الجنون له اسم

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

طوني صغبيني

*

قبل أشهر معدودة من المفاوضات الدولية حول المناخ التي عُقدت في كوبنهاغن في كانون الأوّل عام 2009، قدّم مركز دراسات أوروبي بارز أحد أغرب الاقتراحات لخفض حرارة الأرض؛ اقتراح “سحري” يغني في نظره عن مشقّة التفاوض العالمي لخفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في الجوّ.

الاقتراح الذي حمله مركز “كوبنهاغن كونسينشون سنتر” يتمثّل بصرف 9 مليارات دولار لبناء نحو 2000 سفينة صناعية تجول المحيطات وتنفث رذاذاً كيميائياً في الجوّ يساعد على تشكيل غيوم بيضاء تسهم، بحسب المركز، في تخفيف كميّة أشعة الشمس التي تصل إلى سطح الأرض وتساعد بالتالي على تبريد أجواء الكوكب.

رغم أن الاقتراح المذكور مرفوض في الأوساط العلميّة الرصينة، إلا أنه كما كلّ الاقتراحات التي تشبهه لم ينشأ من فراغ، هو جزء من إصرار ثقافتنا المعاصرة على الاعتقاد بأننا نستطيع تغيير الكوكب بأكمله لكننا لا نستطيع تغيير طريقة عيشنا. الاقتراح هذا يحاكي ثقافة تعتقد أن البشر هم أسياد الكون والأرض والمعرفة ويستجيب لرغبتنا بإيجاد حلول سهلة لا تستوجب من أحد أن يتخلّى عن نمط حياته أو أن يقوم بتضحيات من أيّ نوع.

حين ينظر المرء إلى هكذا اقتراحات ويشاهد مئات القادة والمنظّمات غير الحكومية ووسائل الإعلام وهي منهمكة في مناقشة مشاكلنا المعاصرة والتفاوض على حلول لها، سيخيّل إليه أن القوى الفاعلة في حضارتنا تريد حقاً معالجة المشكلة؛ إلا أن نظرة متأنّية في كافة الحلول المطروحة تظهر أنها لا تختلف في الجوهر عن اقتراح إنشاء سفن صانعة للغيوم. المشترك بين كل الحلول هي أنها جميعها تهدف لـ”استمرار الأعمال كالمعتاد” على الكوكب وتريد تجنّب أي تغيير اقتصادي أو سياسي أو بيئي جذري، رغم أن استمرار الأعمال كالمعتاد هو المشكلة بحدّ ذاتها.

قلّة قليلة من المفكّرين والناشطين يتجرّأون اليوم على تحدّي فلسفة “الأعمال كالمعتاد”؛ الأكثرية ترتعب من الفكرة المعاكسة أو هي بكل بساطة غير قادرة على تصوّر الأمور بطريقة أخرى. نحن حضارة تمتلك مئة طريقة لصناعة أيّ شيء، لكن حين يأتي الأمر لأسلوب الحياة، لا نستطيع تخيّل وقبول سوى طريقة واحدة.

عدم استمرار الأعمال كالمعتاد لا يعني إيجاد طرق جديدة أكثر كفاءة لصناعة سيّارة، كما يحلو للبعض أن يقول، ولا يعني إيجاد طريقة جديدة لصناعة المنازل أو تدفئة الغرفة، بل يعني إعادة هندسة شاملة للمجتمعات البشرية نفسها.

لكن بدلاً من الاعتراف بذلك (ضرورة إعادة هندسة المجتمعات البشرية)، نجد أن معظم السياسيّين والمثقفين والمنظمّات البيئية يقترحون إعادة هندسة الكوكب، إعادة هندسة الطبيعة ذاتها، لكي يكون بإمكان المجتمعات البشرية الاستمرار بنفس نمط الحياة لبضعة أجيال أخرى. إن بقينا على هذا المنوال، لن يطول الأمر قبل أن تلتهم حضارتنا آخر حبّة تراب وتتنفّس آخر ذرّة هواء وتشرب آخر نقطة مياه وتقتل آخر كائن حيّ على الكوكب… وحتى هذه النتيجة المأسوية ليست مشكلة بالنسبة لنا، فنحن نعتقد أننا آلهة، أننا نستطيع اختراع التراب إن نفذت الأرض منه، وأننا نستطيع اختراع الحياة إن أصبح كل شيء حولنا جماداً.

صحيح أن اعتقادنا هذا غير عقلاني، لكننا كحضارة تخلّينا عن العقلانية منذ زمن طويل، منذ أن اعتنقنا أسوأ الأديان الغيبية: دين اسمه “النموّ”… هذا الدين له مقدّساته ومعتقداته الغريبة، له أنبياؤه وكهنته ومعابده المذهّبة. هذا الدين هو الفكرة الجوهرية التي تحرّك كل وجودنا اليوم: النموّ والاستمرار في النموّ إلى ما لا نهاية. البعض يطلق عليه اسمٌ أكثر رومانسيّة هو “التقدّم”، والبعض يسمّيه “الرأسمالية”؛ في جميع الأحوال الجوهر واحد.

