الأزمة الأخيرة: ماذا تحمل لنا الـ 2012؟

...

تعوّدنا خلال الأعوام الأخيرة على استقبال كلّ عام جديد بكميّات هائلة من التوقّعات السياسية والاقتصادية والدينية والفنّية الصادرة عن جيش من المنجّمين والمحللين. ورغم أننا ننسى معظم ما سمعناه خلال أيّام معدودة، إلا أن تزايد ظاهرة التوقّعات تشير إلى تزايد قلقنا، عام بعد عام، على المستقبل.

لكن رغم تزايد أعداد المنجمّين والمتوقّعين، إلا أن الغالبية الساحقة من توقّعاتهم تشترك في أمر واحد: عزوفها عن معالجة أحد أكثر المؤشرات أهميّة وتأثيراً على عالمنا المعاصر: الطاقة. حضارتنا تقوم على الطاقة المتأتية من النفط والغاز والفحم وهي تحتاج لها في كل شيء تقوم به؛ للصناعة والزراعة والأعمال والتنقل والحياة اليومية. ولهذا السبب، هي المؤشر الأكثر أهمية على الإطلاق.

للأسف، لا تصدر توقّعات الطاقة في العالم إلا عن جهات دولية وحكومية معدودة  ونادراً ما يسمع بها أحد رغم أنها تحمل بين صفحاتها مصير السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية وأسعار الغذاء وكل تفاصيل حضارتنا. فماذا تحمل لنا توقّعات أسواق الطاقة للعام 2012؟

الصورة ليست مشرقة كثيراً. لكن قبل أن ننتقل إلى ذلك، سنستعين بأطروحة كتابنا، “الأزمة الأخيرة” للتحدّث قليلاً عن أزمة الطاقة بهدف أن نضع القارىء في صورة السياق الذي تتطوّر فيه اليوم كل أحداث الكوكب.

أطروحة “الأزمة الأخيرة” تحلّل أزمة الطاقة المستمرّة منذ عام 2006 لتناقش فرضيّة حصول سقوط بطيء للحضارة الصناعية يمتدّ على عقود عدّة، وقد يأخذ قرن كامل من الزمن. الطاقة التي كانت متوافرة في الماضي بشكل غزير لتشغيل ماكينة حضارتنا لم تعد متوافرة بنفس الكمّيات لأن انتاج النفط بدأ ببلوغ حدوده الجيولوجية ودخل على ما يبدو في مرحلة تُعرف في الأوساط النفطية بـ”الذروة النفطية”. ما يهمّنا أن نعرفه من هذا التعبير هو أنه لن يكون بمستطاع الحضارة الصناعية أن تزيد انتاجها من الطاقة بعد اليوم إلا بنسب قليلة جداً؛ وبعد سنوات قليلة ستبدأ مستويات الطاقة المتاحة لنا بالانخفاض بشكل سنوي. وحين تتقلّص الطاقة المتاحة لنا، ستتقلّص معها الحضارة. “التقلّص” هو التعبير الملطّف لـ”الانهيار الشامل”.

الانهيار الكبير لحضارتنا بدأ في الواقع منذ عام 2001 على الأقل؛ حروب الموارد بدأت منذ اجتياح أفغانستان عام 2001، ثم شهدنا أزمة الغذاء عام 2005، ثم أزمة الطاقة بين عامي 2006 و2008، ثم الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، ثم الأزمات السياسية حول العالم التي انطلقت من العالم العربي في العام 2011. كل هذه الأزمات لم تنتهي بعد. لا نحتاج للكثير من الذكاء لكي نستنتج أن الصورة الكبرى للمرحلة التاريخية الحالية هي سلسلة من الانهيارات والأزمات.

 لكن مشكلة أي انهيار بطيء أنه يمرّ من دون أن يلاحظه أحد، وحين سنلاحظه سيكون قد فات الأوان. الغالبية الساحقة من الناشطين والباحثين السياسيين في هذا الوقت ينظرون إلى الأحداث التي ذكرناها آنفاً على أنها أحداث منفصلة وذات أسباب سياسية أو اقتصادية مختلفة، لكنها في الواقع تعود إلى جذر واحد: أزمة الطاقة. هنالك دول تخوض حروب مريرة منذ سنوات، علنيّة وغير علنيّة، لأنها تعلم ماذا يحصل لكن غالبيّة الناس تستمرّ في عيش أيامها من دون أن يكون لديها أي فكرة عمّا يحصل للعالم. باستثناء بعض المؤلفين والناشطين المعدودين، هنالك حالة جهل ونكران واسعة في أوساط الناشطين والسياسيين وعامة الناس بما يتعلّق بأزمة الطاقة. الجميع  لا يزال يستعمل نفس أدوات التحليل لفهم الصراعات الحالية وهذا هو السبب الرئيسي للعقم الفكري الذي يشوب أوساط الناشطين والمثقفين في الوقت الحالي لكن هذا موضوع آخر.

