المصحّ الكبير: هل يعزز الفايسبوك بعض الخزعبلات النفسيّة؟ (2\2)

ا

...

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: العيش كصورة، كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

النرجسيّة هي ظاهرة أخرى يعزّزها الفايسبوك. عبقرية الفكرة التي صنعت فايسبوك تكمن في أنه يشبع رغبة أساسية موجودة في أعماق كل إنسان: الحصول على الاهتمام. كل الموقع مصمّم لكي يعطينا الإنطباع أنه يدور حولنا نحن فقط: إنه مكوّن من صورتنا، أصدقاؤنا، عملنا، إنجازاتنا وأفكارنا نحن وحتى الإعلانات هي موجّهة خصيصاً وفقاً لتفضيلاتنا، وكلّ ذلك مدعّم بعشرات اللايكات والتعليقات التي تشعرنا باستمرار أننا مركز الاهتمام.

هذه الطريقة تعزّز التقدير الذاتي وذلك أمر إيجابي جداً في زمن يقوم على تحطيم الذات. الفايسبوك من هذه الناحية قد يكون أداة إيجابية إذ إنه يساعد الكثيرين حول الكوكب على اكتشاف قيمتهم وأهميتهم الذاتيّة بطريقة لم تكن متاحة لهم من قبل في وسطهم الاجتماعي، وهذه نقطة يجب أن نعترف فيها. لكن هنالك خيط رفيع يفصل بين تعزيز التقدير الذاتي وتعزيز النرجسيّة.

النرجسيّة عبارة تستعمل أحياناً للحديث عن شخص يحبّ ذاته، لكنّ حبّ الذات أمر إيجابي وصحّي. لذلك، ما نقصده بالنرجسيّة هنا هو التعريف النفسي لها، أي الانغماس في حبّ الذات لدرجة تؤثر سلباً على علاقتنا مع أنفسنا ومع الآخرين. الجانب السلبي من النرجسيّة يتمثّل في الهوس بالذات، الأنانية، الغرور، الشعور الزائد بالعظمة وتقديم الانجازات الفرديّة على أنها إنجازات عظيمة غير مسبوقة، إنشاء علاقات استغلالية، عدم الاكتراث تجاه مشاعر الآخرين أو فهم حقيقة مشاعرهم، الحاجة باستمرار لتلقّي التقدير والثناء من الآخرين أو عدم الاكتراث على الإطلاق بآرائهم، عدم القدرة على تقبّل النقد، الغيرة من انجازات الآخرين…ألخ.

في بعض الحالات، حين تزيد شدّة هذه العوارض، تتحوّل النرجسيّة إلى اضطراب في الشخصيّة معروف باسم Narcissistic Personality disorder وهي من أصعب الاضطرابات النفسيّة في العلاج.

مساهمة الشبكات الاجتماعية في تصاعد ظاهرة النرجسيّة هو أمر لاحظته العديد من الدراسات خلال العامين الماضيين. هنالك دراسة في جامعة بريغهام في بريطانيا خلصت إلى أن تحديث ستاتوسات الفايسبوك باستمرار يشير إلى أن الشخص لديه ميول نرجسيّة قوية، وتحديداً ما يسمّى النوع “الضعيف” من النرجسيّة حيث أن الشخص يسعى باستمرار للحصول على التقدير والموافقة من الآخرين.

هنالك دراسات أخرى في هذا الاتجاه نوقشت في كتاب البروفيسور جان توينج بعنوان “آفة النرجسية: العيش في زمن الامتياز” The Narcissism Epidemic: Living in the Age of Entitlement. يقول توينج في خلاصة كتابه أن

“بنية الشبكات الاجتماعيّة بحدّ ذاتها تكافىء مهارات النرجسيّ مثل الترويج للذات، اختيار الصور التي تمدح الذات وامتلاك العديد من الأصدقاء واللايكات”.

