الهندسة الاقتصادية – المالية القاتلة

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

طوني صغبيني

*

الفكر الاقتصادي المعاصر مجنون، وبإمكان أي طفل في الصفوف المدرسيّة الأولى أن يكتشف ذلك. المشكلة الأساسيّة فيه هي أنه منفصل تماماً عن النظام الطبيعي الذي يشكّل أساس الحياة وينظر إلى النظام البيئي على أنه عنصر ثانوي تابع للنظام الاقتصادي-المالي لا العكس. مشكلته الثانية هي أنّه يقوم على حلقة مفرغة من الاستدانة-النموّ-الربح؛ وهذه الحلقة تضع كل سكّان الكوكب في حالة من العبودية لا يمكن أن تنتهي إلا إذا انتهى النظام الاقتصادي نفسه، أو إذا انتهى الكوكب.

الاقتصاديون والخبراء الماليون الذين يديرون كافة تفاصيل حياتنا اليوم يعتبرون أن الموارد الطبيعيّة تأتي من الأسواق لا من الأرض. الجنون، يبدأ من هنا. أحد الاقتصاديين الأميركيّين يعبّر عن جوهر هذا الفكر في معرض حديثه عن مصادر الطاقة، يقول: “هنالك الكثير من الوقود النفطي ولا يوجد حدود على قدرة التوليد الكهربائي. هذه كلّها مسائل مرتبطة بالمال”[1]، كأنّ النفط ينبع من خزنات وال-ستريت، لا من باطن الأرض.

النتيجة الطبيعية لهذه الفلسفة تتمثّل في الاستعباد المنهجي للإنسان والتدمير المنهجي للبيئة في سبيل الربح، لأن الأولوية هي للسوق لا للبشر ولا للطبيعة. طالما أن النظام يعتبر أن الربح هو الهدف الأسمى، فلا مشكلة إذاً في سحق ملايين الناس وبيع حيواتهم بثلاثون من الفضّة، وطالما أن النظام يعتقد أن الأخشاب والطعام تأتي من الأسواق لا من البيئة، لا مانع إذاً من تدمير الغابات والأراضي من أجل حفنة من الدولارات؛ فـ”هذه كلّها مسائل مرتبطة بالمال”، بحسب فكر النظام.

النتيجة الثانية لهذا المنطق الغريب تتمثّل مؤخراً في انفكاك الاقتصاد المالي عن الاقتصاد الحقيقي، ما يؤدّي بدوره إلى تسارع التدمير البيئي والبشري بشكل غير مسبوق.

في بداة الثورة الصناعيّة كان الانتاج هو محور الاقتصاد وبقيت نسبة النموّ بالتالي محصورة بالقدرة على زيادة الانتاج الحقيقي من الخدمات أو السلع. أما اليوم فالتبادلات المالية هي محور الاقتصاد لا الانتاج؛ خلق الثروة المالية لا يستوجب بالضرورة خلق انتاج حقيقي، إذ تكفي المضاربة بالعملات والأسهم والقروض والعقود الطويلة الأجل لتحصيل ثروات هائلة.

بكلمات أبسط، لقد انتقلنا خلال العقدين الأخيرين من اقتصاد قائم على الانتاج الحقيقي إلى اقتصاد قائم على قوّة الورق والحواسيب البنكية: أي على العدم. ومن الطبيعي أن يكون أي اقتصاد قائم على العدم هشّ وضعيف، دزينة الانهيارات المالية التي سبقت الانهيار الكبير عام 2008 هي النتيجة. تبخّر ترليونات الدولارات إلى غير رجعة لا يجب أن يكون مفاجأة حين يكون الاقتصاد نفسه قائم على العدم.

لكن الأمر بسيط لو أن المشكلة تقتصر على تبخّر الدولارات؛ المشكلة الحقيقيّة هي في تبخّر الكوكب. المنظومة الاقتصادية هذه تحتاج إلى نموّ دائم لكي تغذّي ماكينتها؛ ولا يمكن للقادة السياسيّن أن يقرّروا يوماً أنهم يريدون إيقاف استغلال الموارد أو تخفيض نسب النموّ، هكذا قرار مستحيل لأنه يعني انهيار هذه المنظومة الاقتصادية بشكل كامل.

لكن لماذا تستوجب هذه المنظومة النموّ الدائم؟

الإجابة بسيطة، لكن على القارىء أن يتحمّل معنا بعض الشرح المطوّل إن كان يريد أن يفهم طبيعة النظام الذي يتحكّم بحياته.