المهم، الآن وقد أوضحنا طبيعة أزمة الطاقة يمكن أن ننتقل إلى استقراء أحداث العام المقبل على هذا الأساس.

عام الأزمات، مرّة أخرى؟

...

في العلوم الإنسانية لا يمكننا أن نخرج بـ”توقّعات” من قبيل “سيحدث كذا ولن يحدث كذا”، لكن يمكننا أن نقرأ العناصر الاقتصادية والسياسية التي ستؤثر على المستقبل.

ما يمكننا أن نقوله في هذا المجال هو أننا سنشهد المزيد من كل شيء “مأزوم” شاهدناه هذا العام: المزيد من الأزمات الاقتصادية، المزيد من ارتفاع الأسعار، المزيد من الاضطرابات السياسية. لكن هنالك جوانب إيجابية. الأمر الإيجابي الأوّل يتمثّل في أن الأزمة لا تزال بطيئة أي أنه هنالك وقت أكبر متاح للتكيّف والمواجهة. والأمر الإيجابي الثاني يتمثّل في أن الابداع الإنساني والتكنولوجي للمجتمع في هكذا مراحل يكون في أعلى مستوياته وقد نشهد الكثير من الاكتشافات والاختراعات المفيدة والكثير من الأعمال الإنسانيّة والتغيّرات السياسية والثقافية الإيجابيّة.

المجالات التي من الواضح أنها ستشهد المزيد من التأزم هي:

–          توقّعات أسواق الاقتصاد تتحدّث عن أزمتان اقتصاديّتان كبيرتان يحتمل أن نشهدهما هذا العام: احتمال تداعي منطقة اليورو على وقع أزمة الديون في بعض الدول الأوروبية، واحتمال انهيار الدولار والاقتصاد الأميركي في ظلّ عدم تعافي الولايات المتحدة من أزمة 2008 حتى اليوم. مدير البنك الفيدرالي الأميركي بن برنانكي تحدّث في الواقع عن أن أزمة الاقتصاد المقبلة قد تستمرّ لجيل كامل، وهذا ليس دقيق لأن أزمة الاقتصاد المقبلة ستستمرّ أكثر من ذلك بكثير.

–          العامل الأساسي الذي سيميّز العام 2012 ويزيد من خطورة الأزمات الاقتصادية فيه هي أن أسعار الطاقة لا تزال في طريقها للارتفاع. سعر برميل النفط حالياً هو حول 94-99 دولار من نوعيّة نفط تكساس الخام WTI. توقّعات أسواق الطاقة تتحدّث عن أن السعر سيبقى في أقل الأحوال في هذا المجال، أو أنه سيرتفع إلى ما بين 112 و150 بحلول الصيف المقبل. إن كان القارىء يتساءل ماذا تعني هذه الأرقام؛ عليه أن يعلم أن أسعار النفط التي قامت عليها الحضارة الصناعية بقيت ما بين 5 و20 دولار منذ اكتشاف النفط، ولم تتجاوز يوماً عتبة الـ 25 دولار لأكثر من أشهر معدودة، وتجاوزت عتبة الـ 80 دولار مرة واحدة في التاريخ خلال أزمة عام 1980. إذاً، خلال كل تاريخ الحضارة الصناعية، تراوح متوسط سعر برميل النفط ما بين 5 و25 دولار لكن في العام 2010، كان متوسط سعر برميل النفط هو حول 60 دولار لأوّل مرة في التاريخ، في العام 2011 بلغ متوسّط سعر برميل النفط 80 دولاراً. في العام الحالي (2012)، سيكون متوسّط سعر برميل النفط 95 دولار. بعد خمس أعوام من اليوم، قد يبلغ متوسّط سعر برميل النفط 175-200 دولار. ماذا يعني ذلك؟ الـ 60 دولار كانت السبب المباشر لعدّة حروب استباقيّة (مثل أفغانستان والعراق) وأزمة غذاء وأسوأ أزمة مالية معاصرة حتى العام 2008. الـ 80 دولار سرّعت نشوب أوسع اضطرابات سياسية في التاريخ في العام 2011. لا نعلم كيف سيؤثر معدّل الـ 95 دولار للبرميل على أحوال العالم، لكننا نعرف بالتأكيد أن 200 دولار تعني انهيار العديد من الدول وقد تنهي الاقتصاد العالمي مرّة وإلى الأبد.

–          على وقع ارتفاع أسعار الطاقة من المرجّح أن تعود أزمة الغذاء بشكل أقوى، لكنها ستؤثر هذه المرّة بشكل مباشر على الدول التي تشتري نسبة كبيرة من غذائها من الخارج مثل مصر ومعظم الدول العربية، باكستان، روسيا، الصين..ألخ.

