عواقب اقتصاد النموّ: احتضار غايا

بحر آرال في منطقة القوقاز كان في الماضي أحد أكبر البحار الداخلية في العالم، بمساحة 68 ألف كيلومتر مربع (نحو خمسة أضعاف مساحة لبنان) كان يحوي فوق مياهه أكثر من 1500 جزيرة. في الستينات من القرن الماضي، قام الاتحاد السوفياتي بتحويل مسار الأنهار التي تغذي البحيرة لاستعمال مياهها في ريّ الصحراء لزرع القطن والأرز والقمح وبيعها للخارج للحصول على عملات أجنبية. السياسات المذكورة سبّبت جفاف البحر وتغيير بيئة القوقاز إلى الأبد، بحلول العالم 1991 تقلّص حجم البحر إلى أقل من 10 في المئة من حجمه السابق واختفت الأسماك من مياهه. في الصورة: سفن صيد قديمة لا تزال في مكانها في البحر الذي أصبح الآن صحراء ترعى فيها الجمال!

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

طوني صغبيني

*

في العام 1979 طرح العالم البريطاني جيمس لوفلوك نظرية مثيرة للجدل في كتابه “غايا: نظرة جديدة للحياة على الأرض”. النظرية المعروفة باسم نظرية غايا هي مشتقّة من اسم إلهة الخلق اليونانية التي اعتبرها القدماء أنها الأرض نفسها. وبحسب لوفلوك، غايا اليوم غاضبة جداً، وهي تحتضر.

يقول الباحث البريطاني، الذي يتبنى نظريّته اليوم العديد من العلماء، أن الأرض هي منظومة بيئية واعية ذاتية النظم conscious self-regulating system ، أي أنها منظومة دينامية موحّدة وحيّة تتجاوب مع التأثيرات التي تتعرّض لها وتردّ عليها بما يحافظ على ظروف الحياة على الكوكب. وفقاً للنظرية، أي نشاط بشري يؤثّر على البيئة في أي مكان من الكوكب يولّد ردّة فعل تلقائية معاكسة في المنظومة البيئية تهدف إلى إعادة التوازن.

السنوات الأخيرة وما صاحبها من قضاء واسع على الأنظمة الإيكولوجية وارتفاع هائل في نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الجوّ، دفعت لوفلوك في كتابه الأخير للتحذير من مستقبل قاتم جداً في ظلّ دخول الأرض في مرحلة تُعرف بـ”حلقة التغذية الاسترجاعية” feedback loop. في ظلّ التغذية الاسترجاعيّة تدخل كل المنظومات البيئية في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، يقدّرها بعض العلماء بعشرات آلاف الأعوام، حتى الوصول إلى توازن جديد للحياة على الكوكب. تتميّز هذه المرحلة بموجة غير مسبوقة من الفياضانات والتصحّر وتغيّر المناخ؛ لوفلوك يقول أنه بحلول العام 2040 “سيكون عدد سكان العالم البالغ اليوم ستّ مليارات قد تقلّص بسبب الفياضانات والجفاف والمجاعة. سيكون سكّان أوروبا الجنوبية وجنوب شرق آسيا في خضم التقاتل للوصول إلى دول مثل كندا، استراليا وبريطانيا” .

ويحذّر من أنه خلال ثلاث عقود “ستتقدّم الصحراء إلى أوروبا الوسطى ونحن نتحدّث هنا عن باريس وربّما برلين. لكن البحر سيحمي بريطانيا من موجة التصحّر القاري. إن أخذنا تقديرات اللجنة الحكومية الدولية حول تغيّر المناخ بعين الاعتبار، فبحلول العام 2040 سيكون كل صيف في أوروبا بنفس حرارة صيف عام 2003” (الذي شهد موجة حرّ أدّت لموت الآلاف). يتابع لوفلوك: “ليس فقط موت الناس هو المشكلة بل واقع أن النباتات لن تنمو، لن يكون هناك بالامكان زراعة أي غذاء تقريباً في أوروبا. نحن على وشك الدخول في خطوة تطوّرية وآمل أن نخرج من التجربة كجنس أقوى. سيكون من الغطرسة أن نفكّر أن البشر كما هم اليوم هم الجنس الذي اصطفاه الله”.

