الأزمة الأخيرة: انتظار المخلّص السحري

منشأة للطاقة الشمسية في الولايات المتحدة

*

طوني صغبيني

*

هنالك تيّار من المطلّعين على أطروحة “الأزمة الأخيرة” اقتنع بخطورة أزمة الطاقة وبالنهاية المحتومة لعصر النفط، لكنه لم يعتبر أن ذلك يشكّل معضلة حقيقيّة لأنه “هنالك بالتأكيد أحد ما سيخترع تكنولوجيا ما لتنقذنا في الوقت المناسب”. صحيح؟

خطأ.

الإيمان بأنه هناك رجل خفي ما، أو شركة أو دولة، ستأتي بأعجوبة تكنولوجية لا نعرف عنها شيئاً الآن، يشبه إلى حدّ بعيد إيمان بعض الأديان بمجيء المسيح الثاني أو المهدي لإصلاح العالم حين تقترب النهاية. الفارق هو أن جماعة “الإيمان بالتكنولوجيا” لا يعترفون بأن موقفهم مبني على إيمان غيبيّ بحت لا صلة له بالواقع العلمي أو المادّي.

معظم المؤمنين بالحلّ التكنولوجي لا يستطيعون رؤية حقيقة بسيطة جداً، هي أن التكنولوجيا ليست مصدراً للطاقة ومشكلتنا هي في نقص مصادر الطاقة لا في تقنيّاتها! التكنولوجيا، مهما كانت متقدمة، تستهلك الطاقة. هذا من ناحية أولى.

من ناحية ثانية، “الاختراعات” الطاقوية التي يتفاءل حولها جمع كبير من العلماء، معظمها غير قابل للتطبيق، وبعضها يقع ضمن نطاق الأبحاث العسكرية التسليحيّة لا ضمن نطاق مصادر الطاقة، وجزء ثالث منها هو هراء بالكامل. من هذه الاختراعات نذكر “الانصهار النووي البارد” الذي يحيط به كمّ هائل من التفاؤل. ما لا تذكره وسائل الإعلام حين تتحدّث عن الانصهار النووي البارد هو أنه غير قابل للتطبيق فيزيائياً. “الانصهار النووي الحار” بدوره هو بحث عسكري يهدف لتطوير مدافع بلازما ولم يلاقي نجاحاً حتى الآن، وهو ليس مصدراً للطاقة (كما أنه لا يوجد أي معدن على الأرض قادر على عزل أو تحمل نسبة الاشعاعات التي تطلقها عملية خلق البلازما).

هنالك طروحات خيالية عديدة في هذا المجال: تعدين الهيليوم3 من على سطح القمر، إرسال محطة فضائية نحو الشمس للاستفادة من طاقتها وتحويل تلك الطاقة للأرض، وبناء آلات فراغية دائمة الحركة. هذه الطروحات جريئة لكنها غير قابلة للتطبيق، لأنه، في حالة الهيليوم القمري والمحطات الشمسية، نحن لا نملك ما يكفي من طاقة في الأساس للقيام بعمليات واسعة في الفضاء الخارجي من هذا النوع، كما أنه لا يوجد أي طريقة علميّة لنقل الطاقة من محطة فضائية أو من القمر إلى الأرض.

هنالك طروحات أقل خياليّة، لكنها لا تقلّ استحالة عن سابقاتها، مثل اقتراح حصاد الطاقة من قاع المحيطات أو من أعماق الأرض. هذا النوع من العمليّات شبه مستحيل في حالة المحيطات، لأن بناء المنشآت التي تسمح بذلك غير ممكن ويستهلك قدر هائل من الطاقة، وهو صعب جداً في حالة الحرارة الجوفية لأنه لا يوجد سوى أماكن قليلة في العالم صالحة لذلك. في الحالتان، النتيجة هي تدمير شامل للبيئة الأرضية والبحرية.

الطرح الأقرب للواقع كان حتى الآن “الهيدروجين”، الذي يمكن أن يغذّي خلايا الوقود أو أن يُحرق مباشرة لتوليد الطاقة. لكن الهيدروجين غير موجود في الطبيعة بشكل مستقلّ، وانتاج الهيدروجين يتطلّب صرف كميات كبيرة من الطاقة والغاز والمياه، وإن أضفنا إلى ذلك الطاقة والمواد النادرة (مثل البلاتينيوم) التي تتطلبها صناعة خلايا الوقود، نرى بأننا نحتاج لطاقة لصنع الهيدروجين أكثر من تلك التي نحصل عليها حين نستهلكه، أي أننا نخسر طاقة بدل توليدها. كما أن البنية التحتية الجديدة التي نحتاجها لتخزين ونقل واستعمال الهيدروجين في السيارات هي هائلة بشكل غير قابل للتخيّل. لهذا السبب، كل الدول والبلديات التي وضعت خططاً في السابق لتوسيع اعتمادها على الهيدروجين قامت بإلغائها بحلول العام 2007 تقريباً، خاصة ولاية كاليفورنيا الأميركية التي خصّصت مليارات الدولارات لهذا الهدف.

