هل يصنع الفايسبوك الثورات؟ إشكاليّات الفايسبوك كأداة سياسيّة (3\3)

اللافتة في الصورة تقول: إن كنت تريد أن تفعل شيئاً من أجل التغيير، عليك أن تنهض عن مؤخرتك وتفعل شيئاً

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: العيش كصورة، كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

الكل ناشط لكن لا أحد يحارب

يتم تبجيل الفايسبوك في أوساط الناشطين السياسيين والاجتماعيين على أنه يسهّل عملية التعبئة والتأثير ويوسّع مجالات الدعم الشعبي لقضاياهم، وهذا يحمل الكثير من الصحّة، لكنهم نادراً ما يناقشون أو ينتبهون لتأثيره على المدى البعيد على الثقافة السياسية بشكل عام. هذا التأثير يكمن في استبدال النشاط السياسي الحقيقي الذي يحقّق نتائج على أرض الواقع بضجيج الكتروني افتراضي لا يحقّق الكثير. ويمكن تلخيص هذا التحوّل بالكلمة الإنكليزية التي وُضعت لوصف النشاط السياسي الالكتروني: Slacktivism. الكلمة بالعربية تعني الكسل الذي يتنكّر على أنه نشاط سياسي. وهذا ما يشجّع عليه الفايسبوك.

اليوم لم يعد من الضروري أن نقرأ وأن نكوّن آراء حقيقية تجاه القضايا المهمّة وأن ننشط على أرض الواقع لكي نُوصف بأننا “ناشطون”، يكفي أن ننقر بضعة أزرار على الفايسبوك لكي نبدو كأن كل هاجسنا في الحياة هو إنقاذ العالم. على الفايسبوك، الجميع ناشط، لكن قلّة قليلة هي من تحارب فعلياً لقضاياها على أرض الواقع.

الكاتب إيفجيني موروزوف يلّخص النشاط المزيّف على الفايسبوك بشكل ممتاز. يقول في كتابه “وهم الشبكة: الجانب المظلم من حرية الانترنت”:

“العديد من مستخدمي الفايسبوك ينضمّون إلى المجموعات، لا لأنهم يدعمون قضايا محدّدة بل لأنهم يعتقدون أنه من المهم أن تتم رؤيتهم من قبل أصدقائهم الافتراضيين على أنهم يهتمّون بهكذا أمور. في الماضي، كان إقناع أنفسهم، وزملائهم، بأنهم ملتزمون فعلاً اجتماعياً وسياسياً لدرجة كافية لتحقيق تغيير حقيقي في العالم، يستوجب، في الحدّ الأدنى، النهوض عن كنباتهم. اليوم، الثوريون الالكترونيون يمكنهم البقاء على كنباتهم للأبد – أو حتى نفاذ بطارية الآي-باد – ورغم ذلك يُرون من قبل الآخرين على أنهم أبطال. في هذا العالم، لا يهم إن كانت القضيّة التي يحاربون من أجلها حقيقيّة أم لا إذ طالما أن إيجادها والإنضمام إليها أونلاين سهل، فهذا كافي. وإن كانت تبهر أصدقائهم، فهي جوهرة حقّة”.

هذا يفسّر لماذا مجموعات وصفحات الفايسبوك التي يبلغ عديدها عشرات آلاف الأشخاص، كالمجموعات اللبنانية المناهضة للنظام الطائفي، لا تستطيع جمع أكثر من بضعة عشرات في اجتماع عمل، وبضعة مئات في تظاهرة. وهذا منطقي، لأن الانضمام إلى مجموعة على الفايسبوك ليس لديه تبعات حقيقية على أرض الواقع، وكلفته صفر، أما الالتزام بقضية حقيقيّة فله عواقب كثيرة وكلفة عالية.

ذلك يأخذنا إلى مشكلة أخرى هي أن الشبكات الاجتماعيّة تعزّز فكرة “التظاهر” كغاية بحد ذاتها وتهمل التخطيط والتنظيم والعمل السياسي الطويل الأمد لمصلحة التعبئة الفورية. إحدى قياديّات الحركة المدنية في السبعينات في الولايات المتّحدة، أنجليا ديفيس، تصف هذه المشكلة في كتابها Abolition Democracy: Beyond Empire, Prisons, and Torture بالقول أن

“الانترنت هو وسيلة مهمّة، لكنّه أيضاً ربّما يشجّعنا على الاعتقاد أنه يمكنا أن ننتج حركات فوريّة، حركات تشبه نمط الفاست فود (وجبات الأكل السريعة)”.

الترجمة (بوستر ساخر): فلنظهر دعمنا للشعب المصري عبر قضاء المزيد من الوقت اليوم على الانترنت

الإعلام الاجتماعي من هذه الناحية يوهم الحركات التغييرية بأنها فعّالة فيما يقضم الكثير من فعاليّتها كلّ يوم، ويوهمها أنها تنجز فيما يحرمها من أساليب العمل التي تؤّهلها على إنجاز شيء، والأهم من ذلك كلّه أنه يحرم الحركات التغييرية حول العالم من الناشطين الحقيقيين المصهورين بالعمل التنظيمي على أرض الواقع ويستبدلهم بمستخدمي انترنت لا يقومون عن كنبتهم إلا حين تفرغ بطّارية اللابتوب.

 هذا لا يعني أن الفايسبوك لا يمكن استعماله كأداة فعّالة في القضايا السياسية والاجتماعيّة، لكن يجب الانتباه إلى أنه يمكن استعماله في الاتجاهين (ونتائجه على المدى البعيد تميل للسلبيّة): يمكن استعماله للتعبئة كما للتنفيس، يمكن استعماله لتحويل الشباب إلى ناشطين ويمكن استعماله لإعطاء الشباب إنطباع بأنهم أصبحوا ناشطين فيما هم لا يقومون بأي شيء حقيقي على أرض الواقع. وإن أضفنا إلى ذلك حقيقة أن الفايسبوك يشتّت الوقت والتركيز، يجهّل معرفة الناشطين بأهميّة خصوصيّتهم وأمنهم المعلوماتي، يعزّز نقص الانتباه والنرجسيّة ومشاكل أخرى، من الصعب أن نتخيّل أنه عامل إيجابي في إنشاء جيل محارب وملتزم ويعرف كيفيّة توجيه جهوده وتنظيمها. على الأرجح أن العكس صحيح.

 * * *

كلمة أخيرة

كل ما سبق لا يهدف للقول أنه يجب إجراء تغيير في الفايسبوك لجعله أكثر فعالية في القضايا الاجتماعية وأقل عرضة لهيمنة لسلطة المجموع، فهو في النهاية مجرّد موقع اجتماعي وترفيهي وهو أيضاً صورة عن المجتمع. لكن ما ذكرناه كافٍ لتنبيهنا إلى أنه من المبكر الحديث عن الفايسبوك على أنه خميرة التغيير الاجتماعي وفاتحة عصر حرّية الرأي والتعبير، فهو في العديد من الأحيان ذات تأثير عكسي؛ يمارس سطوة على رأي الفرد بدل أن يعطيه صوت، يشرذم الرأي العام بدل أن يصنعه، يعطي صوت مساوٍ للطاغية وللثائرين عليه، ويعطي المدمن الالكتروني صوت أعلى من أي شخص آخر على الموقع. الفايسبوك قد يساعد أحياناً على صناعة ثورة، لكنه أيضاً قد يجهضها قبل أن تولد.

_________________

الإثنين المقبل على مدوّنة نينار: كيف يمكن أن نخفّف من الفايسبوك من دون أن نلغيه؟ (نصائح عمليّة)

_________________