ديناصورات الحكومة اللبنانية تحاول إخضاع الفضاء الالكتروني… مجدداً

الديناصورات مجتمعة في جلسة وزارية

طوني صغبيني

*

هذه ليست المرّة الأولى التي يخرج بها ديناصورات السياسة اللبنانية بقوانين ومشاريع قوانين واقتراحات قوانين وخبريّات وتبريرات وخزعبلات تهدف للحدّ من حرّية التعبير على الانترنت وإخضاع الفضاء الالكتروني لقبضتهم.

الفضاء الالكتروني اللبناني أثبت قدرته أكثر من مرّة على تغيير وقائع الأمور على الأرض، وفعاليّته هذه تجعل العلاقة بينه وبين السياسيين التقليدية علاقة ملتبسة وقائمة غالباً على عدم الثقة المتبادلة. لم يطل الأمر لتدرك بعض الأطراف السياسية أن التدوين يستطيع أن يكون سلاح قتاليّ في معركة اكتساب الرأي الشبابي، فحصلت المواجهة الأولى مع استدعاء أحد المدوّنين اللبنانيين ما عبّأ المدوّنين وأنتج تضامن واستنكار واسع أرّخ لما يمكّن أن نسمّيه الاحتكاك الأوّل بين الفضاء الالكتروني والسياسة التقليدية اللبنانية.

المعركة الثانية بين المدوّنين والمشرّعين اللبنانيين عام 2010 نجحت في إيقاف قانون خشبيّ معادي لحريات التعبير على الانترنت، لكن نسخ مختلفة من القانون أطلّت برأسها مجدداً في فترات مختلفة فيما بعد. والمواجهة المباشرة الثالثة بين المدوّنين وبعض أقطاب السياسة اندلعت إثر قيام الأجهزة الأمنيّة باستدعاء ستّ ناشطين الكترونيين لأسباب مختلفة أهمّها تعليقات لهم على الفايسبوك طالت رئيس الجمهورية ميشال سليمان. المعركة التي لحقت الاستدعاءات الأمنيّة أدّت إلى إطلاق سراحهم بشكل مبكر وإلى اكتشاف اللبنانيين أن رئيسهم خاض معركة طفوليّة تمثّلت خلاصتها في تحديد سعر هيبة الرئاسة بسبعون دولار فقط لا غير.

اليوم تلوح مشكلة جديدة في الأفق قوامها ما تفتّقت عنه مخيّلة وزير الإعلام الحالي وليد الداعوق. آخر اختراعات الداعوق هو مشروع قانون لتنظيم الإعلام الالكتروني يؤدّي، إذا ما تمّ تطبيقه فعلاً، إلى اغتيال الفضاء الالكتروني اللبناني وزجّ معظم المدوّنين الحاليين في السجون.

مشروع القانون المذكور “يحظّر نشر ما يمسّ بالآداب العامّة والأخلاق” (أي 90 % من محتوى المدوّنات اللبنانية وفقاً للسلطات السياسية والدينية التي ترسم في بلادنا حدود الآداب والأخلاق). كما أنّه يشنّ حرباً على إحدى ركائز الإعلام الالكتروني وهي التدوين المجهول إذ أنّه يستوجب من أصحاب المواقع تسجيل اسمهم الكامل وعنوانهم لدى وزارة الإعلام لقاء إيصال (المقصود “لقاء رخصة”، إذا ماذا يحصل مثلاً إن اكتشف الدرك أنه هنالك مدوّن لا يملك إيصالاً وفقاً لهذا القانون؟). وكلّ مدوّن يعلم أنه حين تطلب حكومته تزويدها بعنوانه واسمه الكامل، فالهدف ليس حمايته بقدر ما هو تسهيل اعتقاله إن دقّت ساعة الحساب.

القانون يتضمّن أيضاً مواداً سخيفة كاشتراطه على صاحب الموقع “ألا يكون مديراً مسؤولاً لأكثر من موقع الكتروني واحد”. وهنالك مواد في القانون تخضع “العاملين في المواقع الالكترونية الإعلامية” لقانون المطبوعات والقوانين التي تطبّق على الصحفيين، مع العلم أن الغالبية الساحقة من المدوّنين ليسوا “عاملين في مواقع الكترونية” ولا يمكن أن ينطبق على مدوّناتهم قانون المطبوعات لأسباب لا تحصى، ليس أقلّها أن معظم المدونات مسجّلة في مواقع أجنبية مثل ووردبرس وبلوغر التي لا تخضع للقانون اللبناني في الأصل.

