الانفجار الاستهلاكي والسكّاني: ثلاث كواكب أخرى لريّ ظمأ النموّ

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

طوني صغبيني

*

نظراً لطبيعة النظام الاقتصادي – المالي المعاصر، تجد الرأسمالية نفسها في حاجة دائمة لزيادة النموّ؛ هذا يحتّم بدوره تشجيع سكّان العالم على المزيد والمزيد من الاستهلاك لكي يكون بالإمكان تغذية ماكينة النموّ والتقدّم وصناعة المال إلى ما لا نهاية.

النتيجة هي أننا أصبحنا مجتمعات مدمنة على فكرة “التقدّم”؛ نحن مهووسون باستمرار بصناعة سيّارة أسرع وهاتف أكثر تطوراً وشاشة تلفزيونية أكبر، نرمي حاسوبنا القديم في القمامة لكي نشتري حاسوب أكثر تطوراً بنفس السهولة التي نغيّر بها قمصاننا. وحين يقوم المفكّرون والسياسيّون والناشطون والصحافيون في مجتمعنا بالحديث عن المستقبل، يصورّوه لنا على أنه يتضمّن المزيد من كل شيء نمتلكه اليوم. نحن نعتقد أن التقدّم والتطوّر المستمرّ طبيعي لدرجة أننا لا نتوقّف للحظة لنفكّر بنتائجه، أو لنقيّم بعقلانية ما إذا كان النموّ اللانهائي ممكن على كوكب محدود الحجم. هل نعتقد أننا نستطيع استهلاك الكوكب حتى الموت من دون أن نموت نحن معه؟ يبدو أن الثقافة السائدة تؤمن بذلك بقوّة.

كلّ فرد منّا في الوقت الحالي يستهلك خلال عام ما كانت تستهلكه في الماضي قرى بأكملها. والإعلانات تُبرمج كل جيل جديد على الاستهلاك بوتيرة أكبر من الجيل الذي سبقه. يكفي أن ننظر اليوم إلى الأجهزة الالكترونية التي يمتلكها أي مراهق من لابتوب وآي-فون وبلاي-ستايشن وآي-باد…ألخ، وإلى عاداته الاستهلاكية من قهوة وسكاكر وحفلات وملابس وسيارات، ونقارنها مع ما كان يمتلكه المراهقون من ثلاثون عام لكي نعرف الفارق الهائل في وتيرة الاستهلاك بين جيل وآخر.

يمكننا أن نطلق على هذه العمليّة اسم التوسّع الاستهلاكي “العامودي“، حيث أن الفرد يقوم باستهلاك موارد أكثر عام بعد عام.

معظم الحركات البيئية واليسارية والمناهضة للعولمة حول العالم تقول أن هذه هي المشكلة الأساسية التي تلقي بثقلها على البيئة والتي تهدّد سلامة الحياة على الكوكب، إلا أن ذلك ليس سوى نصف الحقيقة. فإلى جانب النموّ العامودي في الاستهلاك، هنالك نموّ أفقي لا يقلّ عنه خطورة ناتج عن زيادة عدد السكّان: هنالك 18000 طفل جديد يأتون إلى هذا العالم كلّ ساعة!

وجود المزيد من الناس يعني زيادة استهلاك كل شيءّ على الكوكب، فهو يحتّم إنشاء المزيد من المباني، إنتاج المزيد من الطعام والمياه والملابس والمواصلات والأعمال والخدمات…ألخ.

معظم الحركات حول العالم تتجنّب الحديث عن هذا الموضوع لحساسيّته الإنسانية والقوميّة والدينية، لكن هذا لا ينفي كون الزيادة السكّانية معضلة حقيقية، خاصة بعدما أثبتت العديد من الدراسات أن عدد سكّان الكوكب تجاوز القدرة البيئية للأرض على الاستيعاب (بالإنكليزيةEarth Carrying capacity ).

في دراسة إيكولوجية ميدانية نشرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتّحدة، كانت الخلاصة إلى أن “الأثر الإيكولوجي Ecological footprint  الحالي للبشر يفوق القدرة البيولوجية للأرض بنحو 20 في المئة”[1]. هنالك دراسات أخرى تتحدّث عن أن “البشرية باتت في العام 2006 تستهلك أكثر بـ 40 في المئة من قدرة الأرض على تجديد مواردها الطبيعية”[2]. يخلص البحث الأوّل في القول أنه “نتيجة الافراط في الاستهلاك، إن الاقتصاد البشري يسيّل حالياً الرأسمال الطبيعي للأرض بكل ما للكلمة من معنى”[3].

الوضع يبدو أكثر سوءاً بكثير إذا ما أخذنا بعين الاعتبار معدّل الزيادة السكّانية: عدد سكّان العالم اليوم هو أكثر من سبع مليارات بقليل، وبحسب معدّلات النموّ السكّاني، من المتوقّع أن يبلغ عدد السكّان 9 مليارات نسمة بين عامي 2040 و2050[4] ليصبح بعد بضعة عقود 12 مليار نسمة تقريباً (لكن بعض الدراسات تتوقّع أن يحدث انهيار غذائي – أمني – اقتصادي دراماتيكي قبل وصولنا إلى هذا العدد).

عواقب النموّ السكّاني لا يمكن تجاهلها؛ فهو يهدّد توافر المياه العذبة، الموارد الطبيعية، يضاعف تلوّث الهواء والمياه ويزيد نسبة إرهاق التربة وخسارة الأراضي الزراعية ونسب التصحّر، يسرّع عمليّة تعرية الغابات ويقتل المزيد من الأنظمة الإيكولوجية والفصائل الحيّة، يضاعف انبعاثات غازات الدفيئة في الجوّ، يؤدي إلى تدهور مستويات الرعاية الصحيّة وانتشار الأمراض والأوبئة وتدنّي معدلات أمد الحياة، يؤدّي إلى ارتفاع نسب الجريمة والفقر والجوع وسوء التغذية، يزيد الصراعات على المناطق والموارد والقضايا، وأخيراً، له عواقب سلبيّة جداً على الحريات الفردية وأسلوب الحياة ككل.

