هل يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة؟

...

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: العيش كصورة، كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

عنوان هذا المقال قد يفاجأ كُثر بيننا، لكن الجواب سيفاجأهم أكثر. “الفايسبوك يجعلنا أكثر تعاسة”؛ هذه هي خلاصة عدّة أبحاث ميدانيّة أُجريت العام الماضي (2011) على فئات اجتماعيّة مختلفة شملت مراهقين، طلّاب جامعات، أصحاب عمل ونساء من مختلف الأعمار.

أحد هذه الأبحاث خلص إلى القول أن الفايسبوك في عصرنا هو أحد المساهمين الرئيسيين في تعاسة الفرد، وذلك لأنه يعزّز العديد من المظاهر النفسيّة السلبيّة مثل تضاعف مشاعر الغيرة، التوتّر، الوحدة، انتهاء الحميميّة وفي بعض الحالات، الاكتئاب.

مجلّة علم النفس الأميركية الرائدة Psychology Today نشرت مؤخراً مقال تحت عنوان “مغادرة الفايسبوك قد يجعلك أكثر سعادة”. المقال يتحدّث عن بحث شمل 425 طالب جامعة في الولايات المتحدة خلص إلى أن اللذين يقضون وقت أطول على الفايسبوك هم أكثر تعاسة من أقرانهم. السبب الرئيسي لذلك يعود إلى مشكلة المقارنة الاجتماعيّة، والمقارنة مع الآخرين، كما يعلم كل طالب علم نفس، هي القاعدة الأولى للتعاسة.

الفايسبوك يقوم في جوهره على المشاركة، مشاركة الصور والأخبار الشخصية والتحديثات وكل شيء مرتبط أو غير مرتبط بحياتنا الشخصية. وهذا النوع من المشاركة يؤدّي بشكل طبيعي إلى تعزيز ثقافة المقارنة. الفايسبوك هو بطريقة أو بأخرى مكان لإعلان الإنجازات وللتفاخر بشكل عام؛ سواء كان ذلك عبر صورة جميلة لنا، صورة سيارتنا الجديدة، صورة مع حبيبنا أو حبيبتنا، صور لطبق الباستا أو للمنزل، تحديثات تُظهر إلتزامنا الديني والسياسي والإنساني أو ستاتوسات تتحدّث عن روعة ما فعلناه بالأمس. المقارنة تحدث بطريقة تلقائية على الفايسبوك، ولا تقتصر على الأمور الشكلية؛ وفي العديد من الأحوال نجد أنفسنا نقارن حياتنا مع حياة الآخرين من دون أن ندري.

مشكلة المقارنة تتضاعف على الفايسبوك لسبب بسيط جداً: الفايسبوك يوهمنا كل يوم بأن حياة الآخرين هي مليئة بالسعادة والمغامرة الدائمة، وحين نقارن ذلك مع حياتنا غالباً ما تكون النتيجة محزنة. الفايسبوك يظهر الجميع كأنه يعيش حياة مثالية، وغالباً ما يشعر الكثيرين منّا بأن كل أصدقاؤنا يعيشون حياة أفضل أو أكثر إثارة للاهتمام من حياتنا. والمشكلة الأكبر أنه مهما حاولنا، لن نكون يوماً سعداء بنفس الدرجة التي يظهر فيها أصدقاؤنا على الفايسبوك، لأن تلك الدرجة من الروعة المتواصلة والسعادة التي يظهرها الموقع ليست موجودة في الحياة الحقيقية. فالفايسبوك يظهر فقط أفضل أيامنا وانجازاتنا وغالباً ما يقدّمها على أنها أكثر روعة مما هي في الواقع.

طبعاً قد يقول أحدهم أنه يمكن أن نتجنّب المقارنة حين نستعمل الفايسبوك وأن نستخدمه فقط لمشاركة الأخبار والأمور المثيرة للاهتمام وما شابه، لكن الكلام سهل والتنفيذ صعب. من الصعب ألا تقارن تلقائياً حين تفتح الفايسبوك كل يوم لترى صديقة قديمة من الجامعة أو المدرسة تزوّجت وملأت الفايسبوك بصور زفافها، أو حين يشارك الأصدقاء صور أطفالهم الصغار ونشاطاتهم، أو حين يشاركون أخبار عملهم وجامعتهم وسيّارتهم الجديدة وعطلتهم الصيفية في تايلاند.

ما يزيد من وتيرة المقارنة هو أن سياسة الفايسبوك تقوم على تشجيع على المزيد من المشاركة والمزيد من التفاخر عاماً بعد عام من خلال التعديلات في برمجة وشكل الموقع. في البدء كان كافياً أن نضع صورة ومعلومات شخصية قليلة لكي يكون لدينا بروفايل “طبيعي”، لكن اليوم الفايسبوك يشجعنا على مشاركة عملنا واهتماماتنا ونوع سيارتنا وموسيقتنا ومشروبنا ومكان سكننا وكل شيء آخر عن أنفسنا.

