حزب الخضر حين يقلّد سوليدير (3\3)

هذه الصورة يجب أن تكون الرمز الرسمي لمشروع "نهر بيروت الأخضر" الذي يقترحه حزب الخضر

* * *

يمكن قراءة الجزء الأولّ من هذا المقال على هذا الرابط: الهراء الأخضر: “حزب الخضر” ومبادرة “غابة بيروت” نموذجاً

يمكن قراءة الجزء الثاني من المقال على هذا الرابط: غابة بيروت العجيبة: هل تحلّ شجرة على السطح أزمة العاصمة؟

* * *

على الصعيد الشخصي لا أتوقّع من حزب الخضر اللبناني أن يخرج بأي مشروع بيئي حقيقي، لكنني أجد نفسي مضطراً لمناقشة مشروعه في سياق هذا المقال لأنه يحمل كلمة “أخضر” في اسمه ويقدّم نفسه على أنه ناطق أساسي باسم القضايا البيئية في لبنان. كل بيانات وعمل حزب الخضر تدلّ على أنه يعامل البيئة على أنها قضيّة جماليّة، يقدّمها على أنها “مفيدة للأعمال”، ويعيشها كأنها “برستيج” لذوي الطبقة الميسورة. وهذا المشروع الذي قدّمه الحزب تحت عنوان “نهر بيروت الأخضر” ليس استثناءً، بل هو في الواقع يصلح لأن يكون مثالاً عن أسلوب التفكير المهيمن على الحزب.

خطّة حزب الخضر، التي يتحدّث عنها رئيس الحزب السابق فيليب سكاف، تقتضي بتحويل نهر بيروت (الجاف بشكل جزئي حالياً) إلى “مساحة خضراء ممتلئة بالملاعب، المحميات، طرقات للدراجات، مقاهي، منشآت رياضية وأماكن للترفيه على امتداد 8.5 كيلومتر، بالإضافة إلى قطار من الحازمية إلى بيروت”. لا أعلم كيف يمكن لرئيس حزب بيئي أن يتحدّث عن مساحة خضراء “تمتلىء” بالمنشآت الترفيهية والمقاهي، لكن فلنغضّ النظر عن هذا التفصيل وننتقل لمناقشة صلب الفكرة.

من الناحية العلميّة، لا يوجد مشكلة في واقع تغيّر إيكولوجيا نهر بيروت ثم تدخّلنا فيما بعد لإعادة تأهيلها، فنحن كبشر يمكننا أن نكون أعضاء إيجابيين في الأنظمة الإيكولوجية التي نعيش فيها كما يمكننا أن نكون أعضاء تدميريّين. لكن المشكلة الحقيقية هي أن حزب الخضر لم يرفع الصوت يوماً ليسأل عن سبب جفاف النهر أو عمّا يمكن فعله لإعادته إلى الحياة. والنهر بالمناسبة ليس جافاً بشكل كلّي، فهو يتدفّق لأربعة أشهر على الأقل خلال العام (كان يتدفّق لستة أشهر أو ثمانية فيما مضى)، لكن هذا التفصيل غاب أيضاً عن ذهن “الخضر”. والنهر قد جفّ لأنه هنالك تراجع عام في مستويات المياه الجوفية في جبل لبنان (مشكلة جدّية ومصيرية جداً) وهنالك ضغط مائي كبير على منابع النهر بسبب التوسّع العمراني والمصانع التي تستعمل مياهه بشكل مباشر. لكن بدل أن يكون جفاف نهر بيروت جرس انذار لحزب الخضر ليسأل ويرفع الصوت عمّا يحصل لمواردنا المائية، اختار الحزب أن يقترح استبدال النهر بمشروع تطوير عقاري!

السيّد سكاف نفسه، يقول في مقابلة مع جريدة الدايلي ستار اللبنانية: “رأينا ما يسمّونه نهراً، ولثمانية أشهر في السنة كان جافاً ويتم استعماله كمكبّ للمجارير. إنه غير صحّي، لا يوجد له أي نفع، وهو منظر قبيح“.