عند مجابهة هذه الوقائع، قد يلجأ أحدهم إلى القول بأنه هنالك بالتأكيد تكنولوجيا ما لا نعلم بها تخبأها حكومة ما بشكل سرّي؛ يقولون أنه هنالك بالتأكيد دولة ما تخفي اختراعاً عظيماً وتنتظر استفحال الأزمة لكي تستفيد من هذا الاختراع وتحكم به العالم. لكن هذا افتراض غير واقعي؛ فأي اختراع من هذا النوع سيعطي الدولة أو الجهة التي تحوزه قوّة سياسيّة ومالية واقتصاديّة عظيمة، ولا يوجد أي سبب يدفعها لإخفائه. بل إن كل الوقائع تشير، إلى أنه إن كان هنالك مجموعة أو دولة تمتلك اختراعاً من هذا النوع، فهي ستستعجل لتدخل في مزاد علني مع الصناعات والحكومات لتبيعه وتربح منه وتكتسب عبره نفوذ وقوّة منذ الآن، وهذا ما يحصل كل يوم في أي اختراع صغير في مجال الطاقة. كما أن الأزمة استفحلت وانتهت ولا يوجد هناك أي سبب لانتظار أكبر: الاقتصاد انهار مرّة وهو على شفير الانهيار مرّة ثانية، والعالم كلّه يتداعى، وهكذا اختراع لم يظهر بعد، تماماً كما المهديّ والمسيح الثاني.

في جميع الأحوال، الاختراعات لا تظهر من اللاشيء، بل هي ابنة العلم الذي تُولد منه، والعلم اليوم لا يوجد فيه بوادر اختراع حقيقي في مجال الطاقة. والسبب بسيط: لا يمكننا أن نخترع مصدراً للطاقة، الطاقة موجودة في الطبيعة فقط، يمكننا أن نخترع تكنولوجيا تحصد الطاقة من الطبيعة وتحوّلها إلى طاقة قابلة للاستهلاك البشري، لكن لا يمكننا أن نخترع طاقة.

إن الإيمان بالتكنولوجيا الخفية الآتية من الماوراء لإنقاذنا في نهاية الأيّام ليس سوى وجه آخر لحالة النكران التي تعيشها حضارتنا المعاصرة؛ فهي لا يمكنها أن تتقبّل فكرة أن كل هذه العظمة هي في طريقها للزوال، هي لا تتقبّل فكرة أن المستقبل سيكون أقلّ لا أكثر، سيكون أبطأ لا أسرع. الإيمان بالمخلّص التكنولوجي يتيح لحامله أن يكمل حياته بشكل اعتيادي من دون أن يقلق أو يعترف بالمشكلة، وحتى من دون أن يسمح لعقله أن يشكّك بالوقائع السائدة حوله، تماماً كما في حالة الإيمان الديني المتشدّد.

بعض الناس، كما تقول إحدى الممثلات في فيلم “الضباب”، “لا يمكننا إقناعهم بأنه هنالك حريق حتى ولو كان شعرهم يحترق”. هذه هي للأسف حالة الغالبية الساحقة من البشرية اليوم، التي من خوفها من المستقبل، تستمرّ بإخبار نفسها أن “الأمور ستبقى كما هي”، رغم أن كل شيء يتداعى من حولها.

المهدي (أو المسيح، أو الكريشنا أو البودا) التكنولوجي لن يأتي لإنقاذنا على غيمة مهما بقي نظرنا مشخصّاً نحو السماء. للأسف، لا يمكن لأي تكنولوجيا أو حتى إله متجسّد أن ينقذنا من الورطة التي صنعناها لأنفسنا بحضارة النفط. كلّما أسرعنا بإدراك ذلك، كلّما كان ذلك أفضل لصحّتنا الذهنية والنفسيّة، وللبشرية والمستقبل.

____________________

يمكن الاطّلاع على المزيد من المقالات في موضوع الأزمة الأخيرة على هذا الرابط.

