الأزمة الأخيرة: ماذا يعني السقوط البطيء للحضارة الصناعية؟

* * *

طوني صغبيني

*

حين نتحدّث عن أزمة الطاقة والسقوط البطيء للحضارة الصناعيّة غالباً ما يعتقد القارىء(ة) أننا نتحدّث عن انهيار مفاجىء وسريع في ليلة وضحاها على الطريقة الهوليوديّة، رغم أن كلمة “بطيء” موجودة في العنوان. أفلام هوليود ليست السبب الوحيد الذي يجعلنا نعتقد أن أي انهيار مهما كان هو سريع ومفاجئ، هنالك أسباب نفسيّة وفكريّة أخرى، منها أن العالم المسيحي-الإسلامي-اليهودي مشبع بفكرة القيامة واليوم الأخير الذي سيحدث، بحسب النصوص الدينية، في ليلة وضحاها تقريباً. إلا أن الحضارات لا تقوم ولا تنهار في يوم واحد، فذلك يستغرق عشرات ومئات السنين أحياناً. وهذه هي الحالة في ما يتعلّق بأزمة الطاقة: الانهيار الذي نحن مقبلون عليه متدرّج، سيعرف فترات من الأزمات المفاجأة كما سيعرف فترات من الاستقرار. حين يستقرّ غبار الأزمات، سنجد أن حضارتنا استقرّت على مستوى اقتصادي ومعيشي أدنى بقليل من المستوى السابق، وهذا هو الانهيار البطيء.

حين نتفحّص الأرقام، سوف نجد أنه يمكن رؤية معالم الانهيار منذ عام 1970، إذ إن متوسّط الطاقة المتاحة لكل فرد على الكوكب بدأ بالتراجع منذ ذلك العام. ما يحصل حالياً هو أننا دخلنا في مرحلة تُعرف في أوساط الباحثين في شؤون الذروة النفطية بـ”الهضبة الوعرة” Bumpy Plateau المؤلفة من سلسلة طويلة من دورات الأزمات والاستقرار.

دورات الأزمات ناتجة عن مشكلة بسيطة: أسعار الطاقة سترتفع باستمرار لأسباب سبق وذكرناها (لن تنخفض سوى مؤقتاً)، وبما أن الطاقة هي أهمّ عامل لماكينة الحضارة الصناعية يؤدّي ارتفاع أسعارها إلى التسبّب بأزمات اقتصاديّة كبرى، كما حصل في العام 2008 حيث انهارت الأسواق بعد شهرين من بلوغ النفط سعر الـ 147 دولار. حين تحصل الأزمة، تتباطىء العجلة الاقتصاديّة، وبسبب انخفاض الطلب على النفط، تنخفض أسعاره قليلاً. حين تنخفض أسعار الطاقة، تتعافى الدورة الاقتصادية قليلاً، لكن تزايد النشاط الاقتصادي يعني أن الطلب على الطاقة سيعود للارتفاع، أي أن أسعار الطاقة ستعود للارتفاع أكثر من قبل. وحين ترتفع أسعار الطاقة بشكل لا تبقى الأسواق قادرة على استيعابه، نعود مرّة أخرى إلى مرحلة الأزمة. هذه الدورة ستتكرّر كثيراً في السنوات المقبلة، لكن في كلّ مرة سوف تخسر الحضارة الصناعية جزءًا من عافيتها من دون أن نلاحظ.

على سبيل المثال، ارتفاع أسعار النفط بين عامي 2006 و2008 أدّى إلى انهيار الأسواق أواخر صيف عام 2008؛ سعر النفط عام 2001 كان بحدود الـ 20 دولار، في العام 2006 كان بحدود 40-50 دولار، في العام 2008 وصل إلى 140 دولار، واليوم (أيار 2012) هو “مستقرّ” على 100 دولار (أي خمس أضعاف سعره منذ عشر سنوات). وهو في طريقه للارتفاع مجدداً ما ينبىء بأزمة اقتصادية جديدة لعام 2012 تتحدّث عنها البورصات بالهمس.

