لماذا صمت النبي النبطيّ؟

غلاف رواية النبطي

قراءة في رواية النبطي ليوسف زيدان

*

طوني صغبيني

*

“بالإله الواحد ذي الوجهين ، وبالصدق الأزلي أقول الحق. ما في الكون غير إبن وأم، فيهما كل أم وإبن. للإبن اشتياق وللأم حضن. ولهما الاستيلاد و الميلاد. إيل من اللات، جوهر كل الكائنات وأصل الصور الساعيات. الخامل في الرحم آمنُ، وكل ساكنٍ كامنٌ. فلا تسمع لمن استهان واستعلى ثم هان، فيا بني الإنسان، أوان ظهوري بالوجهين قد حان”.

النبي النبطي

*

بهذه الكلمات الجميلة يبدأ النبي النبطي الحديث عن رسالته في رواية يوسف زيدان التي تحمل لقبه على غلافها (الرواية صادرة عن دار الشروق في القاهرة، 2010 بعنوان “النَّبَطي”).

أحداث الرواية تدور في القرن السابع ميلادي وقت ظهور الإسلام وبداية انتشاره في جزيرة العرب والشام. يطلعنا زيدان على أحداث الرواية على لسان القبطيّة المصريّة ماريّة التي تزوّجت أحد التجّار الأنباط وانتقلت لتعيش معه في البادية قرب لسان الصحراء العربية.

عشيرة زوج مارية نبطيّة الأصل، وتسكن على أطراف الشام. والأنباط هم شعب عربي قديم سكن منطقة بادية الشام وشمال جزيرة العرب وشبه جزيرة سيناء. كان الشعب النبطي تاجراً ماهراً، متسامح اجتماعياً، وثني دينياً، وشجاع عسكرياً، وقد استطاع إنشاء مملكة مزدهرة لفترة قصيرة كانت عاصمتها المدينة الورديّة، البتراء، في الأردن. لكن بحلول القرن السابع، زمن أحداث الرواية، كان الأنباط قد أصبحوا مجرّد قبائل متفرقة لا قوّة لها، مشوشّة الهوية وممزّقة بين الانتماءات الدينية المختلفة، الوثنية، المسيحية، اليهودية والإسلام.

خلال الرواية، تخبرنا ماريّة قصّة النبي النبطي، وهو شقيق زوجها ويمتلك روحانيّته الخاصة المستمدّة من الوثنية القديمة.

تعاليم النبطي متسامحة تقوم على تقديس الأمّ الكونية الكبرى، اللات، وابنها الإله إيل. التوازن بين الذكر والأنثى هو أساسي في فلسفة النبطي الذي يؤمن بأن الأرواح تتقمّص مرّة في جسد ذكر ومرّة في جسد أنثى لكي تكتمل. يقول نبيّنا المنسيّ أن “العالم هو اللات وإيل”، وأن “المرأة والرجل وجهان لجوهر الانسان… باجتماعهما يكتمل معنى الانسان”. ما تبقّى من فلسفة النبطي يبقى لغزاً بالنسبة للقارىء لأن الجمل التي تنقلها مارية عن لسانه قليلة جداً، لكن مما يمكن أن نستنتجه أنها متناغمة لحدّ كبير مع الفلسفة الباطنية القديمة، خاصة مع وجود جمل مثل “لقد ابتدأ الوجود من اللات وهي التي ولدت إيل من غير زوج”، التي تعبّر عن جوهر الحكمة القديمة.

الرواية ككل تنقل التحوّلات السريعة التي كانت تعيشها منطقتنا في ذلك الزمن؛ حروب طاحنة بين الروم والفرس وصعود مفاجىء للعرب كقوّة عسكرية يشكّل الإسلام عمودها الفقري.

من المدينة الوردية، البتراء، في الأردن، عاصمة الأنباط القديمة وتحفة فنّية رائعة

لكن رواية زيدان هذه المرّة لم تصل إلى المستوى النقدي والروائي الذي خبرناه في روايته السابقة “عزازيل”. فمن الناحية الأدبية، تغرق الرواية في تكرار الكثير من التفاصيل الجغرافية بشكل يعطي الوصف الجغرافي تفوقّ سردي على وصف الأحداث والشخصيات. معظم شخصيّات الرواية باستثناء مارية بقيت مسطّحة وبالكاد استطعنا رسم صورة دقيقة لها من خلال الرواية، ولعلّ المظلوم الأكبر في هذا المجال هو النبطي الذي يبقيه زيدان صامتاً وشارداً في الأفق من بداية الرواية حتى نهايتها. لم يتحدّث النبطي سوى كلمات قليلة خلال الرواية، لم نعرف عنه وعن تعاليمه وحياته سوى القليل، وشخصيّته لم تبدو على أنها شخصيّة نبيّ بل بدا شخصاً حائراً ومنطوياً على ذاته وغير قادر حتى على إعطاء رأيه بالأحداث المصيريّة التي تحدث حوله.

