الأزمة الأخيرة: ما العمل؟

* * *

طوني صغبيني

*

حين نطّلع على أطروحة الأزمة الأخيرة وندرك أن الأزمات التي تعصف اليوم بالعالم هي عوارض سقوط بطيء لحضارتنا الصناعية، السؤال الأوّل الذي يخطر على أذهاننا هو “ما العمل؟”.

عدد كبير من اللذين يبلغون هذه النقطة المتقدّمة من التفكير يلجأون إلى أجوبة قديمة، إلى الوسائل التي ساعدت في الماضي على حلّ الأزمات السابقة، معتقدين أنها ستساعد اليوم على حلّ أزمة الطاقة أيضاً. بناءً على ذلك، يتصوّر الناشطون أن العمل-الحلّ في هذا الاتجاه يجب أن يكون مرتكزاً على المزيد من كل شيء عرفناه سابقاً: المزيد من التظاهرات، المزيد من المسيرات، المزيد من “التوعية” والضغط الإعلامي، المزيد من المنشورات، المزيد من الاجتماعات، المزيد من الانتخابات والأصوات…ألخ.

لكن هذه الوسائل للأسف غير قادرة وحدها على حلّ المشكلة، والسبب بسيط: لا يمكننا التظاهر ضد الجيولوجيا.

أسباب أزمة الطاقة هي أسباب بنيوية، معظمها مرتبط بالوقائع الفيزيائية والجيولوجية، وبعضها مرتبط ببنية النظام العالمي نفسه التي لا يمكن تغييرها من دون انهيار شامل. الأسباب الحقيقية لأزمة الطاقة تشمل:

– ارتفاع سعر الوحدة النفطية (سبب جيولوجي-اقتصادي بنيوي)

– ندرة الاكتشافات النفطية الجديدة (سبب بنيوي، لدينا كوكب واحد فقط وقد اكتشفنا تقريباً كل زاوية فيه)

– تجاوز الطلب على الطاقة للعرض (سبب بنيوي، ناتج عن التزايد السكاني وضرورة استمرار النموّ للحفاظ على استقرار النظام المالي-الاقتصادي العالمي)

– بلوغ معظم الدول المنتجة للنفط مرحلة “الذروة النفطية” التي لا يمكن من بعدها زيادة الانتاج (سبب بنيوي-جيولوجي بعد استنفاذ الحقول لنصف مخزونها النفطي، 61 % على الأقل من الدول المنتجة للنفط بلغت ذروتها وستلحقها كل الدول من دون استثناء بحلول بضعة أعوام – آخرها الكويت بحلول العام 2050).

كما نلاحظ، لا يمكن التغلّب على هذه الأسباب عبر الأدوات السياسية التقليدية، فالأزمة (في هذه المرحلة المتأخرة) ليست سياسيّة، ليست مرتبطة بشكل النظام سواء كان ديمقراطي أم دكتاتوري، ليست مرتبطة بنسبة الفساد في الدولة، وليست مرتبطة بقضايا أخرى مثل العدالة الاجتماعيّة، حقوق الإنسان، الصراع الطبقي، حقوق المرأة…ألخ. كل هذه الأمور تؤثر طبعاً على نتائج الأزمة وبعض معالمها، لكنها غير قادرة على حلّ جذور الأزمة: النظام النزيه غير الفاسد يستطيع أن يدير موارده بشكل أفضل وأن يطبّق بعض الخطط التي تحدّ من خطورة أزمة الطاقة، لكنه لا يستطيع تعبئة آبار النفط بطريقة سحرية بعد نفاذها.