أزمة عام 2008 يمكن أن نعتبرها معلم رئيسي في الانهيار، إذ إن نظرة سريعة على الوضع من بعدها تظهر أن الحضارة الصناعية فقدت فعلاً جزء من عافيتها وانحدرت درجة على سلّم الانهيار: إفلاس عشرات شركات الطيران وارتفاع أسعار النقل الجوّي لدرجة غير مسبوقة (خلال الأعوام المقبلة، سيصبح النقل الجوّي متاح فقط للطبقة العليا)، ارتفاع أسعار الغذاء لدرجة غير مسبوقة بشكل يجبر معظم سكّان العالم على العمل من أجل الحصول على الطعام فقط، ارتفاع أسعار النقل بشكل هائل (مثال عن لبنان، تضاعفت أسعار النقل مرّتين بين العام 2005 و2012)، ارتفاع أسعار كافة السلع الأساسيّة مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع كلفة المعيشة (معظم أجورنا اليوم تذهب لسدّ الحاجات الأساسية فقط)، ارتفاع أسعار العقارات والبيوت بشكل هائل في معظم أنحاء العالم بشكل يجبر أبناء جيلنا على العمل طوال حياتهم لامتلاك سقف فوق رؤوسهم (والبعض منّا لن يمتلكوا منزلاً في حياتهم وقد لا يكون بامكانهم تأسيس عائلة على الإطلاق).

أي نظرة متأنّية لما يحصل في العالم في السنوات الأخيرة تظهر أنه هنالك انهيار حصل بالفعل! فنحن قد فقدنا حقوقنا الأساسيّة في الغذاء والمسكن والعيش، ونفقدها أكثر مع كلّ يوم جديد. الأزمات السياسيّة التي تعصف بالكوكب من شماله إلى جنوبه، هي أيضاً مؤشر قوي على هذا الانهيار، رغم أن لا أحد اليوم يربط بينها وبين الجذور الطاقوية-الاقتصاديّة لها (هذه الصلة شرحناها في مقال يتحدّث عن الجذور الخفيّة للثورة المصرية).

وجه حضارتنا سيتغيّر قليلاً مع كل دورة من دورات الأزمات-الاستقرار هذه؛ ولا نعلم كيف ستكون الصورة النهائية لكننا نعرف جيداً أنها ستكون أكثر شبهاً بالماضي منها بالمستقبل الذي كنّا نتخيّله سابقاً.

لكن الانهيار البطيء بهذا الشكل هو في الواقع أمر إيجابي جداً، مقارنة مع احتمال حدوث انهيار سريع ومفاجىء، لأن السقوط البطيء يعطينا الفرصة لفهم حقيقة ما يحدث حولنا وبالتالي التحضير للمستقبل بشكل أفضل فيما لا يزال يمكننا القيام بذلك. السقوط البطيء يعطينا فرصة لاتخاذ خيارات قد لا تكون متاحة لنا في حالة السقوط المفاجىء؛ منها مثلاً تحصين مناعتنا الفردية والعائلية في مواجهة أزمة الطاقة، ومساعدة مجتمعاتنا المحلّية على الانتقال لطاقة بديلة واتخاذ الاجراءات اللازمة التي تساعدهم على تخطّي المحنة. المفتاح في جميع الأحوال هو التكاتف الاجتماعي، والأيام الصعبة الآتية ستعطينا الوقت لاكتشاف أهمية اللحمة الإنسانية والتكاتف مع بعضنا البعض في وجه انهيار لم يعرفه العالم من قبل…

13 comments

  1. عبير · مايو 9, 2012

    فعلا.. الانهيار البطيء طلع شغلة منيحة. عم بتخيّل برامج تربوية بالمدرسة لتحضير الأولاد لهيك تغييرات مستقبلية، وعم بتخيّل كمان دروس تاريخ بتشرح ليش هيك عم بيصير وراح يصير. بس بنفس الوقت مش قادرة ما أقولش بقلبي “شو حزين!” أوقات كتيرة بتطلع براسي هاي الجملة إنه يا ريت من الأوّل الإنسان ما تطوّرش هالقّد بالصناعة وبالتكنولوجيا، وضلّ كائن بسيط بدون طموحات طمّاعة… مشان ما يرجعش يوقع هالوقعة البشعة.

  2. نقد بنّاء · مايو 9, 2012

    رائع

  3. Tony Saghbiny · مايو 9, 2012

    @ عبير
    هلق انتي متفائلة بأنو الناس رح تصير عقلانية أكتر كلما نقرب من الانهيار مع انه للأسف العكس هو الصحيح على الأرجح.

    *
    @ جو،
    تسلم جو. هلا بالعودة !😀

  4. غير معروف · مايو 11, 2012

    رائع دوما ..

    اتابعك من بدايتك في التدوين .. وابحث عن قصاصه مقال هنا وهناك يحمل امضاءك .. انت شيء مقدس بالنسبه لي ..