التعاملات المالية اليوم تتمّ باستعمال نوعين من النقود: النقود الورقية العاديّة التي تصدرها الحكومات والنقود “المصرفية” – إن صحّ التعبير – التي تصدرها المصارف المركزية والبنوك والمؤسسات المالية مثل سندات الخزينة، القروض، العقود الآجلة…ألخ.

عالمياً، تتمّ 10 في المئة فقط من المبادلات المالية في العالم عبر النقود الورقية الحقيقية، فيما تتمّ 90 في المئة من المبادلات باستعمال النقد المصرفي[2]. النقود المصرفية، صاحبة نسبة الـ 90 في المئة في الاقتصاد العالمي والعامود الفقري لاقتصاد العولمة، هي المشكلة الأكبر لأنها:

– دين بالفائدة.

– هي أيضاً خلق “وهمي” للنقود، أي أنه عند لحظة إصدار القرض لا يتم خلق أموال جديدة تستمدّ قيمتها من زيادة الانتاج الحقيقي، بل يتم الارتكاز على الأموال الموجودة سلفاً، على عامل “الثقة” المالية بالحكومة والبنوك، أو حتى على لا شيء على الإطلاق لإصدارها.

 *

لهذا السبب تحديداً تصبح الكتلة المالية في الاقتصاد مع الوقت أكبر بكثير من قيمة الاقتصاد الحقيقي. يمكننا أن نعطي المثال التالي لتوضيح ذلك: فلنقل أن قيمة الناتج القومي في بلد ما هي عشرة مليارات دولار، لكن مجموع المبادلات المالية فيه هو 100 مليار. كيف يمكن للمبادلات المالية أن تكون عشر أضعاف قيمة الاقتصاد الحقيقي؟ من أين تأتي الـ 90 مليار الباقية؟ هي تأتي بشكل أساسي من القروض الداخلية والخارجية التي يصدرها البنك الوطني أو البنوك الأجنبية، أو التي تحصل عليها الدولة من الحكومات الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي. النتيجة هي بطبيعة الحال أن بلد كهذا سيكون مديناً بالكثير من المال لأطراف داخلية وخارجية؛ لكن مشكلته الحقيقية هي أن ديونه أكبر من ناتجه القومي، أي أنه لن يكون قادراً في أي يوم من الأيّام على سداد ديونه.

العديد من الدول في العالم اليوم هي في مثل هذا الوضع تحديداً، لكن ماذا نقول لو علمنا أن هذه الحالة تشمل في الواقع العالم كلّه؟ هذا هو واقع الحال، إذ إن المبادلات المالية العالمية تبلغ عشرات أضعاف قيمة الاقتصاد الحقيقي، ما يعني أن الاقتصاد بكامله يقوم اليوم على الدَيْن، كما أن كل حكومات ومعظم شركات العالم هي مدينة بالمال للمؤسسات المالية. هذا يعني أنه على حكومات وشركات العالم أن تقوم بنشاط اقتصادي محموم ومستمرّ لكي تدفع فائدة الأموال المتراكمة باستمرار. وبما أن معظم هذا المال المتداول قائم على الدَيْن وليس وليد انتاج اقتصادي حقيقي، وبما أن الاقتصاد الحقيقي لا يمكن في أي يوم من الأيام أن يساوي حجم الاقتصاد المالي، فهذا يعني أنه لا يمكن سداد هذه الديون أبداً.

ماذا يحصل إن كان هنالك دولة واحدة أو قطاع اقتصادي ما عاجز عن تسديد فائدة الديون؟ النتيجة تشبه تأثير الدومينو، إن انهارت قطعة واحدة تنهار كل القطع؛ وحجم الكارثة يرتبط بحجم الدولة والقطاع المذكور.هذا ما حدث مثلاً خلال صيف 2008 حين سبّب عجز المواطنين الأميركيين عن سداد قروضهم العقارية انهياراً مالياً في الولايات المتحدة ثم ركود اقتصادي شمل العالم كلّه. ولهذا السبب يهبّ الاتحاد الأوروبي لإنقاذ أي دولة من دوله تعجز عن سدّ الديون كاليونان، وتهبّ الحكومات لإنقاذ الشركات والمؤسسات الماليّة على حساب المواطنين.

