بيع غابة دلبتا: نحو تطوير أساليب المقاومة الخضراء

من البوسترات الاحتجاجية التي ظهرت على الانترنت.

* * *

صدمة بيع إحدى أقدم غابات كسروان – جبل الصليب، للأمير السعودي مقرن بن عبد العزيز آل سعود، حرّكت العديد من الناشطين المدنيين في بيروت؛ البعض استنكر، والبعض اقترح إقامة احتجاج أمام السراي الحكومي، والبعض اكتفى بالانهيال بالشتائم الفايسبوكية على الخليج و”المخطط الإسرائيلي-السعودي-الأميركي-الفضائي”. في كل الأحوال، ردّة الفعل، بمضمونها وخجلها، هي تطوّر إيجابي مهم لكنها أيضاً تكشف أيضاً كم نفتقر في لبنان إلى حركات مقاومة إيكولوجية واجتماعية ناضجة وحقيقية.

الاستنكار المذكور هو سابقة في أجواء الناشطين اللبنانيين اللذين نادراً ما علّقوا في الماضي على عمليّات بيع مساحات هائلة من الأراضي الخضراء لمختلف الأطراف. لم نعرف حتى الآن ما إذا كان الاستنكار المذكور قائم على أساس بيئي بما أن الجبل غابة قديمة وسيتم تحويله إلى فيلات وخردة، أو سياسي، بما أن الحكومة التي أقرّت مرسوم البيع خاضعة لتحالف حزب الله-عون، أو هو نابع بكل بساطة من موقف طائفي أو من احتقار جنسيّة الشاري (سعودي) الذي يشكّل سمة مشتركة لشريحة واسعة من الناشطين. النقطة الأخيرة قد تكون نابعة من خلفيّات سياسية، طائفية، وبيئية أيضاً بما أن تصرّف الغالبية الساحقة من الشراة الخليجيين في لبنان معروف جيداً: يختارون أفضل أماكن خضراء في الجبل ويحوّلنها لخربة لا تحوّي سوى قصر فخم وفارغ.

قلنا أن ردّة الفعل إيجابية لكنها تدلّ على افتقارنا لحركات جدّية، ويمكننا ملاحظة ذلك من خلال النقاط التالية:

– لم تظهر هنالك أيّ قوّة بيئيّة منظّمة قادرة على التحرّك مباشرة لمواجهة الموضوع.

– غياب قوّة مدنيّة وبيئية حقيقية أتاح للسياسيين المناطقيين وضع يدهم على القضية ومصادرتها بالكامل وتحويلها إلى قضية طائفية وانتخابيّة بامتياز.

– ردّة الفعل الأولى لدى الناشطين المدنيين كانت بالدعوة لاحتجاج في بيروت؛ ردّة الفعل الثانية الأكثر محلية كانت بالدعوة لاحتجاج في دلبتا – كسروان (المنطقة التي حصلت فيها عملية البيع). في الحالتان نلاحظ أن القوى الأهلية والمدنية عالقة في ذهنية وأسلوب “الاحتجاج” ولا تستطيع تخيّل أي طريقة مختلفة للضغط السياسي. ردّة الفعل المحلّية المكوّنة من الأهالي، نجحت حتى الآن في تحريك بعض السياسيين (اللذين يهتمّون بالقضيّة على قدر طموحاتهم الانتخابية بطبيعة الحال)، لأن الاحتجاج المحلّي في هكذا قضية يمتلك قدرة ضغط. أمّا اقتراح الاحتجاج في بيروت فهو غير منطقي، إذ أين هي عناصر الضغط السياسي في احتجاج يتيم لدقائق، لناشطين غير مرتبطين مباشرة بالقضية؟

– في أجواء الحملة المحلية في دلبتا، كان هنالك تركيز من قبل العديد من الناشطين على تبرئة التيار الوطني الحرّ من مرسوم الحكومة، رغم أنّه يمتلك ثلث الأعضاء في مجلس الوزراء (و21 وزير مع حلفائه المباشرين) وجميع نوّاب كسروان. البعض ركّز على ضرورة تحييد القضية تماماً عن السياسة؛ إحدى الناشطات التي نظّمت بعض التحركات المرتبطة بالقضية تقول في صفحة على الفايسبوك “يجب أن نتجنّب الجدل السياسي من أجل الوحدة حول هذه القضيّة المشتركة”. قد يكون الهدف من التشديد على هذا الأمر هو تجنّب الغرق في مستنقعات الانقسام السياسي اللبناني، لكن الحلّ ليس بتجنّب السياسة بل العكس تماماً: الجدال السياسي هو في صلب هذه القضيّة وعلى المواطنين أن يعلموا أسماء ممثّليهم اللذين سمحوا بحصول هكذا أمر لكي يستطيعوا محاسبتهم في صناديق الاقتراع حين يحين الوقت، ولكي لا يقعوا مجدداً في خطيئة انتخاب نوّاب ووزراء يوقّعون على مراسيم تسمح ببيع قراهم من دون أن يرفّ لهم جفن.

– لم نر سوى قلّة قليلة من الناشطين البيروتيين يبادرون للتواصل مع اللجنة المحلية التي كوّنها أهالي دلبتا لمتابعة القضية، أو يسألونهم عمّا يحتاجونه في حملتهم؛ قلائل جداً هم اللذين وضعوا قدراتهم في تصرّف أهل دلبتا فيما اكتفى الآخرون بالاستنكار الفايسبوكي.

– الاهتمام الذي حظيت به القضيّة في أوساط الناشطين المدنيين لم يتجاوز بضعة أيّام، وهذه مشكلة جديدة نواجهها مؤخراً، هي انتقال الناشطين باستمرار من قضيّة لأخرى من دون التركيز على أيّ واحدة منها، ومن دون تحقيق أي تقدّم أيضاً.

– أفضل اقتراحي عمل في هذا الشأن هما: العمل مع أهل دلبتا في حملة ضغط سياسية على السلطات المحلية والفعاليات المناطقية والحكومة لإبطال مفاعيل القرار (هذا ما يحصل حالياً). وفي حال فشل ذلك، التحضير لحملة تعطيل استراتيجي لأي عمليّة استثمار للأراضي المباعة (لم نسمع باقتراح من هذا النوع بعد). الاقتراح الأخير يتضمّن منع الجرافات وآليات البناء من الدخول والعمل في الأراضي المباعة عبر الاحتجاجات واحتلال الأرض، وفي مرحلة لاحقة، تعطيل آليات ومعدّات البناء بالقوّة إن استلزم الأمر، حتى نصل إلى مرحلة تصبح فيها كلفة الاستثمار على الشاري أعلى بكثير من أي مردود من المشروع، ما يؤدي إلى انسحابه منه وعدوله عن تنفيذه.

غاباتنا أكثر قيمة بكثير من أن نسمح بتدميرها لكي يبني أحدهم قصراً! إن وصل أهل دلبتا إلى المرحلة الثانية، أعلموننا لكي نحمل مطرقتنا معهم!

One comment

  1. نقد بنّاء · يونيو 12, 2012

    حُرق الحرش !!!

التعليقات مغلقة.