المصحّ الكبير: هل يعزز الفايسبوك الإدمان، نقص الانتباه وخزعبلات نفسيّة أخرى؟ (1\2)

...

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: العيش كصورة، كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

برمجة موقع الفايسبوك تقوم كما سبق وقلنا على تشجيع المستخدم على البقاء لأطول فترة ممكنة في تصفّح الموقع؛ هو يشجّعنا على أن نكون على اتصال دائم به، سواء كنا في المنزل، في العمل، على اللابتوب أو على الهاتف. وكما يعلم الجميع، أي شيء يستطيع أن يأخذ هذا الكمّ الهائل من وقتنا وانتباهنا يتحوّل إلى مشكلة، أو يكون لديه على الأقل نتائج سلبيّة كبيرة. كنّا قد تحدّثنا في مقالات سابقة عن تأثير الفايسبوك على العلاقات الاجتماعية، عن تأثيره على السعادة، عن تأثيره على الوقت والانتباه، وعن تهديده للخصوصية، لكن اليوم سنتحدّث عن مجال تأثير آخر يطاله الفايسبوك: تعزيز الميول النفسيّة السلبيّة التي تتحوّل أحياناً إلى مشكلات جدّية.

المثال الأوّل الذي يحضر إلى ذهننا من هذه الناحية هو مشكلة الإدمان الالكتروني، ولعلّ المواقع الاجتماعية مثل الفايسبوك هي نوع جديد من الإدمان لم يألفه علم النفس سابقاً. خلال العامين الماضيين كانت مؤسسات علم النفس حول العالم تناقش ما إذا كان يجب إضافة “إدمان الفايسبوك” إلى النسخة الخامسة من الدليل الرسمي لتشخيص الاضطرابات النفسيّة المعروف باسم Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders، التي يُفترض أن تصدر في العام 2013.

حين نلقي نظرة إلى العوارض المعروفة للإدمان المَرَضي، نرى أن معظمها ينطبق على جزء لا يستهان منه من مستخدمي الفايسبوك، وهي:

– عدم استعمال المادة (مثل الامتناع عن الدخول إلى صفحة الفايسبوك) يؤدّي إلى حالة من التوتّر أو تغيّر المزاج.

– الحاجة باستمرار إلى قضاء وقت أطول أو استعمال المزيد من المادّة للحصول على نفس نسبة الإشباع (مثل رفع معدّل الوقت المخصص لاستخدام الفايسبوك أو معدّل النشاط عليه).

– من عوارض الإدمان أيضاً وجود صعوبة كبيرة بالنسبة للمدمن أن يقلع أو يوقف استخدام المادّة إرادياً ولو لفترة محدودة.

– الأنشطة الاجتماعية والترفيهية للمستخدم تصبح متمحورة بشكل متزايد حول المادّة الإدمانيّة.

– الإستمرار باستخدام المادّة حتى ولو أصبح استخدامها يؤثّر بشكل سلبي مباشر على الحياة المنزليّة أو الدراسة أو العمل (مثل إيقاف الدراسة من أجل استخدام المادة، الاستيقاظ ليلاً لاستخدامها، الخروج من العمل لاستخدامها، تحوّل المادّة إلى النشاط الترفيهي المفضّل).

طبّياً، يكفي توافر ثلاثة من أصل الشروط الخمسة المذكورة آنفاً لكي يُشَخَّص أحدهم على أنّه مدمن. وحين نفكّر بالأمر، نجد أن معظمنا، ومن ضمنهم كاتب هذه السطور، عانينا في مرحلة ما من الإدمان على الفايسبوك.

لكن الأمر لا يقف هنا؛ الإدمان على الموقع قد يترافق لدى البعض مع عوارض لمشكلة أخرى هي الوسواس القهري Obsessive Compulsive Disorder OCD. الغالبية الساحقة من الناس لديها اهتمام زائد بأمر ما يلامس الوسواس مثل النظافة والترتيب، الأمن الشخصي، التحقّق من البريد، التحقّق من السيّارة، التحقّق من وصول الأولاد للمدرسة…ألخ. وهذه كلّها اهتمامات طبيعيّة. لكنها تصبح وسواساً قهرياً حين تصبح الفكرة مهيمنة على عقولنا لدرجة أنها تصبح قادرة على دفعنا لتكرار أفعال “غريبة” مراراً وتكراراً مرتبطة بالوسواس. مثلاً، من الطبيعي أن يقلق أي شخص في لبنان على سيارته من السرقة والحوادث، لكن ذلك يتحوّل إلى وسواس قهري حين تصبح هذه الفكرة مهيمنة على ذهن أحدهم لدرجة أنه ينزل من عمله ثلاث مرّات في اليوم ليتفقّد السيارة، ويوقف دراسته كل ربع ساعة لينظر إليها من النافذة ويطمئنّ، ويخرج من المطعم من لقاء مع الأصدقاء ليتفقّدها، كما أنه يستيقظ ليلاً ليتفقّدها، أكثر من مرّة أحياناً. هذه نسخة متطرّفة من الوسواس القهري، لكن يكفي أن نستبدل كلمة “السيّارة” في المثال المذكور بكلمة “فايسبوك” لنكتشف كم يلامس الفايسبوك الوسواس القهري لدى العديدين. فكم من مرّة نفتح الصفحة ونتأمّلها، ثم نغلقها لنعود ونفتحها بعد خمس دقائق حتى ولو كنّا نعلم أنه لا يوجد أي حدث جديد؛ وكم من مرّة ننسحب ذهنياً من لقاء مع الأصدقاء ونوقف عملنا وربّما نستيقظ ليلاً لنتفقّد الفايسبوك؟ هذه هي عوارض وسواس قهري.

