هل يصنع الفايسبوك الثورات؟ إشكاليّات الفايسبوك كأداة سياسيّة (1\3)

...

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: العيش كصورة، كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

ظهور الفايسبوك وغيره من أدوات الإعلامي الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة سبّب الكثير من الحماس في قلوب الناشطين السياسيين والمدنيين والبيئيين؛ الموقع الأزرق أعطى للأفراد ما لم تعطيهم إياه أية أداة إعلامية أخرى في التاريخ: صوت مرتفع وفرصة متساوية مع جميع السكّان الكوكب لإيصال هذا الصوت. بروفايل واحد على الفايسبوك يمكن له في يوم واحد أن يوصل صوته إلى عدد من الناس يفوق عدد اللذين قرأوا البيان الشيوعي لكارل ماركس خلال العقدين الأوّلين لنشره في القرن التاسع عشر.

الإعلام الاجتماعي ومنه الفايسبوك حوّلنا من مستهلكين للإعلام إلى صنّاع له، من جهة متلقيّة إلى جهة فاعلة. صناعة الرأي العام في عصر الإعلام الاجتماعي لم تعد مجرّد ملعب خلفي لعمالقة السياسة والمال. بعض المفكّرين الغربيين يتعاملون مع الإعلام الاجتماعي كأنه رسول منتظر للديمقراطية، وبعض الناشطين ينظرون إليه كأنه هبة من الآلهة لنصرة قضاياهم. لكن، رغم ذلك كلّه، هنالك إشكاليات حقيقية تقف بصمت خلف كلّ هذا الحماس: فهل الأفراد باتوا حقّاً صنّاع الرأي اليوم أم هو “المجموع” الذي قد لا يقلّ سطوة واستبداداً عن الحكومات وعمالقة الإعلام التقليدي؟ هل يساعد الإعلام الاجتماعي حقاً على صناعة رأي عام أم هو عامل يؤدّي إلى شرذمته وشلّه أمام الاستحقاقات المهمّة؟ وهل الإعلام الاجتماعي هو نصير طبيعي للقضايا الإنسانية أم يمكن أن يكون عامل مؤخّر لها؟ وهل يساعد الإعلام الاجتماعي حقاً على الوصول إلى عدد أكبر من الناس أم أنّه يخلق نوعاً جديداً من الناشطين الكسولين اللذين ينتقلون من قضيّة لأخرى كأنهم يغيّرون قصمانهم؟

 * * *

الإعلام الاجتماعي ومشكلة السلطة اللامرئية

الفايسبوك قد يكون فعلاً أعطى صوت أكبر لمن لم يكن لهم صوت في السابق، وسمح لهم بالوصول إلى عدد أكبر من الناس. لكن في رأينا المتواضع، الفايسبوك هو أيضاً أداة وضعتنا بشكل مباشر تحت هيمنة سلطة المجموع وقلّصت الرأي الفردي إلى حدود ضيّقة.

يكفي أن نتابع أنماط التفاعل الالكتروني في أيّة قضية لنرى كيف تتصرّف سلطة الجموع لتهيمن على الرأي العام في هذا الموقع. عند أي حدث يراه “المجموع” مهماً، لا يستغرق الأمر ساعات معدودة لتبدأ عمليّة قصف عقولنا من قبل الأصدقاء والغرباء، بالمقالات واللينكات والصور والفيديو، على امتداد أسابيع أحياناً، وحيث أن معظم المواد تكون بنفس الاتجاه السياسي أو الفكري. أمام هذا الفيضان المعلوماتي الهائل، معظمنا لا يملكون الخيار أحياناً سوى بالتحوّل إلى مساهم في بثّ نفس المضمون، أو بالتجاهل التام للمسألة الذي يخفي معظم الأحيان اختلافاً في الرأي لا نجرؤ أن نعبّر عنه علناً.

