درب الحرّية المعبّد بالآلام

كل يوم، انتظر سطراً صغيراً في النشرات الإخبارية يعلن لي اعتقال صديق، تعذيب حبيبة، أو قتل متظاهر لا أعرف عنه شيء سوى رقمه: الشهيد الألف بعد آلاف.

حين علمت باعتقال صديقة حضنتها ساحات بيروت لفترة طويلة قبل أن تبتعلها سجون الأسد، تذكّرت حديث مع صديق قديم حصل بيننا قبل اندلاع الأحداث في سورية بأشهر قليلة. قال لي وقتها أن النظام الأسدي هو أفضل نظام عربي وهو نظام ممانع، وأن اعتقال بضعة مئات من الشبان هو ثمن قليل للحفاظ عليه.

بطبيعة الحال، هذا الصديق لا يعرف ماهية الشعور حين تنام في منزلك كل ليلة تنتظر لكي يخطفك الأمن إلى أقبيته العفنة؛ هو لا يعرف كيف تشعر حين تجرّ جثّة صديقك عبر ثلاثة أحياء وأنت تقنع نفسك أنه حيّ، وحين تكون أمنيتك الوحيدة أن يستيقظ للحظة واحدة فقط للقيام بعناق الوداع. هو لا يعرف كيف يشعر المرء حين يطفىء رجل المخابرات سيجارته في عنقك، حين يبوّل على رأسك ويقول “حرية ****!”. هو لا يعرف الشعور حين يأتون بأهلك إلى المعتقل ويضربون والدك أمامك ويهدّدونك باغتصاب كل أنثى تعني لك شيئاً. هو لا يعرف كيف تشعر حين يقولون لك أن تنسى الجامعة والعمل والحبيبة وكل شيء في العالم الخارجي لأن لا أحد سيعرف عنك شيئاً بعد اليوم.

من السهل أن نستخفّ بمعاناة الآخرين حين نجلس في مكاتبنا المكيّفة، حين تكون صور الشهداء مجرّد رقم آخر على الشريط الإخباري في أسفل الشاشة. من السهل أن نتمنّى معاناة الآخرين وأن نغضّ النظر عن الجرائم طالما أنها بعيدة عنّا؛ طالما أنها ليست سوى مادّة لمقال جديد غداً، لا موقدة دموع وحرقة قلب وغضب وألم.

لكن الأهم من ذلك كلّه، أن هذا الصديق وكثر غيره ممن يتمنّون ويمارسون ويشجّعون الجرائم بحق الإنسانية التي يرتكبها الأسد وعصابته في سورية، لا يعلم كيف تشعر حين تصرخ “حريّة” بأعلى صوتك؛ حين يرتجف الطاغية من قبضتك العارية المرفوعة عالياً، لا يعرف كيف تكون نشوة تحطيم أصنام الظالم الكبير وإحراق صور الدكتاتور الصغير. هو لا يعلم، كيف يشعر المرء، حين يرسم التاريخ بقدميه الحافيتين. هو لا يعلم كيف يشعر المرء حين يُسقط الأخ الأكبر. لا يعرف ماذا يعني أن يكون الإنسان حرّاً، كريماً، مرفوع الرأس! هو لا يعلم ماذا يعني أن نتمرّد، أن نحلم!

لكن آلاف الشهداء والمعتقلين والمخطوفين والمتمرّدين يعلمون كل ذلك جيداً، وهذا هو الأهم!

6 comments

  1. Anonymous · يناير 19, 2012

    قوي هذا الوضوح وهذه البساطة

  2. jafra · يناير 19, 2012

    صرخة ” حرية ” بصوت عالي كتير بوسط المئات شعور لا يوصف .. نشوة اكبر من ان توصف .. هي الحرية كل الحرية

  3. لاديني · يناير 20, 2012

    أنا احتار دليلي
    من جهة ما يقوم به النظام السوري من اعتقال وقمع وتقتيل لا يمكن أن يُقبل أو يُمرر إلا باسقاطه ومعاقبة كافة المرتكبين إما بإحضارهم للعدالة أو ارسالهم إليها
    ومن جهة أخرى هناك نظرية مؤامرة بالاضافة إلى مخاوف من أسلمة البلاد وانجراف البلاد إلى الفوضى الطائفية بل المنطقة بأسرها ومحور سوريا حزب الله سوريا ولا أدري ماذا
    حاولت حسم هذه الحيرة بالقول أن ثمة دماء تنزف وبشاعة تجري على الأبرياء بحيث أن السكوت عليها خيانة للإنسانية نفسها بصرف النظر عن أي سياسة، وأن الواجب الآن هو دعم الثورة حتى الوصول إلى هدفها الرئيسي مهما كان الثمن…أكرر مهما كان الثمن..أو العاقبة
    ما رأيك طوني؟

    • Adon · يناير 22, 2012

      لاديني العزيز، اعتقد بصراحة أنه لا يوجد مهرب من الفوضى والأسلمة وما يشبه الحروب الأهلية في المدى المنظور، لا في سورية فقط بل في معظم الدول العربية التي سقط طغاتها أو هم على شفير السقوط، والذي يتحمّل مسؤولية الفوضى والأسلمة والنزاعات الطائفية هي الأنظمة وقادة هذه الأنظمة لا الشعب.
      النظام في سورية مثلاً حاكم منذ 1970، وبشّار الأسد حاكم منذ 12 عام، كان لديه النظام وقت أكثر من كافي للقيام بإصلاحات وضمان حقوق وحرية الناس، لكن الكرسي بالنسبة للطاغية أهم من أرواح وكرامة مواطنيه.
      اعتقد أنه يجب العمل على إسقاط الطغاة ومحاكمتهم ووضع حد نهائي لحقبة الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي حتى ولو كان المستقبل غامضاً، وحتى ولو كانت النتيجة على المدى القريب هي الفوضى، لأنه بكل بساطة لا يوجد حلّ آخر، لا يمكننا أن نبقى تحت حكم الجزمة بانتظار أن يصبح المستقبل واضحاً، هذه الأنظمة لم تسمح بنشوء معارضات طويلة الأمد يمكن أن تكون صمّام أمان للمستقبل.
      وأخيراً، كوننا مع إسقاط الأنظمة لا يعني أن نهادن الإسلاميين أو أن نسكت عن جرائم أو أخطاء ترتكب باسم إسقاط النظام؛ اعتقد اننا في مرحلة الكل ضد الكلّ، ونحن كعلمانيين وكناشطين نحبّ بلادنا بصدق يجب ألا نخاف من ذلك، وألا نقع في غلطة الحركة اليسارية في لبنان التي بحجّة المقاومة والخوف من المؤامرة سلّمت الإسلاميين كل شيء وسكتت عن الأسلمة وعن الفساد وعن كل شيء آخر.

      وين صارت مدونتك؟😀

  4. بلا وطن · يناير 20, 2012

    الأخ الأكبر. لا يعرف ماذا يعني أن يكون الإنسان حرّاً، كريماً، مرفوع الرأس! هو لا يعلم ماذا يعني أن نتمرّد، أن نحلم!….
    المميّز أدون دما..دمت نصيرا للحلم و للحريّة

    • Adon · يناير 22, 2012

      شكراً لك صديقي، دمت بخير : )

التعليقات مغلقة.