نعود مرّة أخرى إلى جوهر ثقافة حزب الخضر وما يشابهه: مسألة الجمال، ومسألة النفع الاقتصادي. وكلتاهما ليستا في جوهر القضايا البيئية الحقيقية لأن جوهر القضيّة البيئية هو االدفاع عن الحياة لا اعن لشكل الجميل ولا عن المال.

يتابع سكاف بأن المشروع سيكون مموّل بالكامل من شركات خاصة ويشرح بأنه سيؤدي إلى ازدهار عقاري في المنطقة و”ستصبح مرغوبة لإنشاء الأبراج العالية على الجهتين من النهر. إن رأى هذا المشروع الضوء، قيمة الأرض سترتفع بشكل هائل وسيشجّع ذلك على الاستثمار في العقارات”.

هل يشعر أحد غيري بأن حزب الخضر يقترح إنشاء سوليدير أخرى؟

لسخرية القدر، لدينا في لبنان حزب “أخضر” يروّج لإنشاء “الأبراج العالية” ويشجّع “الازدهار العقاري” الذي يشكّل السبب الأوّل لتدهور البيئة في الأساس. المشروع الذي يقترحه الحزب يستوجب صرف موارد هائلة لإنشاء البنى التحتية والمنشآت المذكورة، كما يقتضي استقدام عشرات آلاف الأطنان من التربة المسروقة من السهول لرميها في مجرى النهر وإنشاء الحدائق، وفي كل الأحوال هنالك قدر هائل من التدمير البيئي الذي سينتج عن المشروع. المشروع يؤدي كذلك إلى ارتفاع أسعار العقارات في المنطقة (وهي الضاحية الشرقية لبيروت) وبالتالي إخراج السكّان ذوي الدخل المتوسط والمتدّني منها إلى أماكن أبعد خارج بيروت الكبرى واستقدام ذوي الدخل المرتفع الذين يستطيعون دفع ثمن شقّة في “الأبراج العالية” التي يحبّها السيّد سكاف، تماماً كما حصل مع سويليدير في بيروت. شركة سوليدير بالمناسبة، وعدت أيضاً بإقامة المنشآت الرياضية والفنّية والترفيهية حين كانت تستولي على بيروت، ولم تبني في نهاية المطاف سوى محلّات للتسوّق، مرآب ضخم للسيارات، وشقق فخمة لكبار رجال الأعمال.

...

للمفارقة، السيد سكاف، الرئيس الأوّل لحزب الخضر، هو أيضاً المؤسس والمدير التنفيذي السابق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة تسويق كبرى هي”Grey Worldwide”، والتي ترتبط بعقود عمل مع بعض أسوأ مدمّري البيئة على الكوكب مثل كوكا كولا، شيفروليه ونوكيا. وليس في ذلك من تناقض طالما أن حزب الخضر يرى أن إنشاء “الأبراج العالية” والمشاريع بملايين الدولارات على جثّة نهر جاف هي مشاريع بيئية.

في الواقع، إذا ما غضيّنا النظر عن عملية التغليف البيئي لمشروع “نهر بيروت” وحذفنا كلمة أخضر التي يقحمها حزب الخضر في مشروعه عن غير حقّ، يخيّل إلينا أن صاحب المشروع هو شركة عقارية عالميّة ومن الصعب أن يخطر على بالنا أن الاقتراح صادر عن حزب بيئي.

لكنّنا ربّما نظلم حزب الخضر، فهو قد يستحقّ كلمة “أخضر” في اسمه، خاصة إن كان لا يرى من البيئة سوى الجانب الاستثماري منها. ربّما المقصود من اللون الأخضر في اسمه وعلمه هو… الدولار.

*  *  *

المشروعان ينطلقان ربّما من نيّة حسنة، وقد لقيا تجاوب وتفاعل واسع لأنهما استجابا لرغبة سكّان العاصمة بالخروج من حالة الاختناق التي اسمها اليوم بيروت. لكن المشروعان تجميليّان بامتياز لا إيكولوجيّان، وأحدهما هو مشروع تطوير عقاري لا مشروع بيئي. وحين نفكّر بالكلفة البيئية لتطبيقهما نجد أن نتيجتهما النهائية هي عكسيّة.

