حين يتحوّل الفايسبوك إلى “الأخ الأكبر” (1\3)

...

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: العيش كصورة، كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

معضلة الخصوصيّة والمعلومات الشخصيّة على الموقع

فلنتخيّل للحظة السيناريو الروائي التالي: بطلتنا عاشت كل حياتها في ظلّ نظام شمولي، هي تنتمي لعائلة دفعت في الماضي ثمن معارضتها للنظام ويؤلمها أن الأخير لم يواجه أي معارضة حقيقية منذ إنشائه حتى اليوم. بعد تخرّجها من الجامعة، وبسبب ظروف وصدف عديدة، توصّلت إلى اكتشاف خطير في أروقة الدولة:  النظام استطاع اختراع جهاز فائق التطوّر للسيطرة على مواطنيه. هذا الجهاز متطوّر وذكي لدرجة أنه يعرف كلّ شيء عن الجميع منذ لحظة الولادة حتى لحظة الممات.

هو يعرف أسماء الجميع، أمكنة سكنهم وعملهم ورقم هاتفهم وبريدهم، يعرف شبكة علاقاتهم الاجتماعية والعائلية والشخصيّة بالتفصيل وطبيعة علاقة كل شخص بشخصه ويعلم حتى تفاصيل الرسائل الحميمة التي يتبادلها أي شخص مع آخر، يعرف تاريخهم في العمل والدراسة والعلاقات كما يعلم معظم تفاصيلهم الصحيّة (وأحياناً لحظات دخولهم إلى المرحاض)، يعرف جدول نشاطاتهم اليومية، يعرف هواياتهم وكيف يقضون أوقات فراغهم أو دوام عملهم، يعرف تفضيلاتهم في كافة الأمور في الحياة كالموسيقى والكتب والسينما والرياضة وغيره، يعرف توجّهاتهم السياسيّة والدينيّة حتى إن كانوا يغيّرونها كلّ يوم، يعرف أمكنة تواجدهم في كلّ لحظة كما يعرف مع من يتواجدون، حتى أنه في بعض الأوقات يعلم أماكن تواجدهم مسبقاً. في أحيان كثيرة يتوصّل هذا الجهاز إلى معرفة كل شخص أفضل مما يعرف هذا الشخص نفسه، لدرجة أنه غالباً ما يوجّههم نحو أنشطة معيّنة أو إلى أماكن محدّدة أو يدلّهم على سلع يعلم أنها ستعجبهم.

هذا الجهاز يخزّن كل المعلومات عن الجميع على ملايين الملفات الالكترونية ويحفظها سراً، ويمكن للحكومة، أو حتى لأي شركة خاصة تملك ما يكفي من المال، أن تستعمل هذه الثروة المعلوماتيّة لملاحقة الناشطين السياسيين، وأد المعارضة، التحكّم بالرأي العام والسيطرة على رغبات الجمهور ونشاطاته.

 لسنوات طويلة، ناضلت بطلتنا ضد هذا الجهاز حتى استطاعت في نهاية المطاف القضاء عليه، لكن الثمن كان حياتها وتم تخليدها على هذا الأساس كأيقونة للحرية في زمن كان فيه الجميع مكبّل وخائف.

في هذه الرواية، من المُستبعد أن يشعر القارىء بغرابة حين تتمحور حبكة الأحداث حول نضال هذه البطلة مع حفنة من المقاومين في وجه هذا الجهاز لإسقاط النظام الظالم، الحبكة مألوفة جداً، خاصة بالنسبة لنا نحن سكّان العالم الثالث. من الأرجح أن القارىء سيتعاطف معها. وإن حدث وكان القارىء ناشط سياسي، سيشعر بالرعب حين يتأمل احتمال وجود حكومة قادرة فعلاً على اختراع هكذا جهاز، وسيقول لنفسه أنه إن وُجد في نفس السيناريو فهو سيكون مقاوم من دون شكّ. وإن حدث وكان القارىء مدوّن(ة)، قد يكتب بضعة سطور في مديح الحرّية التي قاتلت من أجلها بطلتنا. لكن… هذا الواقع موجود، وليس مجرّد سيناريو في رواية خيالية! الفارق الوحيد، أن معظم القرّاء في العالم الحقيقي يعتقدون أن معارضة هكذا جهاز هو ضرب من الجنون ولا يتعاطفون مع من يعارضه، رغم أن السيناريو هو نفسه مع فارق بسيط في التفاصيل والأسماء.

* * *

قد لا يوافقنا العديد من القرّاء إن قلنا أن الواقع العالمي الحالي هو نظام شمولي لامركزي قائم على العنف، الاستغلال والتدمير. لكن معظمهم، منطقياً، سيوافقون على أن الفايسبوك هو أفضل جهاز لجمع المعلومات الشخصيّة في التاريخ. الفايسبوك هو أفضل وأسرع وأكثر فعاليّة من أي جهاز استخبارات في العالم. حين نضيف إلى المعلومة الأخيرة حقيقة أن الفايسبوك مستعدّ لبيع هذه المعلومات لأي طرف في العالم يعرض ما يكفي من المال، وهو يقوم بذلك منذ الآن، سواء أكان هذا الطرف حكومة محليّة أو أجنبيّة، شركة عالميّة، جهاز استخبارات أو مجموعة سياسيّة مشبوهة، يصبح السيناريو الذي وصفناه في المقدّمة أقرب إلى الواقع مما نعتقد.