رغم أن لوفلوك يُعتبر من أكثر الباحثين تشاؤماً في أوساط العلماء إلا أن الوقائع العلميّة المعاصرة تدعم إلى حد بعيد رؤيته الدراماتيكية. تدهور البيئة الأرضية لم يحدث فجأة ولا بالأمس، كان العلماء يحذّرون منه طوال العقود الأربعة الماضية. تقرير مجموعة الباحثين المعروفين بـ”نادي روما”، بعنوان “حدود النموّ” حذّر منذ العام 1972 من أنه “إذا استمرّت الوتيرة الحالية للنموّ السكاني، التصنيع، التلويث، انتاج الغذاء ونفاذ الموارد الطبيعية كما هي من دون تغيير، فإن الحدود النهائية للنمو سيتم بلوغها في وقت ما خلال المئة عام المقبلة. النتيجة الأكثر ترجيحاً في هذه الحالة هي انهيار فجائي وغير قابل للتحكّم به في عدد السكّان وفي القدرة الصناعية”.

في دراسة تقييمية لنادي روما أجريت عام 2005 بعد مرور ثلاثة عقود على التقرير الأوّل، كانت الخلاصة تؤكّد نفس الاتجّاه، بل أضافت استنتاج أكثر خطورة يقول أن “البشرية دخلت في الواقع عتبة اللاستدامة”[1] أي أنها تخطّت نقطة اللاعودة ما لم يكن هنالك تغييرات جذرية وفورية في الحضارة الإنسانية.

وبالفعل هنالك عدد من الأزمات البيئية المتزامنة التي تدلّ على أننا أمام أزمة وجوديّة غير مسبوقة. بالإضافة إلى أزمة التغيّر المناخي[2]، نحن نشهد موت متسارع للعديد من الأنظمة الإيكولوجية الضرورية للحياة البشرية، كما أننا نشهد انقراض 200 فصيلة حيّة كل يوم، وأزمة تصحّر غير مسبوقة تأكل كل عام 12 مليون هكتار جديد من الأرض – أي 12 مرّة مساحة لبنان.

وهنالك أزمات أكثر من وجودية لا نسمع عنها شيئاً في وسائل الإعلام، مثل أزمات تآكل التربة Soil erosion، احتضار المحيطات وتناقص المياه العذبة.

تآكل التربة مثلاً يحصل نتيجة الزراعة المكثّفة التي تؤدي إلى فقدان التربة الخصبة وتحوّل الأراضي الزراعية إلى أراض جافة وشبه رملية. الأبحاث تشير إلى أن أكثر من 38 ألف أكر من الأراضي تتحوّل سنوياً إلى أراضٍ غير قابلة للزراعة أو إلى صحراء. خلال العقود الأربعة الأخيرة، تحوّلت 30 في المئة من الأراضي الزراعية إلى أراضٍ غير منتجة.

مع تسارع وتيرة التدهور هنالك قلق حقيقي حول المستقبل الغذائي إذ أننا لا نعرف حجم المساحات التي ستبقى قابلة للزارعة بحلول العام 2050 (حين يكون هنالك 9 مليارات نسمة على الأرض). المركز الأيسلندي للحفاظ على التربة يقول أنه “علينا خلال العقود الخمسة المقبلة انتاج غذاء يساوي ما انتجته البشرية خلال العشرة آلاف عام الماضية”[3].

إلى جانب التربة والزراعة، تعاني امدادات المياه العذبة على الكوكب من أزمة لا تقلّ خطورة. كانت خزانات المياه العذبة حول العالم دخلت منذ ثلاثة عقود في مرحلة حرجة. أما الأسباب فهي أولاً التلوّث الذي يجعل العديد من الأنهار والخزانات المائية غير صالحة للاستهلاك البشري، وثانياً هي مستويات الاستهلاك المرتفعة التي سبّبت حرفياً جفاف العديد من الخزانات المائية والأنهار والبحيرات. إلى ذلك، تترك أزمة التغيّر المناخي وقعاً مباشراً على المياه العذبة، إذ إنها تؤدي إلى ذوبان الأنهار الجليدية بشكل أسرع من قدرتها على التعافي – أي اختفاء مصادر المياه العذبة لحوالي ثلث سكّان العالم لأن الأنهار الجليدية في الجبال تغذّي الأنهار وخزّانات المياه الجوفية. ويؤدي التغيّر المناخي أيضاً إلى تغيّر أنماط تساقط الأمطار، ويتراوح تأثيره بين التسبّب بموجات جفاف طويلة تؤدّي إلى تسارع وتيرة التصحّر، وبين التسبّب بأمطار غزيرة جداً تتحوّل إلى سيول لا تمتصّها التربة ولا تغذّي الخزّانات الجوفية. في جميع الأحوال، المياه العذبة المتاحة للاستهلاك البشري والحيواني والنباتي تتقلّص سنوياً.