النموّ والتقدّم الأعمى هو الهدف الأسمى لحضارتنا المعاصرة، حتى لدى أولئك الذي يشدّدون على ضرورة مواجهة أزماتنا الوجوديّة. اليسار المعاصر مثلاً، لا يدعو لوقف التقدّم، بل لإعادة توزيع حصص النموّ بطريقة أكثر عدلاً. المنظّمات البيئية أيضاً، بمعظمها، لا تدعو لإعادة النظر بالتقدّم بل تطالب بأن يبحث النموّ عن طرق بديلة لتدمير الكوكب بشكل يراعي البيئة.

الأزمات الوجوديّة التي نعيشها اليوم أسوأ بكثير مما نعتقد؛ لكن لا أحد يريد أن يسمع عنها شيئاً، نحن كبشر نكره الأخبار السيّئة بشكل عام ونحبّ متابعة برامجنا المفضّلة على التلفاز بهدوء حتى ولو كان منزل جيراننا يحترق. الأزمات التي تقوّض وجودنا اليوم تبدأ بالذروة النفطيّة وانحدار الطاقة، تآكل التربة، احتضار المحيطات، التغيّر المناخي، انقراض الفصائل، ولا تقف عند تفكّك المجتمع وانهياره الروحي التام وتحوّل الاكتئاب إلى صفة تلازم معظم سكّان الكوكب.

لكن القصّة الأليمة لحضارتنا هذه لم تبتدأ اليوم؛ ابتدأت منذ آلاف السنين حين قرّرت بعض المجموعات البشرية أن الكوكب وكل شيء عليه هو ملكها الخاص، مسخّر لها من قبل إله غاضب صنع كل الكون من أجل حفنة من القبائل البدويّة. واليوم تدخل حضارتنا إحدى أسوأ فصولها بشكل ينذر بنهاية كل المسرحيّة؛ لكننا على الأرجح غير متنبّهين لذلك لأننا مشغولين بتحديث صورنا على الفايسبوك.

تحدّثنا عن محوريّة فكرة “النموّ والتقدّم” لحضارتنا، لكي نلفت نظر القارىء أن المشاكل التي ذكرناها ليست مجرّد عوارض جانبيّة في حضارتنا، بل هي جزء أساسيّ منها، هي نتيجة طبيعية لها. أمّا الضحايا، فلا يقتصرون على الغابات المحروقة وقطعان الأيل المقتولة والجبال المفتتة والأنهار الملوّثة، بل يشملون سبعة مليارات سجين يعانون، يصلّون، يبتلعون الأدوية والأفلام الهوليودية كل يوم، يصرخون ويتقاتلون، وربّما يتملّك بعضهم شعور غريب بأنهم نزلاء سجن كبير من دون أن يفهموا السبب. وهذا هو الهدف من هذه السلسلة؛ شرح السبب وتعرية جذور المشاكل التي نتحدّث عنها.

حضارتنا بدأت كمجموعة بشرية صغيرة تحرث الأرض وهي تعتقد أن الله سخّر لها الكون، وانتهت بمنظومة تقتل لكي تعيش، تأخذ الحياة من حولها وتحوّلها إلى موت وقطع خردة، امبراطوريّة تنهمك في انتاج مليارات التغريدات على موقع “تويتر” فيما ينهار العالم، امبراطوريّة تشجّع أبناءها على قضاء حياتهم على الكنبة وعلى مواجهة أزمات الحياة بنقر زرّ Like على شاشة. امبراطوريّة تخاف الحبّ وتبيعه، تخاف البرّية وتمدحها،  تحتقر الطبيعة وتكتب عنها الأشعار، تخاف الحريّة وترفعها شعار، تدّعي العقلانية فيما هي تنتحر. هي منظومة معادية للحياة بكل ما للكلمة من معنى…

في ظلّ هكذا منظومة، أن تكون مع الحياة يعني أن تكون ضدّ النظام. أن تكون مع الحياة يعني أن تكون مهرطقاً في وجه دين النموّ، ومن هنا يأتي عنوان هذه السلسلة.

لقد سبق وكتبنا ضدّ النظام من الناحيّة الفكرية-الروحيّة، وتحدّثنا كيف أن المنظومة الروحية-الثقافية-الفكرية المعاصرة هي مأزومة وتدميريّة لعلاقتنا مع أنفسنا، مع الآخرين، مع الأرض ومع السماء. السلسلة كانت بعنوان “جروح كوزمولوجية: نحو التصالح مع الذات والأرض والسماء“. هذه السلسة هي توأم جروح كوزمولوجيّة، سنتحدّث فيها ضدّ النظام من الناحية الماديّة والمعيشية المباشرة.

