يوميّات أدونيّة: أبعادنا الأخرى التي لا تراها الشاشة

حين تحدّثنا عبر الهاتف للمرّة الاولى، قالت لي صديقة تحبّ اللون الرمادي، أنها تفاجأت بنبرة صوتي. حين سألتها عن السبب، قالت أنه حنون وهادىء بعكس ما توقّعته، وقد فاجأني قولها بطبيعة الحال. كنت أفكّر في ذهني، لماذا بحق الآلهة قد يتفاجأ أحدهم لوجود هكذا صفة بي؟

لم أعرف الجواب مباشرة، لكنني استنتجته فيما بعد حين قالت لي الصديقة نفسها أنها لم تعد قادرة على تحمّل قراءة ما أكتبه وخفّ التواصل بيننا منذ ذاك الوقت.

رغم كل أدوات التواصل المتطوّرة المتاحة لنا اليوم إلا أننا نرى بعضنا البعض من خلال نوافذ ضيّقة أكثر من أي وقت مضى؛ مدوّنة من هنا، فايسبوك من هناك، ورسالة أو اتصال أو لقاء سريع في مقهى، وفقط. لذلك نميل لأن نحكم على بعضنا البعض من خلال هذه النوافذ، لكن زجاجها غالباً ما يحجب عنّا حقيقة الآخر ويمنعنا عن رؤيته بشكل كامل. الصورة التي نرسمها عن الآخرين وفقاً لبضعة سنتيمترات مضيئة على شاشتنا تبقى ناقصة، لكننا نعتقد أحياناً العكس.

المقالات على مدوّنتي معظمها مقالات قتاليّة، تبدو للحظة كأنها تعلن الحرب على كثير من الأمور المظلمة في هذا العالم؛ نبرة معظم ما أكتبه هنا فيها تحدّ وغضب وألم وقتال، وفيها حبّ وشغف أيضاً. لذلك من الطبيعي أن يعتقد بعض الأصدقاء والقرّاء أنني كشخص، أشبه كتاباتي لدرجة أنهم لا يستطيعون تخيّلي إلا بصوت مرتفع جهوري غاضب، ويتفاجأون بالتالي حين يتضّح أنه هادىء ودافىء (حسناً هناك القليل من الدعاية الذاتيّة هنا :p). هم محقّون في أنني أشبه كتاباتي، لكن كتاباتي هنا هي فقط وجه واحد منّي كشخص، تماماً كما أن تعليقاتهم وكتاباتهم هي فقط وجه واحد منهم كأشخاص.

للأسف، على المدوّنة لا يوجد الكثير من المتّسع لمناقشة أمور شخصيّة، بعض الأمور كالعشق والاشتياق والألم واليأس والأمل، مكانها مع الحبيبة والأصدقاء والذات والكون الفسيح، لا على المدوّنة. بعض الأصدقاء يعتبرون أن عدم مناقشة المسائل الشخصيّة، ولو بنصّ أدبي، هو نقص واضح في مدوّنتي. وهذا رأي صديقة عزيزة تنصحني منذ فترة بكتابة نصوص شخصيّة. أستطيع أن أتفهّم تعبها ومللها أحياناً من النبرة القتالية الدائمة لما تقرأه هنا. فالحياة لا تقتصر على مواجهة الطغاة والشركات والأنبياء، تقول، وهي محقّة في ذلك.

لكن رغم العديد من المحاولات، لم أنجح يوماً في كتابة نصوص شخصيّة. وذلك لأنني أشعر بأن الاهتمام يجب أن يكون على الفكرة لا على الشخص الذي يكتبها، ولأنني أيضاً مجرّد إنسان (وفي أفضل الأحوال كاتب مغمور وناشط مجهول :D) ولست رئيس جمهورية أو عارض ملابس داخلية لكي يكون لدي عذر لشغل القارىء بأخباري الشخصيّة. وهنالك سبب آخر أيضاً؛ أشعر أنني أبرع أكثر في أنواع الكتابة التحليليّة، الإقناعيّة و”الخطابيّة”، لا الكتابة الأدبيّة. حين أكتب نصوص شخصيّة تكون النتيجة نصّ غير متماسك ولا هدف حقيقي منه، مثل هذا النصّ تماماً. لكن مهاراتي الإقناعيّة لم تنجح في إقناع تلك الصديقة بهذه الفكرة، وربّما هي التي أقنعتي في مكان ما وإلا لما كنت أحاول عبثاً في هذه اللحظة كتابة هذا النصّ.

المهم من هذا الكلام، أن ما أبدأه هنا الآن بعنوان “أدونيّات” (فلنعترف، هذا النوع من الأسماء شعبي هذه الفترة) هو ربّما يوميّات، وربّما أفكار مبعثرة من وحي يوميّاتي، أو مجرّد أفكار يتيمة لا يتّسع لها مقال جادّ. قد لا أكتب في هذه السلسلة سوى هذا النصّ الوحيد، وقد أكتب يوميّات يوميّة (اليوميّات هي يوميّة، هذا منطقيّ :D). لكن في جميع الأحوال، حتى وإن بلغت يوميّاتي ألف نصّ، يبقى أنها لن تكون كافية لتعبّر عن كامل أبعادي كإنسان لأن العمق الموجود في كل إنسان لا يمكن التعبير عنه بالكلمات – وهذا ينطبق علينا جميعاً. تويتر وفايسبوك وبلوغسبوت وكل العالم يريد منّا في هذا الزمن أن نختصر أنفسنا بصورة، بـ 140 حرف، أو بجملة واحدة، لكن هذا مستحيل، لأننا كبشر أكثر من ذلك بكثير، نحن كائنات مجبولة من مليون بُعد ولسنا شخصيّات كرتونيّة ثنائيّة الأبعاد كما يريدنا غوغل وخامنئي أن نكون (عدنا إلى سبّ الشركات والأنظمة يا صديقتي العزيزة).