إلى ذلك، تهدّد أزمة احتضار المحيطات ظروف الحياة على اليابسة. بالإضافة إلى اختفاء العديد من مناطق الصيد البحري بسبب عمليّات الصيد التجارية المكثّفة، هنالك مشكلة امتصاص المحيطات للكربون الذي نرميه نحن في الجوّ. الأمر الأخير يؤدي إلى زيادة حرارة المحيطات وتدنّي نسبة الأوكسجين في المياه، ما يؤدي إلى نشوء “مناطق ميتة” في المحيطات.

احتضار المحيطات يحمل مخاطر أكثر مما نتخيّل، بالإضافة إلى تأثيره الكبير على الأمن الغذائي، هو يؤثر أيضاً على المناخ ودرجة الحرارة وأنماط الطقس على اليابسة لدرجة تدفع بعض العلماء للقول أنه “إذا ماتت المحيطات، ستأخذنا معها“. الأبحاث الجيولوجية في هذا المجال تظهر أنه عندما انخفضت نسبة الأوكسجين في المحيطات قبل 250 مليون عام وترافقت مع تغيرات مناخية دراماتيكية شبيهة بتغيّرات اليوم، كانت النتيجة انقراض 95 % من الأجناس الحيّة على سطح الكوكب.

وتؤكد الباحثة في علوم المحيطات آلانا ميتشل أن “ما يحدث (في المحيطات) هو أكبر من أن يكون بامكان دولة واحدة أن تواجهه” ويتطلّب جهوداً عالمية غير مسبوقة. وتحذّر ميتشل من أن “نافذة الفرص للتحرّك هي ضيّقة”، مستشهدة بالأبحاث المناخية التي تشير إلى أن النقطة الأخيرة الممكنة للتحرّك لإنقاذ المحيطات هي بين عامي 2015 و2030.

* * *

كل هذا الرعب يشير إلى نتيجة واحدة: حضارتنا تقتل الأرض ببطء، وتقتلنا معها. الأزمات التي ذكرناها تترك بصماتها في هذه اللحظة بالذات على طريقة حياتنا وستحدّد معالم مستقبلنا ومستقبل أولادنا لفترة طويلة جداً.

لكن عواقب دين النموّ لا تقف هنا ولا تقتصر على قتل الكوكب فحسب، بل هي تقتل إنسانيّتنا نفسها… هذا ما سنتحدّث عنه في المقال التالي.

*

____________________________

الإثنين المقبل على نينار: هل هنالك حقوق للإنسان في ظلّ دين النموّ؟

____________________________


هوامش:

[1] The New energy crisis: Climate, Economics and Geopolitics, IBID, p 6.

[2] التغيّر المناخي يتمثّل بشكل أساسي بارتفاع درجات الحرارة على الأرض، وهو ناتج عن ارتفاع تركيز الغازات الدفيئة في الجوّ التي تحبس أشعّة الشمس في الغلاف الجوّي وتؤدّي إلى ارتفاع درجة الحرارة على الكوكب، وهذه الظاهرة تهدّد على المدى الطويل الوجود البشري نفسه، وعلى المدى القصير تشكّل خطراً على الأمن الغذائي والمائي والصحّي والبشري لكلّ المجتمعات الإنسانية.

11 comments

  1. تنبيه: دين النموّ: عن جنون يقتل الكوكب وناسه « نينار
  2. سهيل سعد · يونيو 25, 2012

    أكثر شيء يرعبني مما هو متعلق بالمستقبل، التلوث وانهيار النظام البيئي
    إذ أن لكل مشكلة حل، سواء على الصعيد الشخصي أو المجموعة او الوطن
    ولكن إذا انهارت البيئة فلن يكون بإمكان أي أحد إيجاد حل لمشكلة انهيارها
    وسيطال ضرر انهيار المنظومة البيئية الجميع، الملوثين وغير الملوثين.
    والمشكلة الكبرى أن ما يؤدي إلى انهيار البيئة هو مطلب جماهيري يتمثل
    بالرفاه الاقتصادي والاستهلاك المحموم لموارد وخيرات الأرض.
    الحل الوحيد هو اكتشاف كوكب جديد ثم الهجرة إليه.