وهنا يمكننا أن نشاهد الحلقة المفرغة بوضوح: الديون تنمو باستمرار بسبب الفائدة وعمليّة خلق الأموال، ولا يمكن لأي طرف اقتصادي في العالم أن ينسحب من هذه المنظومة لأن أي انهيار في حلقة الإدانة-الاستدانة يعني انهيار اقتصادي شامل (مع وجود استثناءات طبعاً). الطريق الإجباري الوحيد لجميع الأطراف هو بكل بساطة الاستمرار في النموّ الاقتصادي إلى ما لا نهاية لتغذية الديون تحت طائلة الانهيار.

ولهذا السبب يجب على الشركات الإمعان في تدمير البيئة وانتهاك حقوق الإنسان والعمّال لتحقيق المزيد من الأرباح باستمرار لتغذية رأسمالها ودفع فوائد الديون، حتّى استنفاذ آخر غابة ونهر ومنجم وقلب نابض على الكوكب.

مؤلف كتاب “نهاية النموّ”، ريتشارد هاينبرغ، يصف هذه العملية قائلاً: “معظم المال حالياً مستمد من البنوك وهو قائم على الدَيْن، ويقتضي أن يلتزم طرف ما بدفع ربا هذا الديْن. فإن لم يَنمُ الاقتصاد، لن يتولد ما يكفي من المال لدفع فوائد الديون، فيعجز المدينون عن سداد كثير منها ويحصل انهيار. وعليه، فإنه يستحيل مبدئياً تحقيق اقتصاد ثابت أو منكمش بنقدٍ قائم على الدين”[3]. ويتابع: “إذ كان لنا أن نحقق مجتمعاً مستقرً، سوف نحتاج إلى تغيير النظام النقدي إلى نظام غير قائم على الدين والربا”[4].

الهندسة المالية-الاقتصادية لحضارتنا خلقت لنفسها حفرة عميقة جداً ووقعت فيها؛ واليوم نحاول الخروج منها جاهدين من دون أن ندرك أن ذلك مستحيل في ظل النظام القائم. الطريقة الوحيدة للخروج هي بتغيير (أو تدمير) النظام بأكلمه.

*
_____________
الاثنين المقبل على نينار: الانفجار السكاني: ثلاث كواكب أخرى لري ظمأ النمو
_____________
*

هوامش:

[1] The Oil Age is Over, Matt Savinar, p. 50.

[2] The New energy crisis: Climate, Economics and Geopolitics , Edited by Jean-Marie Chevalier, p.5.

[3] هاينبرغ، غروب الطاقة، مرجع سابق، ص 112.

[4] المصدر نفسه، ص 113.

10 comments

  1. تنبيه: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه « نينار
  2. غير معروف · يونيو 11, 2012

    لطيف يا توني ،
    خارج الموضوع بس ،
    تنصح باي كتب عن الفكر الاناركي مع بدون كلام اليوتبوبيا و بشاعة الدولة و امجاد كاتالونيا .
    بغيت التطبيق المباشر بدون تنظير و ما شابه

    • Tony Saghbiny · يونيو 12, 2012

      هلا صديقي، للأسف كتطبيق مباشر التجربة الإسبانية كانت أهم وحدة ولا يوجد تجارب جماعية من بعدها تستحق الذكر.
      لذلك الكتب عن التطبيق المباشر قليلة، بعرف بعض الكتب الانكليزية اذا بدك بس بالعربي ما عندي فكرة.

  3. غير معروف · يونيو 12, 2012

    كتب انجليزية عادي

    • Tony Saghbiny · يونيو 12, 2012

      ماشي صديقي بكرا الصبح بكون بالبيت بشوف شو عندي مراجع وبرجع لهون : )

  4. Tony Saghbiny · يونيو 13, 2012

    بالمراجع اللي بالبيت لقيت هودي صديقي اذا قدرت تلاقيهم بمكتبة صوبك:
    – 21st Century Dissent Anarchism, Anti-Globalization and Environmentalism, Griorel Curran
    – Changing anarchism: Anarchist theory and practice in a global age
    – Anarchy Works, Peter Gelderloos
    – Anarchy in Action, Colin Ward

    المراجع كلها جديدة نسبياً وطالعة بين 2006 و2011 إلا آخر واحد طالع بال 96.

    تحياتي

  5. تنبيه: الانفجار الاستهلاكي والسكّاني: ثلاث كواكب أخرى لريّ ظمأ النموّ « نينار
  6. تنبيه: فيما العالم يحترق… هنالك مستقبل آخر ممكن « نينار
  7. تنبيه: بطاقة الائتمان والعبودية المقنّعة « نينار
  8. تنبيه: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه | نينار

التعليقات مغلقة.