هنالك مسألة أخرى نتساءل ما إذا كان الفايسبوك يعزّزها على الأمد البعيد وهي ما إذا كان الفارق بين الشخصيّة الالكترونية التي نقدّمها على الفايسبوك والشخصيّة الحقيقية التي نعيشها في الحياة يعزّز نوع من الفصام الحقيقي على أرض الواقع. على الأرجح أن طلّاب علم النفس اللذين يقرأون هذا المقال قد فهموا لماذا التساؤل هذا موجود في حالة تعتبر نادرة جداً. بعض الحالات النفسيّة التي قد يؤثّر الفايسبوك عليها (لكن لا يمكن تأكيد ذلك قبل دراسة ميدانيّة علميّة)، تحاكي المؤشرات التي يُعتمد عليها لأخذ الاضطراب الفصاميّ بعين الاعتبار، مثل:

– وجود اختلاف كبير بين الشخصيّة الداخلية التي يشعر بها الشخص وبين الشخصيّة الخارجية التي تظهر للآخرين.

– وجود صعوبة في التعبير عن المشاعر، خاصة حين التواصل وجهاً لوجه مع الآخرين.

– البرود العاطفي، تجنّب العلاقات الحميمة، أو خلّو العلاقات الاجتماعية من الحميميّة.

– عدم القدرة على الاستمتاع (الأشخاص المصابون بالفصام ليس لديهم القدرة أحياناً على تسميّة نشاط واحد يجلب لهم المتعة).

– عدم القدرة على التركيز على أهداف طويلة الأمد في الحياة.

هذه العوارض عامّة جداً وتنطبق على عدد كبير من الأشخاص العاديّين لأنها ليست العوارض التي تستعمل للتشخيص، هي فقط إحدى المؤشرات النفسيّة التي تدقّ ناقوس الخطر حول احتمال تطوّر الحالة النفسيّة إلى حالة فصاميّة (الفصام Schizoid personality disorder الذي نتحدّث عنه هنا هو أمر مختلف عن “الانفصام في الشخصية” Schizophrenia . الإنفصام مرض نادر جداً وشروطه صعبة، لكن الفصام قد يكون مرحلة أولى تجاهه). نحن لا نعلم إذا ما كانت الشبكات الاجتماعية كالفايسبوك تعزّز ميول فصاميّة ناتجة عن الاختلاف بين الشخصيتين الداخلية والخارجية، البرود العاطفي، تجنّب الحميميّة ووجود صعوبة في التعبير عن المشاعر، أو أنها فقط تظهر هذه الصفات على السطح أكثر من أيّ وقت مضى. في جميع الأحوال، يبقى ذلك موضوع جدير بالبحث.

كل ما سبق لا يهدف للقول أن كل مستخدمي الفايسبوك لديهم اضطرابات ذهنيّة ونفسيّة، كما أنه لا يهدف للقول أن الفايسبوك هو سبب تزايد هذا النوع من الاضطرابات لأن أي خلاصة في هذا الشأن تحتاج لدراسات ميدانية لا تقع ضمن نطاق معرفتنا. لكن من المفيد أن ننتبه كيف أنه هنالك العديد من الميول والعادات الذهنيّة والنفسيّة السلبيّة التي يعزّزها الفايسبوك، ويجب بالتالي أن ننظر إليه بعين نقديّة وأن نكون متيّقظين تجاه هذه العوارض لأنها تشكّل الخطوة الأولى نحو اضطرابات حقيقيّة (خاصة فيما يتعلّق بالإدمان واضطراب نقص الانتباه).

لا نعلم ما إذا كان الفايسبوك يساهم في تحويلنا إلى مصحّ كبير أم أننا كنّا نعيش في مصحّ كبير في الأصل والفايسبوك أخرج ذلك إلى العلن فحسب؛ في الحالتان، وضعنا كبشريّة في زمننا الحالي مثير للاهتمام!

____________________

الإثنين المقبل على مدوّنة نينار: الطاغية أيضاً يستخدم الفايسبوك (الفايسبوك والنشاط السياسي)

____________________

3 comments

  1. تنبيه: العيش كصورة: كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة « نينار
  2. AyhamK · يونيو 26, 2012

    صراحة ما عم اشبع من هالمقالات عن هالمواضيع وعم اتمنى ما تخلص ..
    شكرا الك كتير.
    أيهم, سوريا.

    • Tony Saghbiny · يونيو 26, 2012

      يا أهلا وسهلا أيهم! هالمقالات من واقعنا صديقي
      سعيد انها نالت اعجابك
      سلامي

التعليقات مغلقة.