    • Tony Saghbiny · يونيو 26, 2012

      هذا الهاجس مشترك بيننا صديقي، كنت اعتقد ان النظم البيئية قادرة على التعافي من أي شيء لكن عندما قرأت أكثر في العلوم البيئية واكتشفت انها يمكن أن تصل إلى نقطة اللاعودة أصبحت هذه القضية خوفي الأساسي.
      للأسف لا يمكننا الهجرة إلى كواكب أخرى، ليس لدينا ما يكفي من الطاقة لنقوم بذلك.
      سلامي لك

  3. عبير · يونيو 26, 2012

    مع إنه مقالتك علميّة كتير، بس أيّ رد ممكن أكتبه عليها هوي عاطفي بحت.
    أنا بعد ما قريت المقالة مبارح الصّبح، حسّيتها ضلّت معي طول النّهار، وكنت حاسة إني وحيدة وأنا عم بتفرج عالعالم كيف ماشي، وعالناس وهنّي مستعجلين، بالشارع وبالشغل وبالجامعة، كتير كانوا مستعجلين، وكتير حسّيت إني حزينة. أكيد الهموم اللي شاغلتهن ومخلّيتهن يركضوا، يوميًا هيك، ضئيلة كتير، والمحزن إنه بعرف إنه مستحيل يوقفوا وينتبهوا لإيش عم بيصير… ومش قادرة أستوعب ليش هالقد صعب إنه ينتبهوا لهالنقطة الأساسية بحياتهن، ويفكّروا فيها شويّ بأيّاماتهن المجنونة… ليش هالقدّ صعب؟ حزين كتير.

    • Tony Saghbiny · يونيو 26, 2012

      انا بسأل حالي نفس السؤال عبّور، وما عندي جواب مقنع 100 %، يمكن الناس ملتهية كتير بحالها ويومياتها لدرجة انه مش قادرة تلاحظ الصورة الكبيرة، او يمكن بكل بساطة الغالبية الساحقة أنانيين ومش مهتمين يعرفوا أساساً، وكمان يمكن السبب الكبير انهم مستفيدين من الوضع، كلنا مستفيدين من الوضع بطريقة أو بأخرى، عم ناخد الأرض ونعملها سيارات ولابتوبات وتلفونات وأفلام وخردة وزبالة، ما حدا مهتم من وين عم تجي هالأمور طالما عم يحصل عليها وينبسط فيها.
      برأيي المتواضع الناس اللي بتعرف مش لازم تتعب حالها بمحاولة اقناع الناس اللي ما بتعرف.

  4. تنبيه: فيما العالم يحترق… هنالك مستقبل آخر ممكن « نينار
  5. الدُب · يوليو 12, 2012

    قد اتفق معك في مجمل ما تقول، لكنني قطعا لا استسيغ فكرة اننا نقتل الارض، فهي الباقية ونحن الزائلون. هذا كوكب شهد العديد من الكوارث الكبرى، بعد ان كان قد جاء من أتون ناري، وبزغت الحياة من رحم الارض باشكال عديدة. لكن علينا ان نتذكر ان ما يقارب 99% من اجمالي “الكائنات الحية” التي وجدت في وقت ما قد انقرضت.
    ربما نشعر بالاسى للواقع البيئي المرير الذي نشهده كل يوم، والذي يستفحل باضطراد، لكن الخاسر الاول والاخير هو النوع البشري، ليس الا.

    • Tony Saghbiny · يوليو 15, 2012

      هلا برفيق الياس، زمان صديقي!
      انا معك باللي عم تحكيه، الأرض قادرة ترجع تتعافى، بس حرام نتيجة كذا مليون سنة من التطور نكبهم بالزبالة كرمال 250 سنة حضارة صناعية!
      بتمنى يكون كل شي منيح صوبك
      سلامي

  6. تنبيه: بطاقة الائتمان والعبودية المقنّعة « نينار
  7. تنبيه: لماذا يجب تجاوز اليسار | نينار
  8. تنبيه: Tony Saghbiny: لماذا يجب تجاوز اليسار « Arab Spring Collective

التعليقات مغلقة.