–          كحصيلة طبيعية لكل ذلك، سيبلغ الاضطراب السياسي مستويات جديدة في العام 2012 ولو بنسب مختلفة من الزخم. العام 2011 شهد اضطرابات سياسية وتظاهرات متزامنة في 80 دولة حول العالم؛ بعض الأنظمة سقطت، بعض الأنظمة ترنّحت، بعض الدول تغرق في الحرب الأهلية وغيرها يغرق ببطىء في فوضى طويلة الأمد. ما يهمّنا أن نعرفه في هذا المجال هو أنه رغم أهميّة حصول تقدّم في مجال الحرّيات وحقوق الإنسان والبنية السياسية بشكل عام، إلا أنه لا يوجد أي تغيير سياسي في العالم يمكن أن يساعدنا على تجنّب الانهيار. هنالك تغيّرات يمكن أن تساعد على التخفيف من وطأة الأزمات القادمة، لكن من الخطأ أن نعتقد أن تغيير الحكّام أو تغيير النظام بأكمله سيحسّن الأحوال الاقتصادية أو يمنع الانهيار من الحصول. كذلك من الخطأ الاعتقاد بأن أي تغيّر سياسي مقبل سيكون دائم؛ الاضطراب السياسي سيكون سمة أساسية لسنوات طويلة؛ أي تغيير يحصل اليوم قد لا يستمرّ لأكثر من أيام معدودة. الأمر الآخر الذي أريد أن أشير إليه هو أنه كلما توغّلنا في الأزمة أكثر، ستكون الأطراف السياسية المختلفة نسخ متطابقة عن بعضها البعض لأنها تشترك في جهلها العميق بما يتعلّق بالأزمة الحضارية الكبرى التي تحصل للعالم. لذلك، المراهنة على أي فريق سياسي لتحقيق أي تغيير هي في رأيي المتواضع مضيعة للوقت والجهد.

قراءة “متشائمة” كهذه ليس تجربة جميلة، وهي بالتأكيد ليست مادّة تزيد من شعبيّة أي مقال، لكننا في مدوّنة نينار نختار دائماً أن نقول الحقيقة وأن نعبّر عن رأينا الصريح في الأمور الحساّسة خاصة أننا نلاحظ أن مجتمعنا وحضارتنا بشكل عام قد تخدّروا لسنوات طويلة عبر ابتسامات مقدّمي البرامج والوعود الورديّة للسياسيين. ربّما حان الوقت لنواجه الحقائق. الغد الأفضل لن يأتي لمن يهربون باستمرار إلى الأمام، بل ينتظر الشجعان اللذين يعترفون بالواقع ويناضلون من أجل غد أفضل، مهما كان واقعهم صعب…

* * *

– للاطلاع على التدوينات السابقة في موضوع أزمة الطاقة يمكن الإطلاع على الصفحات التالية: “الأزمة الأخيرة““

– كما يمكن زيارة الموقع الخاص بالأزمة الأخيرة: Lastcrisis.com

– للاطلاع على آخر النشاطات والأخبار حول الكتاب وموضوعه يمكن أيضاً الانضمام لصفحته على الفايسبوك: The last crisis – By Tony Saghbiny

– الكتاب متوافر في مكتبات بيروت وبعض المناطق اللبنانية الأخرى وبعض الدول العربية المجاورة.

– للمقيمين في الخارج يمكن طلب الكتاب عبر الانترنت من أي مكان في العالم عبر موقع سوق العرب (اضغط هنا لصفحة الكتاب هناك)، أو عبر موقع النيل والفرات (اضغط على هذا الرابط).

3 comments

  1. لاديني · فبراير 6, 2012

    استعدوا
    هرمجدون الطاقة بدأت والحضارة الإنسانية برمتها على المحك كما لم تكن منذ انتصب أول هوموسابين..
    هذه أزمة تتفاقم منذ سنوات عديدة وهي تستهدف أجيال بكاملها والكلام هنا..وفي هذه الجزئية أيضاً.. علمي إلى درجة مزعجة للغاية..
    لم يكن لدى الديناصورات عقل جمعي يرشدها إلى اقتراب نهاية حضارتها ولهذا لا نشاهد اليوم منها إلا عظاماً في المتاحف..
    استعدوا

    • Adon · فبراير 7, 2012

      لاديني العزيز، يبدو انك متشائم أكثر مني وهذه عجيبة😀
      نحنا بانتظار مدونتك الجديدة

  2. تنبيه: الأزمة الأخيرة: ماذا يعني السقوط البطيء للحضارة الصناعية؟ « نينار

التعليقات مغلقة.