لذلك كفكرة أخيرة على قمّة الأفكار المبعثرة أعترف أن الصديقة الأولى محقّة في استنتاج القليل من ملامحي من خلال كتاباتي، وهي محقة أن جزء منّي هو غاضب ومقاتل ومتألّم ومتحمّس ومغرور ومُحبطٌ حيناً ومفعم بالأمل حين آخر، أنا مجرّد إنسان في نهاية المطاف وهذه أجزاء منّي لا أنكرها. لكن هنالك أيضاً أبعاد أخرى مخفيّة قد لا تظهر في كتاباتي، ولعلّ هذه الأبعاد الخفيّة منّا هي التي تشكّل دائماً صلب حقيقتنا. الغضب والألم والنبرة القتالية كلّها صفات تخفي ورائها سمات أخرى من شخصيّتنا. في حالتي مثلاً، الغضب، هو الابن البكر لعشق هذا العالم، الألم، هو وليد حبّ طاهر لكل الأشياء الجميلة في الحياة، إرادة القتال، لديّ كما لدى كل مقاتل، هي دوماً إبنة إنسانيّتنا نفسها، والأمل، هو ثمرة إيمان لا يتزعزع بمستقبل معمّد بالنور والحريّة. لهذا السبب، إن الصوت الجهوري في مقالات مدوّن متواضع مثلي، هو صوت الحنان والدفء يرتفع حين يقصم برد العالم أجسادنا.

قد تقول صديقتي في هذه اللحظة أنني عدت للخطابات، وسأقول لها (كاذباً) أنها أفضل محاولاتي لكتابة شيء من يوميّاتي. في الحالتين، يا من تحمّلتم هذه المبعثرات حتى الكلمة الأخيرة، أقول لكم، بكلمات بسيطة، شكراً، وتصبحون على الكثير من الحنان، والكثير من الدفء🙂

16 comments

  1. Hanibaael · أبريل 4, 2012

    هههه
    حبيت هالنص! وشجعتني لاشيا اعملها😛

  2. Hanibaael · أبريل 4, 2012

    بس بهيدي الطريقة عم تبرهن انو “النق” طريقة فعّالة😛

    • Tony Saghbiny · أبريل 4, 2012

      ما هوّي متل ما بيقول المتل الشعبي: النقّ سلاح ، اذا عملت متل ما بدها الحرمة بترتاح😀

  3. william · أبريل 4, 2012

    حابب اتعرّف عليها بلّي خلّتك تعدّل (كرمال ما قول تغيّر P:) رأيك بشي من الاشيا.
    شكرلي ياها لأنو خلتني شوف عالنت شوي زغيري من أنطون اللي صرلي زمان مش شايفو بسبب الغربة.
    كاسك يا ابو الدفء والحنان

    • Tony Saghbiny · أبريل 5, 2012

      كاسك أبو الويل ، اشتقنا فعلا، يلا قربت : D

  4. عبير · أبريل 4, 2012

    إي ها! من زمان جود علينا بمتل هاي الإشيا😀
    بانتظار أدونيّاتك :*

    • Tony Saghbiny · أبريل 5, 2012

      وانا بانتظارها كمان :p

  5. jafra · أبريل 4, 2012

    بشجع هاد الشي ادون مساحتك الكاملة الك
    بس ولا مرة كانت مدونتك هي بس قتال دكتاتوريات وغضب ووجع
    هي دائما كانت الحب والثورة سوا
    ناطرين اكتر🙂

    • Tony Saghbiny · أبريل 5, 2012

      شكراً جفرا، هو جزء من اللي شجعني على الكتابة هيك هيي تدويناتك اللي فيها اشيا جميلة اكتر من هالتدوينة التعيسة هون🙂

  6. هنا · أبريل 4, 2012

    أنت رائع ..
    ارسل لك تحياتي من السعودية🙂

    • Tony Saghbiny · أبريل 5, 2012

      وأنتِ لطيفة هنا🙂
      شكراً إلك
      وتحياتي من بيروت

  7. Rita · أبريل 5, 2012

    احزر شو؟ انا ممكن اكتب اشيا شخصية و انشرها عالمدونة اوقات. ولكن من اسبوع كان لازم اكتب مقال عن الهوية و تشكليها و اخترت اني اكتب عن جدي كمثال و ابني على قصتو وجهة نظري.
    الحاصلة هلا الحكي صار كتير شخصي و كتير حميمي لدرجة اني حسيت انو قراية هالمقالة من شخص غريب الها تأثير المشي عاريا في شارع مزدحم كل الناس فيه لابسين شتوي.😀

    و هيك يعني ..

    • Tony Saghbiny · أبريل 5, 2012

      هاي هيي، عندي شعور مشابه لمن اكتب اشيا شخصية، يعني شعور المشي عاري بشارع مزدحم شي طبيعي ايه؟😀

      • Andalus · أبريل 5, 2012

        مش بس مقاتل و عدائي وانما سافر و منحل اخلاقيا”😀

  8. Hanibaael · أبريل 5, 2012

    تقريباً😀

التعليقات مغلقة.