هنالك طرق أفضل بكثير لاستثمار الموارد والجهود لمساعدة بيروت على استعادة غطائها الأخضر (منها كما سبق وقلنا دعم المساحات الخضراء والضغط لوقف التمدّد العمراني وتحسين النقل العام…)، لكنها تستوجب صبراً طويلاً وتصميم هائل. وإن كانت المشاريع الجماعيّة صعبة في الوقت الحالي، يمكن المبادرة لإقامة ورش عمل لتعليم الشباب الجامعي مهارات بيئية ضرورية مثل صناعة وصيانة الأدوات المنزلية والدراجة الهوائية وزراعة الخضار والنباتات الصغيرة على شرفة منازلهم (وهو أفعل بكثير من زراعة الأشجار على السطوح).

إحياء بيروت الخضراء يحتاج لعمل جدّي وحقيقي لا مشاريع برّاقة على الورق…

_____________________

تحديث: رئيسة حزب الخضر، السيّدة ندى زعرور، كان لديها رحابة صدر واهتمام كافي للردّ على بعض النقاط في المقال وتوضيح وجهة نظر الحزب في هذه القضيّة، عبر تعليق على هذه التدوينة يمكن الإطّلاع عليه أدناه (بالإنكليزية). يمكن أيضاً الإطّلاع على ردّنا على التوضيح في التعليق الذي يليه.

_____________________

5 comments

  1. نبيه · يناير 26, 2012

    جرّافة هالكلام

  2. تنبيه: غابة بيروت العجيبة: هل تحلّ شجرة على السطح أزمة العاصمة؟ (23) « نينار
  3. تنبيه: الإيكولوجيا العميقة والحركة البيئية التقليدية: الشقيقان اللدودان « نينار
  4. Nada Zaarour · فبراير 27, 2012

    Dear Mr.Tony Saghbini
    Allow me to correct your information on the Beirut Green River
    1- We have a full study on the problems and the solutions for the river why it is dry and how to bring it back to life.
    2- For your information we are against Solidere concept. The river project is competely different from Solidere.
    3- When you read carefully the river project you can find out that the river is open and full of life and not closed by stolen soil
    4- The aim of the river project is to keep people in their land and interviews were being held with local communities to develop an understanding of the perceived benefits of environmental improvements associated with economic development
    5- This project is just a draft study to be shared with the public (Activist organization, Universities,…)
    Pls feel free to contact me
    Nada Zaarour
    President
    Green Party of Lebanon
    Al Maarad Str. Natour Bldg. 3rd Floor
    Beirut-Lebanon
    Tel: (+961 1) 993193-994194-998198
    Fax: (+961 1) 975175
    Mobile: (+961 3) 190019
    nada.zaarour@greenpartylebanon.org

    • Tony Saghbiny · فبراير 27, 2012

      Dear Mrs Zaarour,
      Thank you for your kind comment and your openness to criticism.
      Allow me however to disagree with you
      1) if you have a study to bring the river back to life, doesn’t that contradict the implementation of your proposal?
      2) Even if it’s different from solidere, the result is the same, as soon as the bulldozers come and “high towers” are built, the middle and lower class will be dislocated and replaced by those who can afford the rising real estate prices.
      3) I don’t know how would the river exist side by side with cafes, parks, leisure facilities and an electrical train but leaving this detail aside, making parks with real trees requires moving hundreds of tons of soil into the river’s stream.
      4) Here my most important disagreement with the Green Party, in my humble opinion (resonating with Deep Ecological philosophy) , environmental improvements and economic development cancel each other out, the move in opposite directions

      It’s natural to have different points of view between environmental activists, the important thing is that we care about the country and we’re at least trying to do something.
      Again, thank you very much for your openness, i really appreciate it, it”s a very rare virtue in Lebanese parties

      Best Regards
      Tony

التعليقات مغلقة.