____________________

8 comments

  1. أحمد عبد الساتر · مايو 3, 2012

    قريت الكتاب مؤخرا وبلشت بشعور سيء، كأن العالم على وشك ان ينتهي اليوم، لكن مع تقدمي في الكتاب بدات ادرك اننا نمتلك الوقت. وهلق هذه المقالات تقوم بتفكيك بعض الطروحات التي كنت اجد فيها حلا، لكني اكتشف انها بالفعل حجة لكي لا نقوم بشيء ونطمئن أنفسنا بأن كل شيء بخير.
    ما بعرف اذا كان الموضوع غريب، لكني اعتقد انني استمتع بنهاية العالم😀

    • Tony Saghbiny · مايو 3, 2012

      صرنا تنين صديقي : )

  2. عبير · مايو 3, 2012

    هادا تمامًا اللي بيصير معي كل ما بفتح هادا الموضوع مع حدا من النّاس اللي حواليي. بحكيلهن إنو النفط رح يخلص وكل هاي السيارات رح تبطل تفيدنا بإشي. بيضحكوا عليي وبيقلولي إنو في بدائل كتيرة ومتنوعة، أوّلها الطاقة الشمسيّة، إنو متلا بحالة السيارات، في شركات سيارات عم تنتج سيارات بتمشي عالشمس! بس سعرها غالي كتير ومشان هيك مش منتشرة بين الناس بعدها. وناس تانيين قالولي النفط مستحيل يخلص لأنو الكوكب كبير😀 وهيك حجج طفوليّة…
    فعلا التكنولوجيا تحوّلت لدين تاني…

    • Tony Saghbiny · مايو 3, 2012

      لازم شي نهار اكتب عن كل الأجوبة العجيبة اللي سامعها، انتي سامعة عن السيارات اللي بتمشي على الهوا؟😀
      بعتقد للأسف، انو درجة السريالية والجنون رح تزيد كل ما يكون الانهيار عم يخطي خطوة لقدّام.

      • عبير · مايو 3, 2012

        تفضّل ردّ😀

  3. غير معروف · مايو 4, 2012

    اهلا توني ،
    طريقين امانا لا ثالث لهما ،
    اما الاستمرار كجنس و حل مشاكلنا كاملة و اما الدمار.
    اما بخصوص المخلص التكنلوجي فانا بالمؤنيين به .
    بالنسبه لي اشوف العلم سقط رهينة للساسة و الراسماليين و تحرر العلم مرهون بسقوط الدولة و المؤساسات العسكرية .
    http://www.gizmag.com/bacteria-convert-co2-into-fuel/13601/
    احد الخيارات المطروحة مثلا بس الارجح اني راح اتفرج على نهاية العالم بطريقة هولييودية وانا اشرب بيرة باردة و ادخن سيجارة في ليلة صيفية حارة .
    تحياتي توني

    • Tony Saghbiny · مايو 5, 2012

      بما انه الأرجح ان التكنولوجيا لن تستطيع انقاذنا، على الأرجح نكون عم نشرب كاس بنهاية العالم😀
      تحياتي صديقي

  4. القط · مايو 8, 2012

    القسم العلمي فيّ قلق من مستقبل الحضارة البشرية كما هي. فلا يوجد حتى الآن مصدر طاقة بديل يوازي النفط في رخصة، وفتره و سهولة إستخدامه. بحثك حول الموضوع له دور في هذا القلق😉
    و لكن القسم الحالم فيّ لا يزال يريد أن يؤمن بالبشرية، أن يؤمن بالإنسان، أن يؤمن بأننا قادرين على تخطي هذه الأزمة. أكان عن إكتشاف مصدر آخر للطاقة، أو عبر الإنتقال التدريجي لنمط حياة جديد أقلّ إعتمادًا على الطاقة النفطية (و لكن من دون تضحيات كبرى في رفاهية الحياة و حقوق الإنسان التي تأتي بفضلها).

    ما بعرف طوني، بدّك تسميني مؤمن بالغيب، و لكن الطاقة البديلة غير قادرة على تشغيل حضارتنا البشرية الحالية. في نظري المتواضع، نحن نتجه إما لكارثة (و هذا ما يظهر من كتابك) أو أن نجد مصدر آخر للطاقة (الشق الإيماني إذا بدّك).
    الأزمة و الإنهيار كبير جدًا و جد مظلم كي لا نرغب أو نتمنى أن يكون هناك حل آخر…

    أنا لا أتفق مع خاتمتك، لأنني أعتقد أن التكنولوجيا قادرة على إخراجنا من الأزمة. و لكن السؤال هو: هل التكنولوجيا التي نملكها اليوم قادرة على ذلك؟ الجواب هو كلا. السؤال الآخر: هل نحن قادرين على إمتلاك أو إكتشاف تكنولوجيا قادرة على إخراجنا من الأزمة؟ جوابي هو لا أعرف، و لكنني حتمًا أتمنى ذلك.

    تحياتي الحارة.

التعليقات مغلقة.