يوميات الأزمة الأخيرة: الخبر السيء والخبر الجيّد

...

* * *

طوني صغبيني

*

مضى أكثر من عام بقليل على نشر كتابنا الأوّل “الأزمة الأخيرة” الذي يتحدّث عن الانهيار البطيء والصامت لحضارتنا الصناعية نتيجة أزمة الطاقة، وعن كيف أن الطاقة البديلة، التي تشكّل مصدراً للكثير من الحماس في الوقت الحالي، لا تستطيع تأمين استمرارية هذه الحضارة لأسباب جيولوجية وفيزيائية عديدة.

إشكاليّة الأزمة الأخيرة شرحتها في أكثر من مقال سابقاً، لذلك أريد أن أتحدّث اليوم عن جانب آخر من المسألة: عن المهمّة الأصعب التي واجهتني حتى الآن في تقديم الكتاب والإجابة عن الأسئلة المتعلقة به. الجزء الأصعب لم يكن شرح الأرقام المنهكة والعمليات التقنية المعقّدة والوقائع الجيولوجية والفيزيائية التي لا تنتهي والتي قادتني إلى استنتاج الخلاصة المذكورة، لأن الغالبية الساحقة من الناس التي تتمتّع بحدّ أدنى من المنطق قادرة على الوصول لنفس الاستنتاجات حين تدرس المادّة التي يقدّمها الكتاب.

المهمة الأصعب في الواقع كانت ولا تزال هي إخبار الناس الخبر السيء: أن الحضارة التي نعرفها هي في حالة انحدار وانهيار وأن المستقبل القادم لن يكون “أسرع، أكبر وأكثر تطوراً” بل العكس تماماً. المستقبل سيكون أكثر شبهاً بالماضي، لا بالمستقبل الذي تصوّره لنا الأفلام والشركات والحكومات. الحديث عن نهاية الحضارة يلامس الخيال العلمي وأفلام هولييود، وغالباً ما يستقبله المستمعون على أنه كذلك. نادراً ما يتعامل أحد مع هذا الخبر على أنه تحليل علمي رصين. البعض لا يزال يعتقد أنه بعد عدّة سنوات من الآن سنكون نسبح في بحر من التقدّم التكنولوجي والوفرة والازدهار. الكمبيوترات ستكون أسرع، السيارات ستكون أفضل، كل شيء سيكون أكثر تقدماً. والبعض يذهب حتى إلى الإيمان بحتمية خروج الإنسان إلى الفضاء البعيد لاستكشاف كواكب أخرى وربّما العيش عليها.

وحتى في صفوف القلّة التي تؤمن بخطورة أزمة الطاقة، الغالبية تعتقد أن التكنولوجيا ستأتي لإنقاذنا في الوقت المناسب وأن الابداع البشري سيحلّ المشكلة وستستمرّ الحضارة بالتقدّم والتقدّم والتقدّم إلى ما لا نهاية. مجتمعنا في الواقع، يؤمن بالتكنولوجيا بنفس الطريقة التي يؤمن بها بالمجيء الثاني للمسيح أو بظهور المهدي.

لكن ما يعجز عن إدراكه كل هؤلاء الناس، وهم الغالبية الساحقة، أن انهيار الحضارات ليس أمراً استثنائياً في التاريخ، وأن كل حضارة تتجاوز قدرة البيئة الطبيعية على إعالتها تنهار وتسقط. وهذه هي حالة حضارتنا اليوم. ما يعجز هؤلاء الناس عن إدراكه أيضاً هو أنه لا يوجد حضارة في التاريخ أدركت أنها على شفير الانهيار؛ كان هنالك دائماً قلّة قليلة تحذّر من الآتي من دون أن يصغي لها أحد (تماماً كما يحصل الآن).

المشكلة الأساسية التي لم يستوعبها بعد اللذين يؤمنون بالاستمرار اللانهائي للحضارة الحالية، هي أن حضارتنا ليست نتيجة تقدّم حتمي وطبيعي، بل هي نتيجة صدفة جيولوجية استثنائية: لقد اكتشفنا فجأة، في القرن الثامن عشر، أننا نجلس على خزّان من الوقود، ثم بدأنا باستخراج الوقود واستخدامه لبناء الحضارة التي نعيش في ظلّها اليوم. النفط اليوم يغذّي الزراعة والصناعة والتجارة والبناء وضخّ المياه وصناعة الأدوية وتجهيز المستشفيات والمدارس والبيوت والبنوك وأنظمة المعلومات وكل شيء آخر. ليست مفاجأة إذاً أن يبدأ كل شيء بالانهيار حين يصبح النفط في أزمة.

