الأزمة الأخيرة: أهمّية الاستعداد الفردي لعالم ما بعد النفط

جنون النفط لن يتوقّف قريباً!

*

طوني صغبيني

*

اكتشاف الحقيقة حول أزمة الطاقة والسقوط البطيء لحضارتنا الصناعيّة ليس بالأمر السهل على أيّ منّا؛ عقولنا قد ترفض الحقائق للمرحلة الأولى، والنوم قد يهرب من عيوننا فيما نقلق ليلاً حول مصيرنا ومصير عائلتنا وربّما العالم بأكمله على وقع الحقيقة الجديدة.

صحيح أن بعض اللذين يطّلعون على الأطروحة يرفضونها، أو يعتبرونها مجرّد كلام في الهواء، ويكملون حياتهم بشكل اعتيادي كأن شيئاً لم يكن. نفس الأشخاص قد نراهم فيما بعد يتذمّرون عن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والأزمات السياسية ويتحدّثون بطلاقة عن المؤامرات العالميّة والمنعطفات التاريخية من دون أن ينتبهوا أن كل ذلك يعود إلى أزمة واحدة. فالاعتراف، حقاً، بأن العالم هو على وشك أن يتغيّر إلى الأبد، يتطلّب شجاعة حقيقيّة. لكن اللذين يملكون ما يكفي من الشجاعة للاعتراف بخطورة أزمة الطاقة، تنتظرهم غالباً أيام صعبة فيها قليل من النوم وكثير من التفكير.

على الصعيد الشخصي مثلاً، اكتشاف الوقائع حول أزمة الطاقة كان تدريجياً؛ في البدء كانت مجرّد بحث جامعي في صفّ دبلوم العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانية. لكن مع التعمّق أكثر في البحث والتواصل مع باحثين من كافة أنحاء العالم في هذا المجال، اتضّح لي يوماً بعد يوم أن الأزمة هي أخطر ما تواجهه البشرية في الوقت الحالي، إلى جانب معضلة الانهيار الإيكولوجي. خمس سنوات من البحث المكثّف حول الموضوع تمثّلت نتيجتها بنشر كتاب “الأزمة الأخيرة”، وبتحوّل شخصي وفكري هائل. التحدّيات الفكرية التي وضعتها أمامي الحقيقة الجديدة كانت كبيرة: ماذا يحصل لليسار واليمين؟ كيف يؤثر ذلك على القضايا السياسية وآليات التغيير؟ كيف سيكون المستقبل؟ ما هو نظام الحكم المناسب في ظلّ ندرة الطاقة؟ ماذا سيحصل لحقوق الإنسان؟ كيف ستنظّم المجتمعات نفسها؟

لكن الأسئلة الشخصية لم تقلّ صعوبة كذلك، واعتقد أن كل من اقتنع حقاً بخطورة أزمة الطاقة واجه الأسئلة نفسها: ما الذي سيحلّ بمهنتي؟ باختصاصي الجامعي؟ هل اشتري سيارة؟ أي يجب أن أسكن؟ ماذا سيحصل لعائلتي؟ ما الذي يجب أن أفعله لتجنّب الأسوأ؟

 *

هذا النوع من الأسئلة مؤرق فعلاً، والأجوبة ليست سهلة. أزمة الطاقة هي حقيقة يمكن لها أن تغيّر حياتنا بشكل جذري؛ هنالك العديد من الأفراد في الخارج قاموا بتغيير مهنتهم ومكان سكنهم بناءَ على هذه الوقائع. بعد خمسة أعوام من البحث عن أجوبة لهذه الأسئلة، لم أجد الجواب الذي أتوقعه، لكنني وجدت جواباً، يقنعني على الصعيد الشخصي على الأقل.

الجواب كان ببساطة الاعتراف بأننا لا نستطيع أن نتنبأ بالمستقبل لأنه مرتبط بملايين الخيارات الفردية والجماعية التي لا نعلم عنها شيئاً في هذه اللحظة. نحن لا نعلم ما إذا كانت الطاقة البديلة ستساعدنا بشكل كبير في المستقبل مثلاً أم لا، لا نعلم إن كانت المجتمعات ستنهار أو ستتكاتف على وقع الأزمة، لا نعلم إن كانت العودة إلى المحليات ستكون سريعة أو بطيئة، لا نعلم كيف ستتطوّر الامور خلال الأزمة (هل سيمكننا الاحتفاظ بتقنيّات الاتصال المتطوّرة فيما تتراجع المواصلات بشكل ملحوظ كما يحصل الآن؟)… هناك كمّ هائل من الأسئلة حول المستقبل التي لا نعلم أجوبتها.