من جهة أخرى، تعامل “المجموع” مع “المتمرّدين” على الفايسبوك لا يختلف قسوة عن تعامل الإعلام التقليدي مع منشقّي الرأي، خاصة في المسائل الحسّاسة. كم من مرّة مثلاً امتنعنا عن الإدلاء بآرائنا الصريحة في مجالات الدين والسياسة والقضايا الاجتماعية على الفايسبوك خوفاً من ردّة فعل العائلة أو الأصدقاء؟ كم من مرّة هوجم أصحاب الرأي المختلف في المواقع الاجتماعية بشكل قاسي لمجرّد تعبيرهم عن رأي مختلف؟ كم من مرّة امتنعنا عن التعبير عن معارضتنا لدكتاتور عربي أو عن توجّسنا من ثورة قائمة، خوفاً من التعرّض للعزل أو “التأديب” الالكتروني؟

هذه السطوة لا تقتصر فقط على قدرتنا على التعبير عن رأينا بحرّية بل تشمل في أحيان كثيرة مشاعرنا وقدرتنا على تكوين رأي مستقلّ خاص بنا. فكيف يمكن لنا تكوين رأي مستقلّ إن كانت عقولنا وعواطفنا تقع تحت هيمنة مئات الستاتوسات واللينكات ذات الاتجاه الواحد الصادرة عن عشرات ومئات الأصدقاء يومياً؟

ديناميات ما نسميّه “سلطة المجموع” على الفضاء الالكتروني تحتاج لدراسات مطوّلة لكي نفهم الطريقة التي تؤثر بها على صناعة الرأي العام، لكن بجميع الأحوال، إن مجرّد وجود هذا النمط من السلطة اللامرئية يعني أنه من المبكر الحديث عن أن الفايسبوك حرّر الرأي العام من سطوة الواقع السياسي والاجتماعي وأعطى السلطة للأفراد.

في العديد من الأحيان، نرى أن الإعلام الاجتماعي يُستخدم بفعاليّة لتعزيز أجندة الحكومات والقوى الاجتماعية المحافِظة تماماً كما يُستخدم لمصلحة القضايا التحرّرية. الجيش الالكتروني السوري مثلاً تم استخدامه بنجاح لفترة طويلة للتجسّس على المعارضين، التحرّش بهم الكترونياً، والدفاع الإعلامي عن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها نظام الأسد. الصفحات على الفايسبوك التي تدعو صراحة لقتل مدوّن ملحد يبلغ عدد أعضاؤها أحياناً عشرات الآلاف. الأحزاب والجمعيات الدينية المتشدّدة تستخدم الفايسبوك بفعاليّة أكبر من الليبراليين واليساريّين للوصول إلى ملايين الناس وفرض سطوتهم الفكرية والدينية على الفضاء الالكتروني. خلال فترة التوتّر السياسي التي سادت على لبنان بين عامي 2007 و2009 كان هنالك آلاف الشبّان على صفحات على الفايسبوك تشجّع على الحرب الأهلية وتمجّد قتل الجيران لبعضهم البعض.

الفايسبوك من هذه الناحية يبدو كأنه أسلوب جديد في الهندسة يفتح أبواب جديدة في مدخل المبنى بشكل يوحي أن البناء واسع، ثم يدخل المرء ليكتشف أن المكان في الداخل ضيّق ومزدحم. وحين يرفع المرء صوته اعتقاداً منه أن ما بين يديه هو وسيلة تعطيه صوت، سيجد أن صوته غير مسموع في زحمة آلاف الأصوات الأخرى التي تعتقد الأمر نفسه وتصرخ من نافذتها الالكترونية في الوقت نفسه. وحين ينظر حوله معتقداً أنه لن يجد سوى ناشطين تقدّميين ذوي حسّ إنساني مرهف، سيجد أن المكان يفيض بالطائفيين والشبّيحة والمتشدّدين الدينيين وكل أنواع القوى الرجعيّة التي اعتقدنا مرّة أنها تنتمي لكتب التاريخ. وحين ينقر زرّ ما معتقداً أنه يدفع قضيّته خطوة للأمام، سيجد “جيش الكتروني” في وجهه ينقر زرّ معاكس. أما حين يتجرّأ ويكتب رأياً يعارض فيه رأي غالبية مواطني الفايسبوك، فسيجد نفسه عرضة للتأديب والتوبيخ والتهديد، وقد يستيقظ ليرى عنوان منزله منشور على صفحات النت لكي يقوم القيّمون على السياسة أو الدين بواجبهم… هذه هي سلطة المجموع؛ يبدو أن الإعلام الاجتماعي هو في نهاية المطاف مجرّد انعكاس سيّء للمجتمع، وليس قوّة تقدمّية خارجة عن حدوده.