يعبّر أحد المؤلفين عن جوهر المشكلة بالقول أن “كل توقّعات الزيادة المرتفعة في عدد السكّان لا تأخذ بعين الاعتبار ما يعنيه ذلك من نتائج مثل انهيار حقوق الإنسان، رفض التنوّع البيئي، تدنّي القيمة الثقافية والجماليّة للبيئات الطبيعية والأصناف الحيّة الأخرى، وتقليص الكائنات البشرية إلى مجرّد آلات أوتوماتيكية مستهلكة للسلع”[5].

هذا ولم نتحدّث بعد عن الزيادة الاستهلاكية الناتجة عن رغبة المجتمعات النامية بمحاكاة مستوى المعيشة لدى الدول المتقدّمة. بالمقارنة بين الاثنين نرى أن المواطن الأميركي الشمالي يستهلاك نحو 8 أضعاف ما يستهلكه المواطن البرازيلي و20 ضعف ما يستهلكه المواطن الهندي و41 ضعف ما يستهلكه مواطن بنغلادشي[6]. إذا ما استمرّت كل شعوب العالم بالتطلّع إلى أسلوب الحياة الأميركي، فستحتاج البشرية لثلاث كواكب أخرى بحجم كوكب الأرض لكي يكون هنالك ما يكفي من الموارد للجميع.

إذا ما دمجنا المعطيات حول ارتفاع وتيرة الاستهلاك مع معدّلات الزيادة السكّانية، نحصل على نتيجة واضحة وخطيرة جداً: حين يصبح هنالك 15 مليار إنسان على الكوكب، وبمعدّلات استهلاك متوسّطة، لا تكفيهم موارد الأرض سوى ليوم واحد فقط من الاستهلاك… نكرّر، حين نصبح 15 مليار إنسان على الكوكب، موارد الأرض يمكنها أن تشبع حاجاتنا الاستهلاكية ليوم واحد فقط؛ في اليوم الثاني، لن يكون هنالك أي حيوان أو نبات أو جماد أو مورد لنأكله أو نشربه أو نشتريه… باستثناء بعضنا البعض.

للأسف، في ظلّ النموّ السكّاني والمالي، من شبه المستحيل على البشرية أن تستيقظ يوماً ما وتقرّر أنه يجب إيقاف النموّ؛ لا يمكن إقفال المصانع والمتاجر والموانىء فجأة من دون أن ينهار كل شيء، لا يمكن اتخاذ قرار بوقف دفع القروض للمصارف من دون أن ينهار كل النظام المالي، ولا يمكن اتخاذ قرار بوقف الاستهلاك ووقف عمليّات البناء والانتاج وترك السكان يتضوّرون جوعاً في الشوارع. النموّ الدائم، هو بالنسبة للنظام القائم ضرورة حتمية تحت طائلة الانهيار وليس مجرّد خيار يمكن الأخذ به أو وضعه جانباً بحسب الحاجة، وكل سكّان العالم هم رهائنه. السؤال البديهي في هذه الحالة هو هل يمكن لبعض الرهائن أن يتحرروا من سطوة النظام وينقذوا القليل مما تبقّى لهم؟ وهل هنالك من طريقة أو أمل لتفادي الانهيار المحتوم؟

*
_____________
الاثنين المقبل على نينار: عواقب النمو: احتضار غايا
_____________
*

Notes:

[1] A Thousand Barrels a Second: The Coming Oil Break Point and the Challenges Facing an Energy Dependent World, Peter Tertezakian, McGraw Hill, Canada 2007, p 151.

[2] Ecological Footprint Atlas 2009, Global Footprint Network: http://www.footprintnetwork.org/atlas

[3] A thousand barrels a second, IBID, p 151.

[4] “World Population Prospects:The 2008 Revision”. Population Division of the Department of Economic and Social Affairs of the United Nations Secretariat, June 2009.

[5] The Final Energy Crisis, Edited by Sheil Newman, Pluto Press; 2nd edition, 2008, p 158.

[6] راجع: ريتشارد هاينبرغ، غروب الطاقة، ص 48- 55.

4 comments

  1. تنبيه: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه « نينار
  2. __ahmad · يونيو 23, 2012

    يومي كلّه ضاع بهالمدونة الجميلة !! طبعاً ما ضاع بالمعنى الحرفي! أي إنه أُستهلك فقط! ،
    ولو إني أختلف معاك في بعض هجومك ع الديانات الإبراهيمية تحديداً لكنها مواضيع قديمة لم أرد أن أنبّش فيها
    إستمتعت بقراءة أكثر من سلسلة دفعة واحدة ،
    أما فيما يخص هالمقالة ، أقل ما يقال أنها معلومات مرعبة والعالم في سُبات رهيب
    أنتظر مقالاتك القادمة بشغف

    • Tony Saghbiny · يونيو 25, 2012

      يا هلا أحمد، انبسطت بمرورك صديقي : )
      الاختلاف في الآراء طبيعي وهو لا يفسد للود قضية كما نقول، لا اعتقد انه يوجد شخصين في العالم لديهما نفس الآراء في كل شيء!
      اتمنى أن يكون المضمون هنا مفيداً لك دائماً
      تحياتي

  3. تنبيه: فيما العالم يحترق… هنالك مستقبل آخر ممكن « نينار

التعليقات مغلقة.