لذلك ما يمكننا أن نقوم به هو ثلاثة أمور، أوّلها هو الكفّ عن القلق بشأن المستقبل، فنحن كأفراد لا نتحكّم به ولا يوجد أي حكمة في القلق حول أمر لا نملك عليه أي سلطة. ثاني هذه الأمور هو التحضير للمستقبل الذي نريده على الأرض؛ إذ إن المستقبل هو حصيلة خياراتنا التي نأخذها اليوم كما سبق وقلنا، ويمكننا منذ اليوم أن نبدأ برسم معالم هذا المستقبل عبر الانخراط في الحلول المطروحة حالياً أو التأسيس لحلول جديدة. وثالث هذه الأمور هو الحدّ الأدنى من الاستعداد الشخصي لعالم ما بعد النفط.

بما أننا تحدّثنا عن الحلول الجماعية المطروحة في مقال سابق بعنوان “ما العمل؟”، يمكننا هنا أن نذكر بعض الاستعدادات الشخصيّة المهمّة للعالم الجديد:

الاستعداد النفسي لعالم ما بعد النفط: الثقافة السائدة تقنعنا منذ نعومة أظافرنا بأن “التقدّم” هو أمر حتمي وأنه من طبيعة الحياة نفسها، لكنّه ليس كذلك. الاستعداد نفسياً لعالم مأزوم وغامض وربّما غير مستقرّ هو أمر ضروري؛ عالم الغد قد يكون أجمل وقد يكون أقبح، علينا في الحالتان ان نتقبّل كونه سيتغيّر إلى الأبد.

الخروج من السوق المالي: كل ما هو مرتبط بالبورصة والأسهم والتجارة الافتراضية والأسواق المالية سيكون غير مستقر خلال السنوات المقبلة، سيناريو عام 2008 قد يتكرّر في أكثر من منطقة وأكثر من مرّة. الخروج من السوق المالي في هذه المرحلة مهم.

الخروج من الدَيْن: الخروج من حلقة الاستدانة ضروري من الآن لعدّة أسباب؛ منها أن الأموال يمكن استعمالها بطرق أخرى، منها لأن أسواق العمل والمال غير مستقرّة والانهيار يمكن أن يحصل في أي شهر، والانهيار المالي قد يؤدي إلى خسارتنا لعملنا أو مدخولنا ويؤدي إلى عدم قدرتنا على الاستمرار بدفع الديون مع ما يعنيه ذلك من خسارة منزلنا، سيّارتنا، أو مدّخراتنا للدائنين. السبب الثالث للخروج من الدين هو افتراضي محض: إن حصل انهيار سريع، لا أحد يريد أن يرى عصابات الدائنين تطرق بابه، أو تجبره على بيع مقتنياته أو تأجير ساعات عمله لسداد الدين.

الاختيار الذكي للأمور الأساسيّة في الحياة: سواء كان سيّارة، أم منزل، لا تنسوا أخذ ارتفاع أسعار الطاقة بعين الاعتبار. شراء سيّارة ذات مصروف هائل من البنزين قد لا يكون حكيماً، كذلك شراء منزل في الطابق العاشر في مدينة مكتظّة، أو بيع منزل الوالدين في القرية.

العودة للأرض: إن كان خيار العودة إلى القرية والعمل والعيش هناك وإعادة تأهيل أرض زراعية ما إلى جانب المنزل متوافراً لكم، فلا تتردّدوا في القيام بذلك. هنالك منذ الآن حركة عودة شبابية نشيطة من المدن إلى الأرياف في بعض الدول الأوروبية التي تشهد أزمات اقتصادية مثل البرتغال واسبانيا واليونان، وسنشهد المزيد من هذه الظاهرة خلال السنوات المقبلة. كلما أسرعنا بالعودة وباكتساب جذور في قرانا وأرضنا، كلما كان ذلك أفضل.