    كنت اود ان تنظر لهذا الموضوع املا من ان نرى شرحا وافيا لك عن هذا المقال
    http://www.sarayanews.com/object-article/view/id/126929/title/%D8%A7%D9%83%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D9%81%20%D8%AC%D9%86%D8%B3%20%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A%20%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

    • Tony Saghbiny · مايو 12, 2012

      شكراً لكلماتك اللطيفة صديقي : )
      بالنسبة للخبر عن اكتشاف جنس بشري جديد في الصين فهذا أمر طبيعي لأنه كان هنالك تاريخياً أكثر من جنس واليوم لا يوجد سوى جنس واحد هو نحن.
      لقد تحدثت عن هذا الموضوع قليلاً في مقال 11 فكرة خاطئة حول التطور والرد عليها، هذا هو الرابط إن أردت الاطلاع عليه
      https://saghbini.wordpress.com/2012/04/19/%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1/

  5. القط · مايو 13, 2012

    “لكن الانهيار البطيء بهذا الشكل هو في الواقع أمر إيجابي جداً، مقارنة مع احتمال حدوث انهيار سريع ومفاجىء، لأن السقوط البطيء يعطينا الفرصة لفهم حقيقة ما يحدث حولنا وبالتالي التحضير للمستقبل بشكل أفضل فيما لا يزال يمكننا القيام بذلك.”

    إسمح لي أن أعبر عن تحفظي بعض الشيء على هذه الخلاصة. الإنهيار البطيء للحضارة البشرية الصناعية الحالية قد لا يكون بالضرورة إيجابي. معظم الحضارات الكبرى القديمة إنهارت أيضًا بشكل تدريجي و بطيء، و لكن إنحدارها و سقوطها كان أشبه بتعذيب طويل و مؤلم لها. و النتيجة كانت في مأساويتها و دمويتها مشابهة لإنهيار سريع.
    خذ مثلا الحضارة الرومانية أو الحضارة العربية. كلتاهما إنهارتا بشكل بطيء، و رغم بعض التحضير لدى الحضارة الرومانية (تقسيم الإمبراطورية)، فإن النتيجة كانت دومًا في حروب متعددة على الحدود و من ثم حروب أهلية و تفتت دموي للدولة… إلى سقوط عاصمتها و إستباحتها بشكل وحشي أدى إلى بقاء أثر نفسي لعقود و قرون تالية (سقوط مدينة روما و إستباحتها عدة مرّات، سقوط بغداد).

    هل سنكون أذكى في عصرنا الآن؟ الخلاصات التي أخذناها من الأزمة المالية الأخيرة و التي كانت بتحميل الفقراء الثمن المالي، و بإلقاء اللوم على فئات ضعيفة بدل المسؤوليين الحقيقيين… هذا لا يشجع في تمنياتنا بأن نأخذ القرارات السليمة للتحضير لنهاية الحضارة الصناعية.

    تحياتي.

    • Tony Saghbiny · مايو 13, 2012

      صحيح عادل، الانهيار البطيء يمكن ما يكون أمر إيجابي، ولكن يبقى ان الانهيار الحالي مختلف بشكل كبير عن الحضارات السابقة، فالانهيار السريع إن حصل الآن، فهو يعني موت سريع لنحو 80 % على الأقل من الجنس البشري لأن الانهيار النفطي يعني انهيار الزراعة الحديثة التي تقوم على ري مساحات شاسعة عبر الآلات وأسمدة من المشتقات النفطية وتبريد ونقل وتخزين وتصنيع. بهالنقطة مثلاً، الانهيار البطيء ايجابي لأنه سيسمح للكثيرين منّا بتخفيف الاعتماد على الزراعة المركزية وبالتالي اكتساب مناعة معيّنة تجاه الانهيار الصناعي.
      تحياتي

  6. تنبيه: الأزمة الأخيرة: أهمّية الاستعداد الفردي لعالم ما بعد النفط « نينار
  7. تنبيه: ربيع عربي أم خريف إسلامي؟ « نينار
  8. تنبيه: يوميات أدونية: من الغيتار إلى كيس الملاكمة « نينار
  9. تنبيه: لماذا يجب تجاوز اليسار | نينار
  10. تنبيه: Tony Saghbiny: لماذا يجب تجاوز اليسار « Arab Spring Collective
  11. تنبيه: عن الانهيار الذي حصل | نينار

التعليقات مغلقة.