لذلك حين يتظاهر المواطنون ضدّ الغلاء وارتفاع أسعار السلع الأساسية والمحروقات والخبز وكلّ ذلك (كما يحصل في العديد من الدول مؤخراً ومنها لبنان)، فهم يقومون حقيقة بعمل لا يغيّر شيئاً من الأزمة، ويطلبون من حكومتهم ما لا يمكن لها القيام به: تغيير الوقائع الجيولوجية. الحكومات يمكنها أن تطبّق حلول مؤقتة في هذا المجال، كتخفيض الضرائب ودعم السلع الأساسية، لكن المشكلة ستعود للظهور بعد أشهر معدودة بشكل أكثر خطورة، لأن الحكومات، مهما كانت قوّية ونزيهة لا تستطيع القفز فوق قوانين الفيزياء. لا يوجد حلّ سياسي لأزمة الطاقة، لكن السياسيّون والأحزاب لن يخبروننا بذلك (هذا إن كانوا يعلمون بجدّية أزمة الطاقة أساساً)، بل سيقومون بالعكس تماماً. علينا أن نتوقّع أن كلّ الأطراف السياسيّة (والدينية) في العالم ستحاول الاستفادة من تأزّم الأوضاع المعيشية والاقتصادية لكي تجذب المزيد من الأنصار وتربح المزيد من المقاعد عبر وعود غير قابلة للتحقيق.

العمليّة السياسيّة ستقع أكثر فأكثر في حلقة مغلقة من الأزمات وردود الفعل والعنف والخطابات الشعبوية في زمن محكوم بالانهيارات الكبرى؛ وكل الأطراف السياسيّة والدينية ستدّعي أنها تحمل مفاتيح الحلّ، لكن غالبيتها، إن لم يكن جميعها، لا تحمل لنا شيئاً ولا تفهم أزمة الطاقة ولا طبيعة الانهيار الذي يحصل لعالمنا. وعود كهذه لا يمكن أن تخدع من يفهم حقيقة أزمة الطاقة؛ من يفهم الأزمة يمكنه أن يرى بوضوح عبر الفوضى، يمكنه أن يعرف ماذا يحصل لعالمنا بالضبط في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بصراعات ثانوية لا تغيّر شيئاً على المدى البعيد.

قضيّة أزمة الطاقة والانحدار البطيء لحضارتنا ليست قضيّة ثانوية؛ الطاقة هي الأساس الذي تقوم عليه حياتنا. لا يمكن وضعها جانباً بانتظار حلّ قضايا أخرى. هذه القضية تتجاوز كل ما نعرفه من أزمات سياسيّة تقليديّة وتتجاوز بالتالي ثنائية اليسار\اليمين؛ اليسار واليمين هما توجّهان عالقان في التاريخ ومكبّلان بالرؤى الفلسفية والسياسية والاقتصاديّة التقليديّة التي لا تفيدنا كثيراً في القضيّة التي نتحدّث عنها.

الحلول المطروحة اليوم حول العالم بما يخصّ أزمة الطاقة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع:

حركات المطالبة: حركات المطالبة تعتمد تقريباً نفس أساليب الحركات السياسية التقليديّة بهدف الضغط على القادة السياسيين ودفع الحكومات للتخلّي عن النفط والقيام بعمليّة تحوّل واسعة النطاق نحو تقنيّات الطاقة المتجدّدة. من حركات المطالبة البارزة عالمياً، نذكر حركة 350.org التي تهدف إلى “إنشاء حركة شعبية عالمية لحلّ أزمة المناخ”. حركة 350.org نسّقت في العام 2009 نحو 5200 احتجاج في 181 دولة حول العالم في ما وُصف بأنّه “أوسع فعل سياسي في تاريخ الكوكب” لمطالبة الحكومات بتخفيض انبعاثات الكربون والتحوّل إلى الطاقة البديلة. فلسفة الحركة بحسب كلماتها تقوم على أنه “إن كان هنالك حركة شعبيّة عالمية تضع قادتنا أمام حقائق العلم ومبادىء العدالة، فسنستطيع تحقيق حلول تؤمّن مستقبلاً أفضل للجميع”.  لقد شاركت شخصياً في تنظيم التحركات المذكورة عام 2009 في العالم العربي عبر منظّمة IndyACT اللبنانية، قبل أن أصل إلى خلاصة أن الحكومات لا تستطيع ببساطة اتخاذ خيار بوقف الاقتصاد ووضع حدّ للنموّ السكّاني وتخصيص كل ميزانياتها فجأة لتقنيّات الطاقة البديلة بسبب مظاهرات هنا وهناك. أضف إلى ذلك أن خطط الطاقة البديلة تستوجب عقود لكي تثمر نتائجها وتستوجب ميزانيات ضخمة وضرائب تثير غضب الناخبين، كما أن هذا النوع من الطاقة لا يمكنه تأمين سوى 50 في المئة على الأكثر من الطاقة التي تحتاج لها حضارتنا.