حاول(ي) تعلّم بعض المهارات الضرورية: المهارات الأساسية التي نفقدها يوماً بعد يوم قد تصبح ضرورية جداً للعيش في عالم ما بعد النفط؛ هذه المهارات تشمل امور كثيرة بدءاً من الطبخ وتحضير المونة وزراعة الخضار على الشرفة، وصولاً للنجارة والحدادة وتصليح المنزل والدرّاجة والماكينات وصناعة الأدوات وما شابه من المهارات اليدوية. هنالك مهارات تقنيّة أيضاً ستكون ضرورية جداً، مثل تعلّم كيفية صنع توربين هوائي وتسخين مائي على الشمس وما شابه. اختاروا المجال الذي تحبّونه أكثر، وتعلّموا عنه قدر ما استطعتم.

تحسين اللياقة البدنيّة (وتعلّم الفنون القتاليّة إن أمكن): القدرة البدنيّة الجيّدة ستكون ضرورية لنا في عالم ما بعد النفط، لأننا سنمشي أكثر ولأننا سنضطر للقيام بالعديد من الأمور يدوياً بعد أن كنّا نقوم بها بمساعدة الآلات (بدءاً من تحضير القهوة، وصولاً ربّما لبناء المنزل وللعمل بشكل عام). كذلك سنحتاج للياقتنا البدنيّة للدفاع عن أنفسنا بشكل أفضل، في حال انتهى عصر القانون مع عصر النفط.

تعزيز المناعة البيئية للمنزل: هذا ينطبق علينا بشكل خاص إن كنّا نمتلك منزلاً مستقلاً؛ المنازل اليوم مهندسة لكي تحتاج لكميّات كبيرة من الكهرباء للإنارة والتبريد والتدفئة والصيانة، ويمكن إعادة هندستها من جديد لكي تحتاج لإنارة كهربائية أقلّ، ولتدفئة وتبريد وصيانة أقلّ أيضاً.

الخروج من ثقافة الاستهلاك: الهدف من هذه النصيحة هو عمليّ بحت؛ كلما كنا منغمسين أكثر في ثقافة الاستهلاك (للسلع والالكترونيات والمنتجات والميديا…) كلما كنا أكثر قابلية للالتهاء بأمور فارغة ونسيان أزمة الطاقة وإهمال التحضير الجدّي للمستقبل وربّما الانزلاق نحو النكران والاعتقاد بأن كل شيء بخير وأنه لا يوجد أزمة على الإطلاق.

الخروج من الصراعات السياسيّة الجانبيّة: أزمة الطاقة ستزيد من خطورة وعنف كافة الصراعات السياسيّة على الكوكب، لكن الغالبية الساحقة من هذه الصراعات لا تقدّم ولا تؤخّر على أزمة حضارتنا بشيء. قيّموا القضايا بحكمة، ولا تنخرطوا وتبدّدوا جهودكم ومواردك وطاقتكم وتعرّضوا أنفسكم للخطر إن كانت القضيّة عبثيّة وجانبيّة ولا تؤثّر على مستقبلنا بشيء.

 *

بهذه النصائح المتواضعة، ننهي سلسلة المقالات التي تتحدّث عن “الأزمة الأخيرة” والتي أردنا منها أن تضيف على كتابنا بعض الإيضاحات والشروحات الضرورية.

من الآن وصاعداً، الأمر لكم، أعزائي القرّاء. حظّا سعيداً!

3 comments

  1. shafaq94 · مايو 31, 2012

    السؤال الأهم لماذا لا يواجه العالم تحدياته؟ هل تعتقد أن الناس سيدركون المخاطرة التالية؟ للأسف إن الدول العظمى تستنفر لمصالحها فقط. على الرغم من أن هذه المخاطرة ستمحيهم من على وجه البسيطة.

    والشكر

    • Tony Saghbiny · يونيو 1, 2012

      أهلا وسهلا بك شفق،
      الإجابة بسيطة يا صديقي، كل أسلوب حياتنا المعاصر يرتكز على النفط، لا يوجد شيء يمكن للدول أن تقوم به، ولا أحد مستعدّ للتخلّي عن الحياة المعاصرة من أجل شيء غامض ومبهم في المستقبل. نحن مدمنون على النفط ونعيش حالة نكران.
      تحياتي لك

  2. Chami · يونيو 14, 2012

    Very insightful !

التعليقات مغلقة.