أما في ما يتعلّق بمضمون الرواية، فعلى القارىء أن يكون متيقظاً جداً لكي يفهم ما يقصده زيدان بكلماته. النقد المباشر والقاسي للمسيحيّة في “عزازيل” استبدله زيدان بتلميحات خجولة ورسائل مبطّنة في نقد الإسلام. كما في عزازيل، يظهر في رواية النبطي الفارق الكبير بين الوثنية والأديان التوحيديّة؛ الوثنيون في الروايتان، هم متسامحون، يعطون المرأة حقوقها، يعملون في الفلسفة والعلم، وأخلاقهم صافية وقريبة من الأرض والفطرة الأولى. حين تعتنق بعض الشخصيّات في الرواية الإسلام، نرى تحوّل واضح في شخصيّتها من السلم والاعتدال نحو القسوة والتعصّب؛ زوج مارية مثلاً ينتقل من التاجر المسالم المحبّ لزوجته إلى تاجر حرب لا يفكّر سوى بالأرباح والنساء. وعميرو، الصبي الوادع، يتحوّل بعد إسلامه إلى شخص عدوانيّ. التحوّلات في شخصيّات الرواية هي واحدة من الكثير من الطرق الملتفّة التي يبدو أن زيدان اعتمدها في انتقاد الإسلام.

الرواية تتحدّث أيضاً عن سفك الدماء الذي قام به الرسول، مثل الإبادة الجماعية التي حصلت للقبائل اليهودية في المدينة والاغتيالات التي أمر بها محمّد بحقّ شعراء وزعماء قبائل. لكن كل هذه الأحداث تتم روايتها بطريقة سريعة جداً من دون أي تعليق من أي شخصيّة في الرواية عليها.

التعليق الوحيد الذي نسمعه من النبطي حول الإسلام كان عندما أتوا له بنسخة من القرآن، “فنظر إليها طويلًا، وجال ببصره في السهول البعيدة، ثم قام وهو يقول، وكأنه يحادث نفسه: يأتي بهذا، ويُسيل الدِّماء؟”. هذا أقصى ما وصل إليه النبطي في الرواية ليعود من بعدها إلى صمته المطبق الذي أودعه فيه زيدان حتى الصفحة الأخيرة.
وبالمقارنة مع عزازيل التي حوت عشرات الصفحات من الانتقاد والإدانة المباشرة للمسيحيّة والنقاشات الثيولوجية الحادّة حول أكثر الامور الحسّاسة، ونهاية أوحت بأن الراهب خلع جلبابه وتخلّى عن إلهه بعد ما رآه من فظائع، تبدو رواية “النبطي” خجولة، مرتبكة وخائفة في كلّ مكان يُذكر فيه الإسلام.

ربّما لم يرد الروائي المصري إغضاب المتشدّدين الإسلاميين، اللذين انتقدوا الرواية في جميع الأحوال، لكنّه حين حكم بالصمت على النبطيّ، فرّغ الرواية من مضمونها.

رغم ذلك، يبقى نبطيّ زيدان أكثر من مجرّد شخصيّة في رواية؛ هو الروح المنكسرة لشعب بأكمله وأسطورة حزينة تختصر حقبة مهمّة من تاريخنا. حين هجرت عشيرة النبطي مضاربها على مشارف البتراء وتركت النبطي ورائها وحيداً بثوبه الأبيض، لتغمره الرمال ويلتهمه النسيان، كانت تقفل على حقبة ضائعة من تاريخنا لا نعرفها اليوم سوى باسم ظالم هو “الجاهليّة”، وكانت تفتح في الوقت نفسه حقبة مأساوية جديدة لا نزال حتى اليوم نعاني من آلامها.

5 comments

  1. عبير · أبريل 16, 2012

    شكرا طوني على المقالة المهمّة. قراءتي للنبطي كانت مخيّبة للأمل وأدنى من التوقّعات اللّي الواحد بناها بعد عزازيل، وكان واضح جدًا تحاشي النقد الموضوعي للإسلام. وشيء مؤسف أنو نشوف يوسف زيدان يكتب بقلم مهزوز بس بدافع من الخوف، الخوف نفسو اللي جابتلنا ايّاه الدّيانات اللي هوي عم بينتقد تاريخها!

  2. Ihssan Azmeh · أبريل 17, 2012

    شكرا للمقال.. أعجبتني ملاحظتك لبعض النقاط في التفصيل والسرد،
    أرى أن الرواية قد لا ترقى لمستوى عزازيل.. ولكنها تأسيسية بكل تأكيد.. تأخذك في صفحاتها إلى عوالم أخرى لم يعد عالمنا يشبهها… تفتح للقارئ مخيلة ليبني حوارا طويل وطويل جدا بينه وبين أفكار وصفات الشخصيات شبه الصامتة تلك… ربما مستهديا ومستدلا على ماهية الحوار الممكن مع كل شخصية على حدى من مونولوغات عفوية بسيطة وهي غاية في التعقيد في آن…
    من الملفت أيضا في هذا العمل تحديدا… ربما حتى ما يفوق عما جاء به الكاتب في عزازيل..هو قوة السلاسة في تدريج بناء وتعقيد الشخصية ..

    شكرا مجددا لهذه القراءة

  3. Meer · أبريل 17, 2012

    مقال رائع شكرا🙂

  4. Tony Saghbiny · أبريل 17, 2012

    @ عبير،
    يمكن هوي نجح ينقل روح الانكسار من خلال الصمت، بس كان الثمن اشيا ناقصة من الرواية

    *
    @ Ihsan Hamzeh
    شكرا إحسان، معك حق ان القصة تشدك من الصفحات الأولى إلى الصفحات الأخيرة، ربما قراءتي متأثرة بخيبة أملي من النبطي كشخصيّة ومن دوره المحدود في الرواية.
    تحياتي لك

    *
    @ Meer
    شكراً مير🙂

  5. تنبيه: حكايات أخرى 4 « « الديكاميرون الديكاميرون

التعليقات مغلقة.