لكن المشكلة الحقيقية ليست الذروة النفطية، بل هي أنه لا يوجد أي بديل عن النفط، لا في الطاقة الهوائية ولا الشمسية ولا الجوفية ولا المائية ولا الهيدروجين ولا الإيثانول. معظم الكلام عن الطاقة البديلة الذي نقرأه في الصحف هو هراء. في أفضل الأحوال، يمكن للطاقة البديلة أن تساهم بـ 50 في المئة من الاستهلاك البشري، مع أن هذه الإمكانية أيضاً تصبح أكثر صعوبة يوماً بعد يوم (كان يجب أن نبدأ بالتحوّل الشامل منذ 20 عام على الأقل).

والتكنولوجيا لن تنقذنا. لا اليوم ولا غداً، لأن التكنولوجيا ليست مصدراً للطاقة بل مستهلك له. أي حلّ يرتكز على التكنولوجيا لا يستحقّ أن نعيره أي اعتبار. فضلاً عن أن مشكلتنا ليست في نقص التكنولوجيا بل في نقص مصادر الطاقة. بعض الحلول “التكنولوجية” التي ينادي بها البعض أغبى من أن تمرّ على طفل في الصفوف المدرسية الأولى؛ لكنها للأسف تجد شعبية كبيرة بين الناضجين في مجتمعنا. “السيارات الكهربائية” هي واحدة من هذه الحلول. وإن كنت، عزيزي أو عزيزتي القارىء(ة)، من المؤمنين سابقاً بهذا الطرح، اسأل نفسك من أين يفترض، بحق الآلهة، أن نأتي بالكميّات الضخمة الإضافية من الكهرباء لتغذّية السيارات؟ من المعامل الكهربائية التي تعمل على النفط. يجب أن نعرف أيضاً أن السيارة الكهربائية تستخدم طاقة خلال عملية تصنيعها أكثر بخمس مرّات مما توفّره من طاقة خلال حياتها كلها. ويجب أن نعرف أيضاً أن البنية التحتية التي يتطلبها تشغيل السيارات الكهربائية تستدعي صرف بلايين براميل النفط وبلايين الدولارات لبنائها. يجب أن نعرف الكثير من الأمور لنفهم أزمة الطاقة والهاوية التي تتسارع حضارتنا إليها، لكن الإعلام يحرص على أن نبقى في الظلام.

لكن كل هذه الحقائق قد لا تنفع. فالإنسان المعاصر على ما يبدو، غارق في ديانة “النمو والتقدّم” حتى إذنيه لدرجة أنه غير قادر على رؤية الحقائق. الجميع يريد أن يؤمن، بعمق، أن الحياة ستستمرّ كما هي، أن الأعمال ستكمل كالمعتاد، وأن كل شيء سيكون أفضل وأكثر تطوراً. لكن ذلك لن يحصل.

السؤال الذي غالباً ما أسمعه حين اتحدّث عن أطروحة الكتاب هو “هل يوجد هناك حل؟”. ويكون جوابي على شكل سؤال أيضاً: “هذا يرتبط بتعريفكم لماهيّة الحلّ”. إن كنتم تعتقدون أنه هنالك حلّ قادر على الحفاظ على الحضارة الحالية من الانحدار، فكلا لا يوجد حلّ. لكن إن كان مقصدنا من الحلّ هو استمرار الحياة والإنسان والسعادة البشرية، فنعم بالتأكيد هنالك حلول كثيرة. اعتقد أننا سنكون بشكل عام أكثر سعادة في المستقبل مما نحن عليه الآن، لأننا سنستعيد صلاتنا مع أنفسنا ومع بعضنا البعض ومع الأرض. حضارتنا الحالية تجعل من اللابتوب الشيء الأقرب لنا، وهذه نهاية حزينة لإنسانيتنا.