...

إحدى القواعد الأساسية في مجال تنمية الذات تقول بأن المقارنة الوحيدة المفيدة لنا هي بين أنفسنا حالياً وبين ما كنّا عليه في الماضي، لا بين شخص وآخر لأن معايير السعادة والنجاح والراحة تختلف من شخص لآخر والمقارنة مع الآخرين غير مفيدة عملياً ولا يتأتى منها سوى التعاسة والشعور بالفوقيّة أو بالنقص. حين نقارن مع أنفسنا وننظر داخلنا نحن، الموضوع مختلف. ففط حين ننظر داخلنا يمكن أن نعرف حقاً إذا ما كنّا سعداء وراضين عن أنفسنا أم لا، لا حين ننظر للآخرين. وفقط حين ننظر داخلنا يمكن أن نعرف ما إذا حقّقنا تقدماً في الحياة أم تراجعنا كثيراً وراء طموحاتنا وتوقّعاتنا. لكن الفايسبوك يجعل من أي عمليّة تأمّل داخلي من هذا النوع شبه مستحيلة. فالتأمّل والتفكّر الداخلي يحتاج لفترات من الصمت والهدوء وهذا مستحيل في ظلّ الفايسبوك؛ الموقع الأزرق هو مجرّد إضافة جديدة على الضجيج القاتل الذي يحيط بنا.

بتعبير كلمات النحّات والشاعر الفرنسي جان آرب (1886 – 1966)، يقول:

“قريباً سيكون الصمت قد أصبح مجرّد أسطورة. الإنسان أدار ظهره للصمت. يوماً بعد يوم، يخترع آلات وأجهزة تزيد من الضجيج وتصرف انتباه البشرية عن جوهر الحياة، عن التفكّر، وعن التأمّل”.

الفايسبوك هو اليوم مجرّد واحدة من الآلات الأكثر ضجيجاً في هذا العالم، آلة تضيف ضجيج مئات الناس على مساحتنا الخاصة وتجبرنا على مقارنة حياتنا باستمرار مع الجميع لدرجة قد ننسى فيها أنفسنا وحياتنا الخاصة. لكل هذه الأسباب، هو بالفعل يجعل حياة الكثيرين منّا أكثر تعاسة…

___________________________________

الإثنين المقبل على مدوّنة نينار: مشكلة الخصوصيّة والمعلومات الشخصيّة على الفايسبوك

___________________________________

7 comments

  1. عبير · فبراير 23, 2012

    مقال غني ومفيد.. كتير عجبني.

  2. لاديني · فبراير 23, 2012

    كلام معقول ومحل نقاش بالتأكيد
    سأدخر ما لدي للنهاية 🙂
    بس ساعتها لا تقولي كبير وما كبير
    تكلم عن نفسك🙂

  3. Tony Saghbiny · فبراير 24, 2012

    @ عبير
    مقدّم😀

    *
    @ لاديني
    ههههه بالانتظار صديقي🙂

  4. تنبيه: العيش كصورة: كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة « نينار
  5. تنبيه: المصحّ الكبير: هل يعزز الفايسبوك الإدمان، نقص الانتباه وخزعبلات نفسيّة أخرى؟ (12) « نينار
  6. (J)--(Khadija Saleh) (@JijiPHD) · نوفمبر 28, 2012

    اعزائي:- ثانية هناك مغالطه منطقيه—السعاده والتعاسه لا يسببها جزء واحد من حياتنا بل هى عمليه تكامليه–والاهم هى ارسال واستقبال وتختلف حسب الاشخاص والمحيط وعناصر اخره وتفاعل كل ذلك مع بعضه البعض.
    هذه الجزئيه جعلتنى احس بالاساءه لوقتى لانى قضيته فى قراءتها.
    والدرسات ليست بتلك الدقه التى يعتقد البعض فقد اهملت عناصر عده واهم عنصر ماهو اصلا مفهوم السعاده والتعاسه عند الاشخاص .
    تحياتى
    (J)

    • Tony Saghbiny · نوفمبر 28, 2012

      الإساءة لوقتك؟ توقّفي عن القراءة إذاً.

      والمقال يا صديقتي ليس أطروحة دكتوراه تهدف لتحليل السعادة من منظورها الفلسفي والنفسي ، هي فقط للحديث إذا ما كان الفايسبوك يجعلنا أكثر تعاسة أم لا، وهي مدعّمة باحصاءات ودراسات ميدانية موجودة روابطها في المقال، ورغم ذلك لا أطلب من أحد أن يأخذها على أنها حقيقة، هذا الكتيّب يعبّر عن وجهة نظري فقط ومن حق أي شخص أن يختلف معها، لكن أن تعتبريها مضيعة لوقتك، فهذا أمر مؤسف.
      تحياتي

التعليقات مغلقة.