المقالات التي أنتم على وشك أن تقرؤوها هنا، ليست رواية متسلسلة عن المنظومة التي تقتلنا، لا يوجد فيها بداية وحبكة ونهاية وأشرار وأبطال، بل هي موزاييك من الألوان والقطع الصغيرة أضعها الآن بين أياديكم لكي يكون بإمكان كلّ منكم أن يرسم لوحته الخاصّة عن اقتصاد مجنون، ثقافة عقيمة ومنظومة معادية للحياة… عن دين يقتل الكوكب وناسه من دون أن يرفّ له جفن… من الآن فصاعداً، صرنا نعرف أنه للجنون اسم، وأنه للمتمرّدين في وجهه قضيّة تساوي كل ما في وجودنا من قضايا…

____________________

الإثنين المقبل على نينار: الهندسة الاقتصادية-المالية القاتلة للنظام العالمي

____________________

13 comments

  1. عبير · يونيو 4, 2012

    مهمّ كتير ومشوّق، وحزين : (
    بانتظار بقيّة مقالات السلسلة.

    • Tony Saghbiny · يونيو 4, 2012

      هوي مش لازم يكون حزين عبّور، هوّي حتى نعرف كيف بدنا نروح على المستقبل : )

  2. تنبيه: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه « نينار
  3. Hanibaael · يونيو 4, 2012

    يلا بالانتظار!

  4. غير معروف · يونيو 4, 2012

    http://en.wikipedia.org/wiki/Ishmael_%28novel%29
    ذكرتني بذي الكتاب اللي اقراه حاليا ، يشبه كلامك نوعا ما .
    متابع لك توني ،

    • Tony Saghbiny · يونيو 4, 2012

      مرحبا صديقي، بالفعل الكلام هنا متأثر بفلسفة نقد الحضارة وكتب دانيال كوين، التي قرأت معظمها حتى الآن، هي من أهم الطروحات في هذا المجال.
      إن كنت مهتم بهذا المجال، انصحك أيضاً بالاطلاع على كتابات اثنين آخرين هما Derrick Jensen و John Zerzan.
      تحياتي لك

  5. حسين رمّال · يونيو 4, 2012

    مشتقلك انطون
    ويعطيك ألف عافية
    وللحقيقة مش عارف من وين بلّش (ضحكة كرمال زمان ما كتبت) وأطيب مطرح ممكن إرجع إكتب فيه هو هون
    يمكن ابتعدت شوي (مشاغل) بس كنت عم ضل تابع واقرأ بصمت واسمحلي بس هنّيك على هيدا التألق يلّي عم يزداد أكتر وأكتر بخطّك ونهجك الطّيب وقلمك البهي
    يا رجل بتشرحلي قلبي لمّا اقرأ إلك ع كل المحاور…
    وهلّق تأرجع للموضوع يلّ رح بتلاقيني عم تابعو ومش قادر ضيف شي إلاً توضيح بسيط هو الفرق بين المثقف المبدع والمثقف الجمّاع والمناع. إنو رح تلاقي أشخاص كتار عندن قدرة على تخزين وتجميع المعلومات ولكن بيوظفوها على أهواء الحال. وقلّة قليلة بس بتعمل يلّي بتقولو وهون الإبداع، ورح تسمحلي قول إنك من هؤلاء المبدعين يلّي مش بس عندن كم طيّب من المعلومات يلّي بيطوروها مش بس تتصير معارف لديهم ولكن تحتى يشاركوها ويقومو فيها. ومن هون العودة لصلب موضوعك بهيدي الجزء :” الأسلم تغيير جذري يتعرّض لطريقة عيشنا نحن”.

    مش رح طوّل أكثر من هيك
    تحياتي جداً … وعل الخط
    نلتقي قريباً

    • Tony Saghbiny · يونيو 5, 2012

      مشتاقين كحسّون،
      تسلم كرجل. زمان ما شفناك هون أو قرينالك شي على المعمل! جرّبت تلفنلك اليوم الصبح قبل ما امشي عالشغل بس يمكن كنت بالصفّ ، بتمنى يكون كل شي صوبك بخير : )

      الجملة اللي قلتها يا صديقي بتختصر كل شي، الأجدى تغيير طريقة عيشنا نحن.
      نتحاكى ومنلتقي قريباً

  6. وائل · يونيو 9, 2012

    رائع
    الله يعطيك العافية و الصحة.

  7. salimallawzi · يونيو 18, 2012

    كتير كتير مهم !!

  8. تنبيه: بطاقة الائتمان والعبودية المقنّعة « نينار

التعليقات مغلقة.