_________________

غداً على مدوّنة نينار في نفس السلسلة: مشكلة تشتيت الرأي العام… والطاغية حين يستخدم الفايسبوك

_________________

3 comments

  1. تنبيه: العيش كصورة: كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة « نينار
  2. Rita · مارس 19, 2012

    بالنسبة للتأديب .. هاي القصص بتصير برا حدود الانترنيت كتير كمان. بالواقع في ناس ما فيها تحكي اللي براسها غير عن طريق المواقع الاجتماعية (و هاي مشكلة تانية لحالها… في عالم بتسكر الفيس بوك من هون و بترجع حياتهم طبيعي. ممكن تدعي عالم لمظاهرة و تأكد على اهميتها و تقنع حالك انو عملت الي عليك و ما تروح عالمظاهرة نفسها متلا).
    منرجع لموضوعنا ، يمكن “التأديب” بيصير على نطاق اوسع عالانترنيت لانو الحكي بيوصل لشريحة اوسع من الناس. يعني انت مش بالضرورة بتعيد كل نظرتك للحياة لكل واحد بتعرفو (بتشوف ابن الجيران بتكرلو كل توجهاتك .. بتشوف ستك بتعيد الديباجة ..) بالوقت الي لما تحكي كلمة ما عالفيس بوك بتوصل كل هالبشر مرة وحدة.. و بيبلش التأديب من كل الاطراف .. و خدلك عاد😀

    شو كمان يا ريتا؟ الفيس بوك المفروض انو يعكس المجتمع. المجتمع هوي انا و انت و هيي و كلياتنا. اذا ما عكسنا بيكون مشكلة نظامي. بيصير عندك مجتمع مفصوم .. عندو قيم بيعيش فيها و قيم تانية بيحكي فيها. بيجوز يكون في درجة ما من الانفصام هلا ما بعرف .. هاي بدها مخمخة😀. و هاي بعتقد مشكلة اكبر من اكتشاف انو الفيس بوك هوي انعكاس للمجتمع.

    • Tony Saghbiny · مارس 20, 2012

      هيدي الجملة بتعليقك “في عالم بتسكر الفيس بوك من هون و بترجع حياتهم طبيعي. ممكن تدعي عالم لمظاهرة و تأكد على اهميتها و تقنع حالك انو عملت الي عليك و ما تروح عالمظاهرة نفسها متلا”، بتخبّر كتير اشيا. يعني أوقات كتير بقعد بسأل حالي شو معقول يكون تأثير هيك شي على ثقافتنا السياسية، وهل مثلاً اذا صرنا مفكرين انو النضال هوي أونلاين قديش بيكونوا أعداءنا عم يستفيدوا؟

      شو كمان يا ريتا؟ :p هلق هوي المجتمع مفصوم نوعاً ما، على الأقل بمشاهداتي لحد هلق، انه فيه عندك أطنان من الناس هيي على الفايسبوك ربّ القضايا السياسية والإنسانية والبيئية وكل القضايا اللي بتخطر على بالك وهنّي بالحياة ما همّن شي من هيدا.
      بدها مخمخة هالقصص😀

التعليقات مغلقة.