المدوّنون اللبنانيون متنبّهون للخطورة التي يطرحها القانون على حرّياتنا. المدوّن خضر سلامة كتب في الأخبار أن “تشريع القمع هو الميزة الأساسية لهذا القانون”. كذلك فعل مصطفى حموي في “ربيع بيروت”، الذي فنّد بنود القانون واعتبره “هجوم مباشر على الانترنت الحرّ يستعمل الحكومة اللبنانية كأداة”، و”عصا تريد أن ترفعها الحكومة كلّما احتاجت لتأديب مثيري الشغب”.

ونحن نضيف أن هذا القانون لن يكون بالتأكيد المحاولة الأخيرة في هذا الاتجاه إذ أنه هنالك على ما يبدو عدّة أطراف في الحكم اللبناني تفهم جيداً أن الإعلام الالكتروني يمكن أن يتحوّل لمطرقة تستطيع أن تفتح كوّة في جدار أو أن تسمّر نعش حركة تغييرية ما. هذه الخلاصة يدعّمها سلوك أطراف معروفة في الحكم دفعت أكثر من مرّة لتشريع قانون الانترنت وتمريره في أوقات الفراغ السياسي. الأطراف نفسها قد تكون وراء إنشاء المكتب الأمنيّ الخاص التابع لأحد أجهزة الدولة الذي يراقب المدوّنات والمواقع والمنتديات السياسيّة اللبنانية بنشاط منذ أواسط العام 2010 على الأقلّ. كذلك هنالك حديث عن أنّ أحد الأحزاب الكبرى مستاء أو على الأقلّ متوجّس جداً تجاه الحالة الفكرية والسياسية السائدة على الفضاء الالكتروني في لبنان منذ تظاهرات “حملة إسقاط النظام الطائفي” في العام 2011، خاصة أن وحدة الإعلام الالكتروني التابعة له لم تنجح على ما يبدو في تقزيم الأصوات المؤثرة والمعارضة أو المناقضة لفكره على الانترنت.

في جميع الأحوال يبقى أن القانون المذكور وُلد ميتاً، فهو سخيف وغير قابل للتطبيق لا على المستوى القانوني ولا على المستوى التكنولوجي. وحتى في حال نجاح الحكومة في تمرير قانون مشابه في المستقبل، فهو قد يكون في الواقع أفضل ما حصل لحركة التدوين اللبنانية وأسوأ ما سيحصل للديناصورات. إقرار هكذا قانون سيدفع عدد كبير من المدوّنات “إلى النزول تحت الأرض” وسيجذّر راديكاليتها واحتقارها للسلطة السياسية ويرفع من نبرتها تجاه أقطاب الحكم. حين يتحوّل فعل التدوين إلى فعل عصيان، سيرتفع عدد قرّاء المدوّنات بشكل دراماتيكي وعلى الأرجح أن كل هذا الوضع سيجّع عدداً إضافياً من الناشطين والشباب للتحوّل بدورهم إلى مدوّنين. النتيجة في كافة الأحوال هي سلبيّة لديناصورات السياسية اللذين سيستيقظون كلّ يوم ليقرأوا مع قهوتهم الصباحية باقة جديدة من الشتائم والمقالات النقديّة على عشرات أو مئات المدوّنات.

هذا لا يعني أنه يجب أن نرتاح ونكتّف أيادينا، فمعركتنا معهم لا تزال في بدايتها؛ صحيح أن عقول الديناصورات صغيرة، لكن أنيابهم طويلة…

3 comments

  1. Hanibaael · مارس 13, 2012

    يبدو انو حملة ترويض الديناصورات لازم ترجع تتفعّل!

  2. تنبيه: Beirut Spring: Let’s Work Together to #StopLIRA
  3. القط · مارس 14, 2012

    الأمر نفسه نراه في عدد كبير من الدول، غربًا أو شرقًا. الأنظمة تحاول تحت حجج عديدة (مكافحة القرصنة، إستغلال الأطفال، الأخلاق العامة، …) أن تقيّد الحرية المتاحة على الشبكة و جعلها تحت سلطتها (كما هو الحال في الوسائل الإعلامية الأخرى كالتلفزيون و الصحف التي أصبحت معظمها في يد عدد صغير من الشركات أو الأشخاص).
    يجب أن ينتصر الشعب في معركة الحرية، ضد الأنظمة، ضد السلطات السياسية أو الدينية أو غيرها، ضد التيارات المتطرفة سياسيًا أو إقتصاديًا.

التعليقات مغلقة.