعنا من أن نكوّن علاقات إنسانية ذات مغزى. زحام بيروت يأكل أخضرها وجبلها وبيئتها وسعادة ناسها. زحام سوق العمل يبقينا في البطالة سنوات وسنوات. زحام سوق العقارات يحطّم أحلامنا بامتلاك منزل أو تأسيس عائلة. زحام الكورنيش يمنعنا من التمتع بالشمس والبحر والصمت. زحام الشارع يمنعنا من النوم. زحام المنزل يمنعنا من الراحة. زحام مكبّرات الصوت يمنعنا من الصلاة. زحام العمل يلهينا عن التصبيح بالدفء والخير على حبيبة بعيدة، وزحام القصائد يمنعنا من أن نكتب لها كلمات جميلة قليلة، ندسّها في ورقة صغيرة تحت وسادتها قبل النوم…

زحام كثير كثير في هذا العالم. لقد ملأنا الفراغ في قلبنا ببنايات شاهقة وصدور كبيرة وهواتف حديثة ومؤثرات بصرية ثلاثية الأبعاد وبزحمة لا نهاية لها. لكن كل ذلك لم يردم من الفجوة فينا قيد أنملة. كل قطع الخردة وزحام الخردة الذي تحيط بنا من كل جانب لا تستطيع أن تملأ هكذا فراغ، جلّ ما تستطيع فعله هو أن تحجب عنّا السماء، أن تقتل ذاتنا، وأن تثقل قلبنا بالأعباء لدرجة تمنعه من أن ينبض بحرّية. أحطنا أنفسنا بزحام يمنعنا من رؤية نور الشمس، من تنشّق رائحة التراب، من الرقص للآلهة ومن تقبيل عنق حبيبة بكل ما توافر لدينا من عشق في هذا العالم.

الزحام يخنقنا…

7 comments

  1. عبير · يناير 11, 2012

    حزين …

  2. Hanibaael · يناير 11, 2012

    كل ما اطلع بالقطار.. بعرف اديش صار العالم مكتظ!
    وكل ما روح ع السوبر ماركت وانطر عشر دقايق ليوصل دوري، بعرف اديش صار الكوكب مزدحم!
    وكل ما شوف عجقات السير وين ما رحت، وبأية مدينة، بعرف اديش صار الازدحام غير محتمل!
    وكل ما شوف الباطون عم يكبر، والاخضر عم يختفي، بعرف اديش صار الوضع مش محمول 😀

    تحياتي.. واهلاً بالعودة الحميدة 😉

    • Adon · يناير 11, 2012

      يأستنا يا رجل :p

  3. لاديني · يناير 11, 2012

    وزحام المدونات يمنعنا من اكتشاف مدونات جميلة مثل هذه
    🙂

    كم أنا سعيد بعودتك..ولقد قرأت بوست العودة قبل هذا وأدركت أننا سنكون بإزاء نوسترادموس جديد، لكنه هذه المرة على أسس علمية ومنطقية تستقريء الواقع وتحلل المستقبل وتتوقعه..

    صديقي كلنا يجتاحنا القلق ويخنقنا الازدحام ويبعدنا الاكتظاظ عن بعضنا، فعجل بكل ما لديك قبل أن تنهار روما

    • Adon · يناير 13, 2012

      لاديني العزيز انبسطت برجعتك للتدوين بشكل عام ولهون كمان.
      لمن تبدأ مدونتك الجديدة ما تنسى تعطينا اللينك حتى نحطّو هون ونعملها حفلة ولادة 😀

  4. أسعد ذبيان · يناير 12, 2012

    سعيد بعودتك..

    كل ما زاد الطلب، انخفض السعر.. في حلين: المنافسة أو الإحتكار.
    الإحتكار لا أخلاقي، والمنافسة قد لا تكون شريفة..

    منشان هيك عمول منتج تاني أو فلتكن النوعية غير تنافسية.. الأشخاص كثر والأجساد كثر بس أصحاب الإنسانية منهم أقل.. الكتابات كثيرة لكن النصوص الجميلة مثل هيدا أقل، والمعجبين بحبيبتك كثر بس ما حدا بأثر فيها مثلك، و”اشتقتلك” إلها وقع مميز لمن تكون متبادلة..

    تحياتي إلك.

    • Adon · يناير 13, 2012

      هلا أسعد، زمان يا شريك
      ابقى طلّ من وقت للتاني : )
      تحياتي

التعليقات مغلقة.