ظاهرة أخرى يعزّزها الفايسبوك قد تتحوّل مع الوقت إلى مشكلة جدّية هي مسألة الانتباه القصير الأمد short attention span. هذه مشكلة تعزّزها كل التكنولوجيات التي ترتكز على وتيرة سريعة من التغيّر، وهنالك اليوم دراسات عديدة حول ما إذا كان ذلك يؤدّي إلى تزايد اضطراب نقص الانتباه Deficit Disorder Attention الذي يعاني منه عدد كبير من أبناء جيلنا وعدد أكبر من المراهقين والأطفال.
العوارض الرئيسية لاضطراب نقص الانتباه لدى البالغين تشمل:

– عدم القدرة على التركيز على أمر واحد لفترة طويلة (مثل قراءة كتاب، المشاركة في محادثة، الجلوس في اجتماع طويل أو حلّ مسألة رياضيّة).

– الملل السريع من معظم الأمور.

– الالتهاء المستمرّ والانتقال بسرعة من أمر إلى آخر أو القيام بعدّة أمور بنفس الوقت من دون التركيز على أمر واحد.

– صعوبة في إكمال الأعمال إلى النهاية، سواء كانت دراسة، عمل أم مشروع شخصي آخر.

– عدم القدرة على الاستماع، مقاطعة أحاديث الغير، ووجود صعوبة في تذكّر المحادثات والاتجاهات الجغرافية.

– عدم القدرة على الاهتمام بالتفاصيل ما يؤدّي غالباً إلى تسليم أعمال غير مكتملة أو فيها الكثير من الأخطاء.

– قدرات تنظيمية ضعيفة (تنعكس على ترتيب المكتب، المنزل والسيّارة).

– التأخّر الدائم عن العمل، المواعيد والمهل. في بعض الحالات القصوى، يتحوّل ذلك إلى نسيان كامل لبعض المواعيد والالتزامات والمهل.

– إضاعة الأشياء باستمرار، مثل الهاتف، المفاتيح، الفواتير، الملفّات…ألخ.

– التصرّف بسرعة قبل التفكير.

هنالك صعوبة في تقدير ما إذا كان الفايسبوك يعزّز حقاً هذه الاضطرابات وإلى أية درجة، الحسم العلمي في هذا المجال يحتاج لدراسات ميدانيّة أكبر ليست متوافرة بعد. ما يمكن أن نقوله من تجربتنا الشخصية المتواضعة، التي قد تعكس تجربة كثر غيرنا مع الموقع، هي أن الفايسبوك يعوّدنا على وتيرة سريعة من التغيّر تستوجب انتباهاً قصير الأمد وتركيز متعدّد ومجزّأ (منذ وجودي على الفايسبوك مثلاً، فقدت قدرتي تدريجياً على قراءة مقال طويل)، وهذا بدوره يقضم من قدرتنا على التركيز ويؤثر على مجالات كثيرة في حياتنا من دون أن ننتبه.

__________________

الجزء الثاني من المقال يُنشر الأربعاء المقبل على نينار

__________________

7 comments

  1. لاديني · مارس 12, 2012

    فعلاً..كثيرون يشتكون من هذه العوارض بكتابتها على فيس بوك نفسه دون أن يلاحظوا أنه سبب أو أحد المسببات حتى!
    تميز الموقع بإيقاع معين جاذب مسألة مفهومة..لكن انعكاسها على ذهن وسلوك صاحب الحساب بحيث يشبه ذلك الإيقاع شيء ملفت، أتخيل أن مؤرخي الجنس البشري بعد شي كم قرن قد يصنفون إنسان فيسبوكين..كإنسان الهوموسابين🙂
    للحديث بقية..

    • Tony Saghbiny · مارس 13, 2012

      على الأرجح أن إنسان الفايسبوك سيصنّف ضمن كائنات الزومبي يا صديقي :p

      • LuCa · مارس 14, 2012

        و أنا أولهم ..!

  2. Chami · مارس 12, 2012

    I believe Blackberries and all these new Smartphones and Androids are major problems as well, they provide the chance to constantly check FB wherever you go

  3. تنبيه: العيش كصورة: كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة « نينار
  4. تنبيه: هل يصنع الفايسبوك الثورات؟ إشكاليّات الفايسبوك كأداة سياسيّة (33) « نينار

التعليقات مغلقة.