في جميع الأحوال، لا أحد يحبّ سماع الأخبار السيئة. وللأسف، نشر كتاب “الأزمة الأخيرة” جعل من هذه المهمّة كأنها مهمّتي الخاصة في هذا الجزء من العالم؛ أن اضطلع بمهمّة إخبار الناس، لا أخبار سيئة فحسب، بل أكثرها سوءاً!

لكن وصف نهاية الحضارة الصناعية بالخبر السيء هو أيضاً مغلوط في رأيي المتواضع. بالنسبة لي، هو خبر جيّد وربّما أفضل الأخبار بالنسبة للإنسانية والكوكب وللمخلوقات الأخرى التي تعيش عليه. حين نتأمّل حضارتنا، نجد الكثير من الأمور الجميلة، لكن معظم ما نجده حين ننظر جيداً هو فقر وجوع ومعاناة وتدمير شامل ومنظّم للإنسان، للحيوانات وللأنظمة الإيكولوجية. الحضارة الحالية تخنق الكوكب وتخنقنا معها. الإنسانية الحالية إنسانية مكتئبة، غاضبة، عنيفة، مفكّكة، وحيدة، عقيمة، خائفة لا تعرف الاستماع لنفسها ولأرضها ولا تعرف حتى التعبير عن نفسها (فنّ ما بعد الحداثة هو أقرب للتقيؤ منه للفنّ). نهاية هذه الإنسانية وبزوغ إنسانية جديدة منها هو خبر جيّد لا خبر سيّء.

أن تُقدّم لنا الفرصة على أن نبدأ من جديد بعد تعلّم دروس الماضي القاسي هو أيضاً خبر جيّد لا خبر سيء. الجانب الإيجابي من رسالة “الأزمة الأخيرة” تعبّر عنه جملة وردت في مقدّمة الكتاب، تقول أننا ربّما، فقط ربّما، في الأيام الصعبة التي تنتظرنا، قد نسترجع الكنز الأهم الذي حرقناه مع أوّل برميل نفط: إنسانيّتنا…

14 comments

  1. بلا وطن · أبريل 23, 2012

    هل سنعود يوما الى انسائيتنا و فطرتنا الاولى بدون مساحيق “المعاصرة و الحداثة” ؟؟؟

    • Tony Saghbiny · أبريل 24, 2012

      ربما يا صديقي، على أمل : )

  2. Rita · أبريل 23, 2012

    قريت كتابك بالمناسبة. شغل ظريف🙂.
    عن الحضارة اللي رح تيجي بعد حضارتنا في رواية (عاملين منها فيلم هلا) اسمها hunger games. القصة – بتيجي عتلت كتب – مش سيئة بس خليني اقول انو قريت كتب احسن من هيك😀

    اوه و بالمناسبة .. دايفد سوزوكي اللي مقتبس حكيو باول الفصل الخامس كندي مش ياباني

    • Tony Saghbiny · أبريل 24, 2012

      مقدّم الكتاب😀 (هلق هالجملة ما إلها معنى بما انك قريتي بس لازم قولها يعني :p
      صرت سمعان كتير عن hunger games يبدو صار لازم احضره.

      معك حق ، سوزوكي طلع كندي، عيلة كبيرة بيت سوزوكي على ما يبدو😀

      • Rita · أبريل 24, 2012

        هممم .. الفيلم قريب عالكتاب بس الكتاب (كالعادة) في تفاصيل مهمة الفيلم ما بيقدر يشملها.
        هلا فيك تحضر الفيلم بعدين تقرا الكتاب .. او تقرا الكتاب بعدين تحضر الفيلم😀.. او بس تقرا الكتاب بدون الفيلم. الكتب قصيرة هيي. كل واحد شغلة 300 صفحة مش اكتر.

  3. غير معروف · أبريل 24, 2012

    العودة إلى أصل الإنسان و هو الروح…….!!
    في عصرنا هذا , تم برمجة عقول البشر , لإيصالهم إلى هذا الحدّ بالإيمان بالمادة كغاية و هدف في الحياة .

    الإصغاء إلى أرواحنا , إلى البذرة الأولى , هو المنفذ للسعادة المطلقة.
    وما الحياة إلا إنعكاس لما نحن عليه…….
    إنشغال البشر بإشباع الجسد -المادة- هو نقطة البدء التي أوصلت الإنسان بالتدريج إلى نسيان الأصل -الروح- و هذا الزمن بالتأكيد له نهاية , إستناداً إلى التاريخ.