حركات التحوّل: هذا النوع من الحركات لا يؤمن بمطالبة الحكومات بشيء، بل يعمل على الأرض لتحقيق تحوّل في مجالات الطاقة والزراعة والتنظيم المدني على المستوى المحلّي في القرى والشوارع، ويساعد البلديّات والسلطات المحليّة على وضع خطط عمليّة للتحوّل ضمن نطاقها الجغرافي. من حركات التحوّل البارزة هي حركة “شبكة التحوّل” التي بدأت في بلدة توتنز البريطانية وامتدت اليوم إلى مئات البلدات في أوروبا وأميركا الشمالية. تعرّف شبكة التحوّل عن نفسها بأنها “منظمة تدعم المبادرات المحليّة لمواجهة التغيّر المناخي وتراجع امدادات الطاقة الرخيصة، بهدف تعزيز الديمومة والسعادة”. وهي تعقد المحاضرات وورش العمل في القرى التي تعمل فيها، وتساعد الأفراد والمجتمعات على التحوّل نحو الطاقة البديلة عبر امور مثل تقديم المساعدات المالية والتقنية، المساعدة على تركيب الطاقة الشمسية والهوائية وتحصين المنازل مناخياً، المساعدة على شقّ الطرقات وإنشاء الحدائق وزراعة المصطبات وتغيير الهندسة المدينية…ألخ.

حركات الاستعداد الفردي: هذا النوع ليس حركات منظّمة بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن هنالك تيّار كبير من المطّلعين على أزمة الطاقة يعتبرون أن الحلول الجماعيّة غير ممكنة ويصبّون جهودهم حصراً على الاستعداد الفردي والعائلي لما بعد أزمة الطاقة. الاستعداد الفردي يبدأ من الأمور البسيطة مثل الاستعداد البدني والذهني والنفسي لمرحلة ما بعد النفط، وتعلّم بعض المهارات الضرورية لهذه المرحلة مثل النجارة، الحدادة، تصليح المنزل\الدراجة\السيارة، زرع الخضار، صناعة الملابس والمأكولات..ألخ. بعض الأفراد يأخذون خطوات أبعد ويغيّرون ظروف حياتهم بشكل جذري مثل الانتقال خارج المدينة، تحويل بيتهم إلى منزل إيكولوجي (مما يخفض كلفة الإضاءة والتدفئة والتبريد)، تخفيض الاستهلاك الفردي، إعادة جمع العائلة…ألخ. من حركات الاستعداد الفردي البارزة هي حركة “السحرة الخضر”Green Wizards التي انبثقت من مدوّنة المؤلف الأميركي جون-مايكل غرير. تقول الحركة أنه “سيكون هنالك تغيّرات هائلة تطال الجميع خلال السنوات المقبلة، وعلينا تعلّم العيش ضمن إمكانيّاتنا بطريقة مستدامة. علينا أن نتعلّم مهارات جديدة ونعيد تعلّم المهارات القديمة التي فقدناها، وفي الوقت نفسه الاستفادة من التكنولوجيا غير المدمّرة لكي نستطيع العيش والاستمرار في المستقبل”. فلسفة “السحرة الخضر” تقوم على تدريب الأفراد على مهارات يدويّة وتقنيّة وإيكولوجيّة مختلفة، لكي يستطيع هؤلاء فيما بعد أن يساعدوا مجتمعاتهم على الانتقال من عصر الوفرة والتكنولوجيا إلى عصر ما بعد النفط.