مشكلة الخصوصية والمعلومات الشخصية على الفايسبوك هي معضلة حقيقيّة ومتعدّدة الوجوه، يزيدها تعقيداً كون معظم المستخدمين للموقع والناشطين حول العالم لا يمتلكون أدنى فكرة عنها.

هذا المقال المتواضع ليس سوى إضاءة صغيرة على هذه المسألة، سنتحدّث فيه عن ثلاث نقاط أساسيّة ذات تأثيرات مباشرة على حرّيتنا، خصوصيتنا وأمننا الشخصي على الفايسبوك، هي التالية:

–          الفايسبوك يمتلك كل المحتوى الذي نضعه عليه ومنه صورنا الشخصية، وله الحق بالتصرّف بها كما يشاء وبيعها لمن يشاء.

–          بالإضافة إلى الإعلانات، الفايسبوك يجني المال عبر بيع معلوماتنا الشخصيّة للأطراف الثالثة مثل الشركات والحكومات.

–          وضع هذا الكمّ الهائل من المعلومات التفصيلية عن ملايين الأشخاص والناشطين حول العالم تحت تصرّف شركة خاصة وحيدة هو أمر شديد الخطورة ويعرّض حريتنا وحقوقنا للخطر.

____________________

الجزء الثاني من المقال يُنشر على مدوّنة نينار غداً الثلاثاء.

____________________

12 comments

  1. عبير · فبراير 27, 2012

    مزبوط، معك حق طوني، أوّل ما فتحت حسابي بالفيسبوك بالـ 2008 دوّرت على جملة خلال التسجيل يقلّي الفيسبوك فيها إنو معلوماتي الشخصية هيي ملكي الشخصي وإنو الفيسبوك مش رح يستخدمها بدون إذني، وما لقيتش هيك جملة.
    الغريب إنو سيطرة الفيسبوك عالناس بأيامنا بتخلّي هاي المعلومة تصير تفصيل تافه رغم إنو أكتر موقع ممكن يحتوي على تفاصيل شخصية عنهن.

    إشي مرعب فعلا!

    • Tony Saghbiny · فبراير 27, 2012

      لمن كنت عم بكتب هيدا المقال اضطريت اقرا كل اتفاقية الاستخدام، واكتشفت العجايب، عدا عن انو كل صياغة اتفاقية الاستخدام غامضة عن قصد.

  2. تنبيه: العيش كصورة: كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة « نينار
  3. Rita · فبراير 27, 2012

    انا بتفق معك بهالخصوص..

    انو لما تنشر شي شغلة بتبطل ملكك. بس من ناحية تانية كمان ما حدا بيجبرك تنشر شي. انو من البديهي الاشيا الاكتر خصوصية ما ننشر عنها بتخيل.. او لا؟🙂

  4. الدُب · فبراير 28, 2012

    انا هيني عملت deactivate لحسابي بس مش عشان الاخ الاكبر.
    موفق بحربك ع الفيس بوك طوني.

  5. Tony Saghbiny · فبراير 28, 2012

    @ Rita
    ايه معك حق، بس أحياناً ما بيحتاج التفاصيل الحميمة حتى يعمل ضرر، الأمن الأسدي مثلاً لمن يعتقل ناشط عم يفوت على حسابه ويكتشف كل شبكات أصدقائه ومع مين كان يتواصل ومع مين عم ينسق ويحكي ومين بيحب ومين ما بيحبّ.
    أكيد ما بيجبرك تنشري شي، بس بيشجعك :p

    *
    @ الدب
    يا ويلاه😀
    هالشي مفيد يا رفيق، ولو كان مؤقت، بيساعدنا على ترتيب أفكارنا على رواق لفترة.

  6. الدُب · فبراير 28, 2012

    صحيح طوني وبيسمح انو ما نشوف اشيا بتسم البدن.🙂

  7. salimallawzi · فبراير 29, 2012

    اوعك تلعب بعقلي وتخليني طفيه هههههه ! عم بسترزق من وراه انا !! جميل يا انطون عم تابع الاجزاء تشوف لوين بدنا نوصل معهم

  8. تنبيه: المصحّ الكبير: هل يعزز الفايسبوك الإدمان، نقص الانتباه وخزعبلات نفسيّة أخرى؟ (12) « نينار
  9. تنبيه: هل يصنع الفايسبوك الثورات؟ إشكاليّات الفايسبوك كأداة سياسيّة (33) « نينار
  10. غير معروف · فبراير 25, 2013

    أول ثلاثة أيام بلا فيسبوك قضيت الوقت المخصص للفيسبوك في القراءة عن علم النفس الاجتماعي, شكرا طوني أشعر أنني أنجزت شيئ مهم, كيف نسينا ذلك الشيء الجميل الذي نسميه كتاب!! D:

    • Tony Saghbiny · فبراير 26, 2013

      انا اكتشفت نفس الموضوع حين أغلقت حسابي صديقي!🙂
      سلامي

التعليقات مغلقة.