    التغيير قادم إن لم يكن من جانب الإنسان !!
    الطبيعة هي من ستقوم بالتغيير .
    .
    .
    .

    • Tony Saghbiny · أبريل 25, 2012

      شكراً على مرورك

  4. القط · أبريل 25, 2012

    شكرًا طوني من جديد على الكتاب.
    فرحت كثير لما قرأته خصوصًا أنه من الكتب العربية النادرة التي تتناول موضوع الطاقة.
    ما زلت أتمنى أن يكون هناك طريقة أخرى، أو مصدر آخر للطاقة لم نكتشفه بعد ليحلّ أزمتنا.. لأن مستقبل الحضارة البشرية كما هي مظلم من دونه.
    و لكنني لا أتفق بشكل كامل أن الحضارة ما بعد البترول ستكون أكثر إنسانية أو أكثر عدلاً. كثير من المسلّمات الإنسانية التي نطبقها اليوم أتت في عصر الطاقة و بسبب أن الطاقة الرخيصة أمّنت لنا رفاهية جعلت حياتنا أقل قسوة (و إذن أصبحنا أكثر رأفة).
    بضعة أمثلة بشكل سريع. قبل البترول و الطاقة الرخيصة كانت العبودية أمر طبيعي، التمييز بحق النساء، حرية العبادة و الحرية الدينية، الخ… اليوم الأرض من دون البترول غير قادرة على إطعام الجميع. الإنتقال إلى عالم ما بعد النفط سيكون مأساوي و دموي بشكل كبير. لذلك أتمنى أن نجد مصدر طاقة آخر، لأن المستقبل لن ينتج بالضرورة عالم أفضل و لكن التغيير ضروري…
    ربما قريبُا سيكون لدي قراءة للكتاب في المدونة.

    • Tony Saghbiny · أبريل 25, 2012

      معك حق عادل، كرمال هيك عم قول “ربّما” لأن ما منعرف شو رح يحملنا المستقبل تحديداً.
      بس اللي لازم ننتبهله انو ما فيه سيناريوهات حتمية، لأن المستقبل مرتبط بخياراتنا الجماعيّة وقد يكون مختلف بكل منطقة من العالم (الأميركيين الأصليين الشماليين مثلاً لم يعرفوا العبودية في تاريخهم).
      ما علينا هو أن نأمل الخير، وأن نستعدّ
      على أمل نقرا قراءتك قريباً صديقي : )

  5. لاديني · مايو 12, 2012

    أريد فقط أن أنبه أننا لا نتحدث عن أزمة طاقة بمعنى مصدر الحركة والإنارة… فحسب..يعني ليس بنزين ومازوت وقطران….إلخ…إحدى شركات النفط اتخذت شعاراً للدعاية يقول (في كل ما هو حولك) وقد صدقت..النفط مصدر طاقة ومادة خام اشتقاقية بشكل مذهل..لقد دخل في تصنيع كل شيء..بدءً من المصافي الضخمة إلى إصبع الروج…لهذا حتى لو حلينا مشكلة الطاقة المباشرة فإن عمليات التصنيع ستظل عاجزة عن الاستمرار..والحديث عن التكنلوجيا هنا سيكون أضحوكة…السيارة الكهربائية مثلا حتى لو استطعنا أن نوفر لها الكهرباء بدون نفط..فهي ستكون سيارة مختفية…لأن طلاء هيكلها وكراسيها وعداداتها وأسلاك التوصيل فيها وعجلاتها وحتى مقودها وغير ذلك تدخل في تصنيعه مشتقات نفطية ضرورية…ومبروك السيارة🙂

    • Tony Saghbiny · مايو 12, 2012

      هههههه هذا صحيح يا صديقي،
      حتى ان عجلات السيارة مصنوعة أيضاً من المشتقات النفطية

  6. تنبيه: ربيع عربي أم خريف إسلامي؟ « نينار
  7. تنبيه: لماذا يجب تجاوز اليسار | نينار
  8. تنبيه: Tony Saghbiny: لماذا يجب تجاوز اليسار « Arab Spring Collective

التعليقات مغلقة.