 *

هنالك العديد من الحركات والأفراد يؤمنون بمزج هذه الأنواع الثلاثة. ولدينا أيضاً نظرتنا الخاصّة لهذا الأمر، لكن شرحها يستوجب مقال آخر. في هذا الوقت، يمكن للقارىء أن يقيّم بنفسه الحلّ الذي يراه أقرب لرؤيته الخاصة، على أمل أن يخطو خطوة إضافية نحو العمل. الوقت ينفذ منّا أيضاً، لا النفط فقط…

3 comments

  1. عبير · مايو 21, 2012

    حبّيت كتير حركة الاستعداد الفردي..
    إنه لو منقدر نفوّت هيك برنامج على المناهج بالمدارس، ونعمل خلال الأسبوع حصص “مهارات” للأولاد (وأهاليهن).. هيك ممكن الحركة تبطّل بس فردية..
    دايما هيك عايش بعالم مثالي أنا وكلشي بدي اخده عالمدارس، وأطبّقه مع الجيل الجديد، وكإني مش عارفة إنه المدرسة هيي من أسوأ المؤسسات اللي بترسّخ كلشي عاطل بهالمجتمع.

    بكلّ الأحوال، مقالة مفيدة ولو على الصعيد النظري مبدئيا : )

  2. سهيل سعد · مايو 21, 2012

    تحية لك صديقي طوني
    في مقالك هذا اختصرت ما في ذهني، وهو حقيقة وقوعنا امام مشكلة جوهرية لا تنفع معها الحلول البسيطة، بل الحل يجب أن يكون جذري، ولكن المشكلة الكبرى أن هناك رأسماليين مستفيدين من الوضع الحالي، ومن الصعب جداً زحزحتهم وإجبارهم على طريق جديد، فهم يسعون إلى النمو والعالم يحتاج السكون والقبول بالوضع الحالي، وهم يسعون الى استنفاد الموارد والعالم يحتاج إلى ترشيد استهلاكها. وفوق هذا كله تأتي مطالبات الفرد والتي في الغالب تتوافق مع ما يريده الرأسمالي، ولكن الفرد مستهلك والرأسمالي مهلك.
    الوضع خطير، وأنا أميل إلى أمرين:
    1: طرح المسألة أمام الجمهور حتى تقام عليهم الحجة وحتى يقوي ذلك موقف أهل الحكمة والتبصر.
    2: العمل ضمن مجموعات متنورة، بحيث تسعى كل مجموعة إلى بناء مشاريع حضارية مصغرة يمكنها ان تعيش في عالم ما بعد النفط، على أن تكون هناك حركة تنويرية كبرى وشاملة تجمع كل المجموعات تحت ردائها، لتضمن هذه الحركة الكبرى إعادة ما أفسده المفسدون في عالم ما بعد النفط، أو على الأقل التخفيف من وطأة ذلك العصر.
    شكراً لك وبالطبع سأقص المقال وأحتفظ به.

  3. Tony Saghbiny · مايو 22, 2012

    @ عبير،
    حركات الاستعداد الفردي هيي أقرب شي لمتناولنا بالوقت الحالي على أمل انه تتحوّل بمرحلة لاحقة لحركات تحوّل. بلبنان عم جرب شوف الجوّ لحتى نبلّش نعمل ورشات عمل بهالمجال، بس بانتظار يكون فيه عدد كافي من الأصدقاء فهمان خطورة الأزمة وضرورة انه ينعمل شي بمواجهتها!
    سلامي عبّور

    *
    @ سهيل سعد
    يا هلا صديقي، مشتاقين
    انت محق بأن المستفيدين من المنظومة الاقتصادية العالمية لن يتخلوا عنها بهذه السهولة ولا مشكلة لديهم أن يدمّروا الكوكب والحضارة من أجل ملىء جيوبهم، هم يفعلون ذلك منذ قرنين على الأقل.
    الحلول التي طرحتها واقعية وهي بمتناولنا، اعتقد انه حين يكون هناك عدد كافي من الأفراد الذين يفهمون جيداً أزمة الطاقة والانهيار المقبل للحضارة فسيكون هناك احتمال كبير أن تنشأ حركة تحوّل حقيقية.
    لقد أعددت صفحة تحوي كل المقالات حول الأزمة الأخيرة وأزمة الطاقة على المدونة هنا، اعتقد انها ستكون مفيدة من الآن وصاعداً لمن هم جدد على هذا الموضوع.
    تحياتي

التعليقات مغلقة.